الثورات ما بعد الإسلاموية: ما الذي تعنيه انتفاضات العالم العربي؟

الثورات العربية، ليبرالية علمانية بنكهة إسلامية -... كيف ينبغي أن ننظر إلى الثورات التي اجتاحت العالم العربي؟ يرى إليها بعض المراقبين على أنها ثورات "ما بعد حداثية"، معطلة وبلا قيادة، ومن دون أي أيديولوجية ثابتة. ويراها آخرون باعتبارها نموذج الموجة المقبلة من الثورات الديموقراطية والليبرالية. أما الأكثر شيوعاً، فهو وصفها بأنها ثورات شباب؛ لأن الشباب هم الذين لعبوا دوراً رئيسياً في بدئها. لكن آخرين ما يزالون يرون أنها قد تكون ثورات إسلاميين، والتي ستؤدي إلى تحويل المنطقة إلى ثيوقراطية تشبه إيران. وفي الولايات المتحدة، يبقى هذا هو الموقف الذي يعتنقه العديد من الجمهوريين. ويتفق معهم المتشددون الإيرانيون، مصرين على أن الثورات العربية تستلهم الاستيلاء الإسلامي على الحكم في إيران في العام 1979. وكانت الفصائل الدينية منخرطة في الاحتجاجات العربية إلى حد ما -حزب "النهضة" في تونس، والإخوان المسلمون في مصر وسورية، والمعارضة الإسلامية في اليمن، على سبيل المثال. لكن الثورات تجاوزت، في الحقيقة، تلك الثورات السياسية الإسلامية التي سادت في المنطقة قبل سنوات قليلة فحسب. وفي مقال نشر في العام 2008 حول مستقبل الثورات الإسلامية، كنت قد اقترحت أن التجربة الإيرانية "يرجح أن تكون أول وآخر ثورة إسلامية في عصرنا"، لأن "نمو الحساسيات والحركات الديمقراطية (في الشرق الأوسط) من المرجح أن يدفع بالنزعة الإسلامية إلى الدخول في طور "ما بعد إسلاموي"، مما يمهد الطريق أمام تغير ديمقراطي يمكن فيه لإسلام شامل أن يلعب دوراً مهماً. ويمكن وصف الناتج بأنه ثورات إصلاحية refo-lutions "ما بعد إسلاموية‘ (مزيج من الإصلاحات والثورات)". والنزعة ما بعد الإسلاموية ليست معادية للإسلام أو علمانية؛ وتتمسك أي حركة ما بعد إسلاموية بالدين، لكنها تعلي أيضاً من شأن حقوق المواطنين. وهي تطمح إلى مجتمع تقي ورع داخل دولة ديمقراطية. وتضم أوائل الأمثلة على هذه الحركات حركة الإصلاح في إيران في أواخر التسعينيات؛ و"الحركة الخضراء" في ذلك البلد اليوم، و"حزب العدالة الإندونيسي المزدهر"، و"حزب الوسط" المصري، و"حزب العدالة والتنمية" المغربي، و"حزب العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا. وكان كل من هذه الأحزاب أصولياً في البداية، لكنها تحولت مع الوقت إلى انتقاد التطرف الإسلامي، وانتهاك الحقوق الديمقراطية، واستخدام الدين كأداة لإسباغ القداسة على السلطة السياسية. وقد اختارت جميعاً في نهاية المطاف العمل في إطار الدولة الديمقراطية. وتبدو حركات الاحتجاج التي تقوم عليها الثورات الحالية وأنها مصممة لاتباع هذه التجارب الما-بعد إسلاموية الأبكر. وحتى الآن، كان الخطاب الديني غائباً بشكل ملحوظ، رغم أن المشاركين في انتفاضات الشرق الأوسط الكثيرة يظلون في غالبيتهم الساحقة أهل إيمان. وفي تونس، كان هدف المحتجين المركزي هو إقامة حكومة ديمقراطية. وكان رشيد الغنوشي، مؤسس الحزب الإسلامي الرئيسي في تونس -حزب النهضة الإسلامي- قد رفض علناً قيام دولة على غرار دولة الخميني، وامتنع عن الترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة. وبالمثل، طالبت الثورة في مصر بـ"التغيير، والحرية، والعدالة الاجتماعية" وكانت علمانية على نطاق واسع. وفي الواقع، فإن الجماعات الدينية الرئيسية -جماعة أنصار السنة المحمدية؛ وهي حركة سلفية تسيطر على 500 مسجد وعشرات من المدارس والجمعيات؛ والأزهر، وهو المعهد الإسلامي الرئيس ذو الصفة المؤسسية؛ والكنيسة القبطية، لم تدعم الثورة في البداية. ثم انضم الحرس القديم لجماعة الإخوان المسلمين مترددين وعلى مضض، وفقط بعد أن دفعهم إلى ذلك الأعضاء الأصغر سناً في المجموعة. ولا تتكون حركة التمرد في ليبيا والحكومة المؤقتة، المجلس الوطني، من الإسلامويين أو أعضاء تنظيم القاعدة، وإنما من خليط من العلمانيين والمؤمنين؛ بمن في ذلك الأطباء والمحامون والمعلمون والمنشقون عن النظام، والناشطون في العمل على إنهاء ظلم معمر القذافي. ووفقاً للمتحدث باسمهم، عبد الحفيظ خوجا، وهو محام لحقوق الإنسان، فإن الوجود الإسلاموي هو في الحد الأدنى، بما أن الإسلاميين في البلاد، كانوا، في معظمهم، قد سحقوا من قبل القذافي منذ فترة طويلة. وفي اليمن وسورية، حيث يطالب المتظاهرون أيضا بالديمقراطية، لم تكن هناك أيضا أي أدلة على وجود إسلاموي رئيسي. وفي البحرين، بطبيعة الحال، اتخذت الاحتجاجات بعداً طائفياً، بما أن الملك سني والسكان شيعة، لكن للمعارضة الرئيسية مع ذلك مطالب علمانية إلى حد كبير: حكومة منتخبة، وصحافة حرة، والحق في إنشاء منظمات، ووضع نهاية للتمييز الديني. تمثل ثورات اليوم المدنية والعلمانية بغالبيتها الساحقة خروجاً على السياسة العربية في منتصف الثمانينيات والتسعينيات. ومتشجعة بالثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، كانت الطبقة السياسية في تلك الأيام مهووسة بفكرة إقامة نظام إسلامي، بما في ذلك دولة دينية وتطبيق الشريعة الإسلامية. وكان هدفها الأساسي إقامة مجتمع أيديولوجي تتم من خلاله معالجة الشواغل العلمانية. وبالنسبة للإسلاميين، كان يُنظر إلى الدولة على أنها أكثر المؤسسات قوة وفعالية لنشر "الخير" والقضاء على "الشر". وفي المقابل، نظر الإسلاميون إلى المواطنين كرعايا مطيعين وشددوا على التزامهم تجاه الدولة الصالحة، مع القليل من الاكتراث لحقوقهم. كانت الوسائل لتحقيق مثل هذا الأمر تختلف اعتماداً على المجموعة. وقد لجأ المتشددون الإسلاميون، مثل "الجماعة الإسلامية" المصرية، إلى السلاح في التسعينيات لإسقاط الدول العلمانية. أما المعتدلون، أو الإسلاميون الانتخابيون، مثل الإخوان المسلمين في مختلف البلدان العربية، فقد فضلوا (الدعوة) والعمل من داخل النظام من أجل تحقيق تغيير إسلامي تدريجي. وكان المتشددون والمعتدلون متحدين في العداء تجاه الغرب. لكن أهدافهم وأعداءهم المشتركين لم تستطع التوفيق تماماً بين خلافاتهم بشأن السياسة الخارجية. فقد تحالفت الجماعات الشيعية المتشددة، مثل حزب الدعوة في العراق، وحزب الله في لبنان مع إيران؛ في حين ظل نظراؤها من السنة أقرب إلى المملكة العربية السعودية. كانت الدول الاستبدادية العربية قد زرعت، عن غير قصد، بذور زوالها الخاصة. ففي الثمانينيات والتسعينيات، وبينما كان السكان ينمون ويتحضرون، ارتفعت المطالب بالحقوق -على وجه التحديد بوظائف بأجر وآمنة، وبالسكن اللائق ووسائل الراحة، والاحترام. وبطبيعة الحال، لم تستطع اقتصادات البلدان العربية أن تواكب المطالب. وفي كامل فترة الثمانينيات، هزت الاضطرابات الكبيرة المدن العربية الرئيسية. وبدل أن تأخذ مهام رفاه الشعب على عاتقها، ومتبعة أجندات الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي كانت شائعة في التسعينيات، كلفت الحكومات العربية إلى القطاع المتنامي من الجمعيات الخيرية الدينية والمنظمات غير الحكومية بتقديم المساعدة. لكن تلك الترتيبات أثبتت أنها أضعف كثيراً من أن تخفف من الفقر المدقع وعدم المساواة اللذين تعاني منهما مجتمعات الشرق الأوسط. وفي الواقع، عمل مزيج من السياسات الاقتصادية الجديدة وشبكة أمان ضعيفة على زيادة الفجوة في الدخل بين الأغنياء والفقراء، وجعل الطبقة الوسطى العاملة أكثر ضعفاً من الناحية الاقتصادية، وقام بتهميش جزء كبير من الطبقة الوسطى المتعلمة. وشهد العقدان الأخيران توسع شريحة "فقراء الطبقة الوسطى". وكانت هذه الفئة المتناقضة حاصلة على شهادات جامعية، وتتمتع بالاتصال مع بقية العالم، وتستخدم الأنماط الرقمية للاتصالات، وكانت تتوقع أسلوب حياة على طريقة الطبقة الوسطى، فقط لتُجبر على العيش في الفقر مع فرص قليلة للتحسن. ومثل غيرها من الفئات المحرومة في العالم العربي، مثل النساء الفقيرات المهمشات، والشباب، ناضلت الطبقة الوسطى الفقيرة بهدوء لتحسين فرصها في الحياة. وكافحت العديد من النساء المسلمات لتأكيد وجودهن في الأماكن العامة، والذهاب إلى الجامعات، والسعي إلى العدالة في المحاكم، وزور الشباب هويات جماعية في الجامعات، والمقاهي، وعلى شبكة الإنترنت، وحاولوا تأكيد استقلاليتهم وتغيير السياسات من خلال الانخراط في المجتمع المدني والعمل التطوعي. بيد أن معظم هذه الجهود أخفقت. (أصبح الشباب تهديداً حقيقياً للنظام في أواسط العام 2010، عندما يسرت وسائل الإعلام الاجتماعية تعبئتهم الجماعية ضد الأنظمة الراسخة). أما في عقد التسعينيات، فكان التحدي السياسي الأكثر خطورة على الأنظمة العربية هو المعارضة الإسلامية، التي دعمها الكثيرون من فقراء الطبقة الوسطى. لكن الحركة الإسلامية بدأت تفقد جاذبيتها إلى حد كبير في الآونة الأخيرة، وفقد النموذج الإيراني للثورة الكثير من بريقه. وأصبحت سمعة النظام في القمع، وكراهية النساء، والتوجهات الإقصائية، وعدم الوفاء بالوعود، أموراً واضحة ومعروفة على نطاق واسع، منفرة الذين كانوا متعاطفين معه ذات مرة. وعلاوة على ذلك، تسبب عنف تنظيم القاعدة في رد فعل عنيف في أوساط المسلمين العاديين، الذين وجدوا ممارسات تنظيم القاعدة مقيتة بالنسبة لروح الإسلام الحقيقية. وانتقد الكثيرون من المؤمنين في العالم العربي عدم احترام الإسلاميين لحقوق الإنسان والتسامح والتعددية. ولم يعد هؤلاء يقبلون باستغلال الإسلام كأداة لسمسرة السلطة والامتيازات. ولإنقاذ الإسلام، بدأوا بالتخلي عن فكرة الدولة الإسلامية. وفي الوقت نفسه، أدركت الطبقة السياسية أن حملتها القومية، المضادة للإمبريالية، والمؤيدة لفلسطين، سوف تتعثر طالما ظلت مرتبطة مع الخطاب الديماغوجي للأنظمة الاستبدادية. وهكذا، كانت الخطوة المنطقية التالية هي التركيز على قضية داخلية رئيسية: الديمقراطية. كانت بدايات لرؤية ما بعد إسلامية قد ظهرت أولاً في مصر في العام 2000، عندما نجحت مجموعة تدعى "اللجنة الشعبية للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية" في الجمع بين الشباب، والمجتمع المدني، والنشطاء السياسيين لإقامة تظاهرات حاشدة في ميدان التحرير ضد الحصار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. لكنها كانت حركة "كفاية" في العام 2004 هي التي بشرت بقدوم سياسات ديمقراطية في مرحلة ما بعد إسلامية: كانت تركز على الديمقراطية وحقوق الإنسان في الداخل أكثر من السياسة في الخارج، وقامت بردم الفجوات الإيديولوجية، وخصوصاً بين الناشطين المتدينين والعلمانيين، وبين اليساريين والقوميين. وبذلك، استطاعت أن تجاوز السياسة الإسلامية ذات النزعة الحصرية. هذه الطريقة الجديدة لممارسة السياسة في حقبة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) أثرت في نهاية المطاف في الدائرة الداخلية للحركة الإسلامية، مقنعة الناشطين والمنظرين، مثل الشباب في جماعة الإخوان المسلمين، بإعادة النظر في مشروعهم السياسي. وقد افترقت العديد من الجماعات -بما في ذلك الإصلاحيون في إيران وحزب العدل الإندونيسي المزدهر- صراحة وعلناً عن رؤيتها السابقة للإسلاموية. وفي مصر، اتخذ الإخوان المسلمون خطوات تدريجية وبراغماتية نحو الاعتراف بشرعية الديمقراطية، والفصل بين السلطات، وحقوق الأقليات -عندما دفعتها حركة كفاية وخطاب الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش عن الديمقراطية إلى القيام بذلك في أواخر القرن العشرين. وظهر اتجاه ما بعد الإسلاموية كإطار، يمكن أن تصبح السياسة الدينية ضمنه أكثر شمولاً. ويمكن للمسلمين أن يظلوا مسلمين بكل ثقة، لكن لهم دولة ديمقراطية أيضاً -كما أشار المثال التركي. وبينما توسعت وسائل الإعلام الإلكترونية، توفرت للناشطين الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء فرصة غير مسبوقة للاتصال والتعبئة، ووضع مطالبهم الديمقراطية على الأجندة. وهكذا، وبحلول أواخر العام 2010، ظهر جمهور ساكن جديد مع رؤية سياسية جديدة ومع الوسائل لتحقيقها؛ ومستعد لقيادة الثورات الحالية. ويبقى أن نرى ما إذا كان يمكن الحفاظ على الرؤية ما بعد الإسلاموية بعد أن تخف حدة الحماسة الثورية. ومن المؤكد أن هناك إمكانية لتجدد الأصولية. ويقوم السلفيون في مصر فعلياً، وهم الذين عارضوا الثورة، بإعادة تجميع صفوفهم في المساجد وفي الشارع، مع رسالة مفادها أن الديمقراطية "حرام". وربما يكون السلفيون قادرين على حشد بعض الدعم من خلال البناء على القضايا الأخلاقية والدينية. لكن هناك شيئاً واضحاً، مع ذلك: إن لدى الديمقراطيين، سواء كانوا من المؤمنين أو العاديين، مهمة ثقيلة أمامهم. ويجب عليهم العمل لتحقيق القيم الديمقراطية من كتب القواعد لتعبئة الناس العاديين. وإذا ما تمكن السلفيون من القيام بعمل على مستوى القاعدة الشعبية، فكذلك ينبغي أن تعمل القوى الديمقراطية أيضاً. *آصف بيات: أستاذ علم الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط في جامعة إلينوي. آخر كتبه "الحياة كسياسة: كيف يتغير الناس العاديون في الشرق الأوسط". آصف بيات* – (فورين أفيرز) ترجمة: علاء الدين أبو زينة الغد:14/5/2011