خلال محاضرته في "منتدى الدستور " الزيات:الاعتراف السياسي بالتيارات الدينية يسهم بتخفيف الاحتقان

أكد الخبير في شؤون الجماعات الاسلامية الاستاذ المحامي منتصر الزيات ان الاعتراف السياسي بالتيار الديني سيساهم إلى حد كبير في تخفيف الاحتقان القائم اليوم ، أو على الأقل سيساهم في محاصرة التيار الذي يستمر في سياسة العنف ، كما سيساهم حتماً في الاستفادة من طاقات الأمة الشابة والمتمثلة في شباب الحركة الإسلامية. وأضاف ، خلال محاضرته في منتدى "الدستور" حول "الاسلام بين التطرف والاعتدال" السبت الماضي ، أن الاعتراف السياسي بالتيار الديني سيساهم بشكل مباشر في إدماج تلك التيارات السياسية في الحركة الديمقراطية للمجتمع إذا ما اتفق على تعريف عام للديمقراطية في ظل منطلقاتنا وحضارتنا وقيمنا وسلوكياتنا. وقال الزيات ان مصطلحات التطرف والتشدد التي غالباً ما يستخدمها كتاب وسياسيون وبعض أهل الحكم ناعتين بها بعض فصائل التيار الإسلامي ، يعوزها الكثير من الدقة ، مؤكدا أن الجماعات الإسلامية التي نشأت في المساجد وفي الجامعات المصرية وفي القرى والمدن واحتضنتها جماهير الشعب والتفت حولها لا يمكن اعتبارها جماعات متطرفة لأنها من نسيج هذا المجتمع وتعبر عن ضميره وطموحاته ، وإذا حوكمت إلى المعايير الإسلامية فإن شيئاً من التطرف لن يثبت في حقها. وتناول الزيات الدوافع التي تؤدي ببعض الشباب المتدينين الى التطرف والتكفير ، لافتا الى تأثر هؤلاء الشباب بـ"تغييب" الأخلاق والقيم الفاضلة في المجتمع وشيوع ما يدحض العفة والوقار ، الى جانب عدم الإلمام بالعلم الشرعي وعدم التمكن من ضوابطه وأصوله. وشدد خلال محاضرته على الفارق الكبير بين الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه وأسبابه وبين العنف ، موضحا أن الأول من المنهج الشرعي السليم والثاني يفتقده. وكان مدير التحرير العام في "الدستور" الزميل رشاد أبو داود قد قدم المحاضر وألقى كلمة أمام الحضور تاليا نصها:.   بسم الله الرحمن الرحيم. قال تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا". صدق الله العظيم. الصلاة والسلام على سيدنا محمد العربي الهاشمي الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الاخوة ، إن الإسلام دين سلام ووئام ، لكنه في نفس الوقت ، دين قوة ومنعة. فليس صحيحاً ، ما يفتئتونه اليوم عليه ، ويلصقون به صفة العنف والإرهاب. وما هذه الاتهامات ، التي - للأسف - انساق وراءها أعداء الدّين في الغرب المتصهين ، إلاّ عداوة بغيضة للإسلام والمسلمين ، في محاولة منهم لإشغال العالم ، وخاصة الغربي منه ، بعدو وهمي ، بعد انهيار عدوهم الشيوعي ، ليظلوا يسيطرون على الأمم والشعوب ، بأشباح لا وجود لها ، إلا في النفس الصهيونية التي لا ترى في البشر إلا مجرد عبيد، ، وأنهم "هم" شعب الله المختار،. إنّ الإسلام وسطي ، حتى في العبادة ، فالذين أرادوا أن يشددوا على أنفسهم في العبادة ، نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووقف منهم موقفاً شديداً ، كما في قصة الثلاثة الذين جاؤوا إلى بيوت النبي صلّى الله عليه وسلّم يسألونه عن عبادته: "فكأنهم تقالُّوها ، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام ، وقال الآخر: أصوم ولا أفطر ، وقال الثالث: لا أتزوج النساء ، فقام النبي صلّى الله عليه وسلّم خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ، أما أنا فأصلّي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغبَ عن سُنَّتي ، فليس مني". والإسلام وسطي في الأخلاق والسلوك ، قال تعالى: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" ، ووسطي في التشريع ، قال تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقًبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" ، ووسطي في التوفيق بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة ، قال تعالى: "وابتغً فيما آتاك اللّه الدّار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدّنيا وأحسن كما أحسن اللّه إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنّ اللّه لا يحبّ المفسدين". لكن ، يبدو أنه زمن المفسدين في الأرض ، الذين يستبيحون أرضاً نشأ فيها الإسلام ، وأرضاً ارتفع فيها أذان "الله أكبر" ، بلغة عربيةْ ، من شعوب ليست عربية ، لكنها آمنت بالإسلام ديناً وبمحمّد نبياً ورسولا. يسرّ منتدى "الدستور" أن يستضيف شخصية إسلامية ، عرفت بدفاعها عن الإسلام ، وتحمّلت المشقات من أجل ذلك. ضيفنا اليوم الأستاذ منتصر الزيّات ، المحامي والكاتب والمؤرّخ ، الذي اشتهر بلقب "محامي الجماعات الإسلامية في مصر الشقيقة" ، وله العديد من المؤلفات والأنشطة ، وهو مؤسس جماعة المحامين الإسلاميين في نقابة المحامين سنة 1985 ، ومؤسس مركز المستقبل للدراسات والأبحاث في القاهرة ، يهتم بشؤون الحركات الإسلامية ، وعضو مؤسس بالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، وكاتب بصحف الحياة اللندنية والراية القطرية والرأي العام الكويتية وأخبار العرب الإماراتية ، ومؤسس مركز شهود في القاهرة ، الذي يهتم بشؤون الحركات الإسلامية أيضاً في العالم العربي والإسلامي المؤتمرات. وكان عضواً في مجلس النقابة العامة للمحامين بمصر ، ومقررا للجنة الدفاع عن الحريات بالنقابة العامة للمحامين ، وأمين صندوق النقابة العامة للمحامين وأمينا عاما مساعدا للنقابة العامة للمحامين في مصر. نرحّب بالأستاذ منتصر الزيّات.. الزيات بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أنا سعيد جداً بوجودي في هذه الدار العريقة ، دار "الدستور" ، وهي منبر مهم للثقافة والفكر في العالم العربي ، فأن أجلس على هذه المنصة شرف كبير لي ، وهو شرف لأي باحث أو مفكر أن يجلس على طاولة "الدستور" ليتحدث وليفكر بصوت عال مع قرائها. كنت أتمنى أن نتكلم حول أمور كثيرة ، والساحة الآن (تشجي) ، وها هي تونس بقريب. كنت أتمنى أن نتحدث عن الديمقراطية ، جدلية الديمقراطية والدين والدولة.. "الدستور" كانت قد تفضلت وأجرت معي حواراً صحفياً قبل قرابة ثلاث سنوات ، ونشر بتوسع ، وكانت ردة الفعل حول هذا الحوار قوية وقاسية وعنيفة ، من خلال ردود الأفعال التي تابعتها على شبكة الإنترنت والتعليقات التي وردت على هذا الحوار ، لأننا ما زلنا حتى الآن داخل الحركة الإسلامية بشكل خاص ، وفي عقول كثيرين أيضاً يلتحفون بمظلة الهوية الإسلامية في النهج الحركي السياسي ، يستغربون ضرورة وضع ضوابط لدمقرطة الشورى أو أسلمة الديمقراطية ، فالمسألة ما زالت تحت الإشكالية. وقلت في ذلك الحوار أفكاراً تحدثت فيها بأريحية ، ولكن استغربت قسوة التعليقات التي هي كاشف عن عدم استيعاب كثيرين من الإسلاميين لأدوات العمل الديمقراطية ، أما وقد حوصرت بهذا العنوان فلم يكن لي بد إلا أن أستجيب وأتحدث في الحوار. عن الاعتدال والتطرف حينما أتحدث عن هذا الموضوع لن أتحدث عنه باعتباري أحد الذين تولوا شرف الدفاع عن الجماعات الإسلامية ، وهو صك لزمني ، وعبثاً ما تضيع محاولاتي وأقدم بصفة أنني محامي الجماعات الإسلامية التي أعتز بها ، لكن حينما أتحدث عن هذا الملف ، ملف التطرف والاعتدال والوسطية والإسلامية أتحدث أيضاً باعتباري أحد الذين شاركوا في ولادة الصحوة الإسلامية في مصر من أواسط السبعينيات ، وهنا يحسن أن نرصد التطورات التي تحيط بالموضوع من جميع جوانبه ، لأنه لا ينبغي أن نعتمد منطقا عكس الحقائق ، الذي لن يوصلنا إلى قواعد نصل من خلالها إلى التمييز بين الحق والباطل أو الصواب والخطأ ، أو الحق والزيف. الحركة الإسلامية بمختلف فصائلها بشكل عام قامت لتعبر عن قضية تؤمن بها ، وقد زعمت أنها تريد العودة إلى هوية الامة وحضارتها بعد أن غيبت وطمست هذه الهوية. لقد ادعت هذه الحركة بمختلف فصائلها أنها قامت لتدافع عن الإسلام الذي غيب في بلده وعلى أرضه وبين أتباعه ، وبدلاً من أن تفسح لهم الساحة ليعبروا عن وجهة نظرهم ويجدوا من أهل الحكم من يتصدى لهم بالحجة ويثبت لهم أن ما ذهبوا إليه كان خطأ ، فلم تغيب هوية ولم يطارد الإسلام ، وجدنا أهل الحكم - وهذه شهادة نسجلها للتاريخ - يمنعون هؤلاء من التحدث عن وجهة نظرهم ويزجون بهم في السجون والمعتقلات وترتب لهم المحاكمات في تطور معروف لا أبغي أن يتصور البعض أننا ننبش الماضي بالحديث حوله. ومن هنا ، أيها السادة ، بدأت المواجهات ، فقد يصبر فريق من الناس على ما يراه ظلماً وتعسفاً ، ولكن حتماً أن كل الناس لن يصبروا ، وحتماً سيوجد من يعبر بوسائل مختلفة عن احتجاجه. يجب علينا أن نسعى سعياً حقيقياً لإشاعة روح الحب والوئام بين ربوع الوطن الواحد ، وأن نبذل ما في وسعنا لإهدار المرحلة الماضية على اعتبار تعذر الوصول فيها إلى وجهة نظر متفق عليه من قبل الجميع ، وأن نبحث ملفات عالقة يلزم أن نصل فيها لرأي. وأول هذه الملفات قضية الاعتراف السياسي بالتيارات الدينية السياسية أو المدنية ذات المرجعية الإسلامية:. الاعتراف السياسي بالتيار الديني ان الاعتراف السياسي بالتيار الديني سيساهم إلى حد كبير في تخفيف الاحتقان القائم اليوم ، أو على الأقل سيساهم في محاصرة التيار الذي يستمر في سياسة العنف ، حتى على سبيل المواجهة الذاتية ، فإن أي عاقل ، ناهيك عن أن يكون مسلماً ، يتحاكم إلى شرع الله تعالى ويريد ان يحكمه في العباد والبلاد ، لا بد له أن يتساءل في ظل مناخ عام يعينه على أن يعبر عن وجهة نظره ويطرح ما يريد ، لا بد له أن يتساءل والحال هذه لماذا هو يلجأ إلى وسائل أخرى؟. ان الاعتراف السياسي بالتيار الديني سيساهم حتماً في الاستفادة من طاقات الأمة الشابة والمتمثلة في شباب الحركة الإسلامية. كما أن الاعتراف السياسي بالتيار الديني سيساهم بشكل مباشر في إدماج تلك التيارات السياسية في الحركة الديمقراطية للمجتمع إذا ما اتفق على تعريف عام للديمقراطية في ظل منطلقاتنا وحضارتنا وقيمنا وسلوكياتنا. إذا كانت الديمقراطية تعني أن يختار الشعب حكوماته ويحاسبها عبر مؤسسات منتخبة لا يعلوها إلا القانون المستمد من تراثنا الإسلامي وقيمنا الدينية ، فإن أياً من التيارات الإسلامية على ما أزعم تقبل هذا الطرح بل وتعمل على إقامته. إن الحديث عن مكافحة الأفكار المتشددة ، وبالتالي مواجهة العنف ، لا يمكن فصله كما أسلفنا عن المناخ العام ، ولا يمكن تحميل طرف دون الآخر هذه المسؤولية ، ولا يمكن في ظل تغييب شرع الله تعالى وكثرة الأخطاء التي توجد في كل المؤسسات اليوم ، لا يمكن اعتبار أن فصيلاً ما متشدداً في أفكاره ، وأن هذا التشدد هو الذي يقود إلى العنف. مصطلح التطرف في الحقيقة ، ان المصطلحات التي غالباً ما يستخدمها كتاب وسياسيون وبعض أهل الحكم اليوم ، ناعتين بها بعض فصائل التيار الإسلامي ، يعوزها الكثير من الدقة ، فمصطلح التطرف مثلاً ، والتشدد ، هو مصطلح لا يمكن التسليم به من جهة واحدة ، حيث ان التطرف أو التشدد بالضرورة يكون نسبة لشيء ما ، فالعلمانيون ينظرون إلى التيار الإسلامي بشكل عام على أنه تيار متطرف ، وكذلك التيار الإسلامي ينظر إلى التيار العلماني على اعتبار أنه تيار متطرف أيضاً. فالإسلاميون يعتبرون أن كل من يرفض الفكرة الإسلامية هو إنسان تطرف عن الإسلام أو جنح بعيداً عنه ، وكذلك العلمانيون يعتبرون كل من يرفض أفكار التغريب اليوم وما يطلقون عليه الحداثة هو إنسان تطرف عن هذه المفاهيم أو جنح عنها ، ولكن عندما نضبط المصطلحات ونستخرجها من مفاهيم واحدة ربما يزول الإشكال. فالجماعات الإسلامية إذا حوكمت إلى الفكرة الإسلامية فإن كثيراً من نعوت التطرف وعدم الاتزان أو الإرهاب سوف تتلاشى أو على الأقل تقل إلى حد كبير. فالجماعات الإسلامية التي نشأت في المساجد وفي الجامعات المصرية وفي القرى والمدن والنجوع واحتضنتها جماهير الشعب والتفت حولها لا يمكن اعتبارها جماعات متطرفة لأنها من نسيج هذا المجتمع وتعبر عن ضميره وطموحاته ، وإذا حوكمت إلى المعايير الإسلامية فإن شيئاً من التطرف لن يثبت في حقها. الدوافع النقطة الثانية التي نعرض لها من خلال هذا الملف ، ملف التطرف والاعتدال ، هي الدوافع التي تؤدي إلى نشأة ظاهرة التطرف ، نرصدها وندرسها دون أن نبرر لها. أهم الاضطرابات التي تحدث لدى الشباب المتدينين في بداية تدينهم هو تلك المساحة الكبيرة والهوة السحيقة بين المجتمع الذي يعيش فيه ذلكم الشاب وما فيه من أمواج فكرية وعقائدية وتغييب لمعنى القيم والفضيلة والأخلاق الحميدة حتى باتت عملة غريبة لا يقوى على الالتحاف بها أي أحد والتبست معاني الشرف والعفة فاختلفت عن مراميها التي فطر الله عليها الخلق وبات الناس يعتادون رؤية الأحضان والقبلات بين غير المتزوجين جهاراً نهاراً ، طبعاً باسم الفن والابداع ، ويرى ذلكم الشاب وهو على أعتاب مرحلة جديدة زجاجات الخمر بأصنافها المختلفة تباع علناً في محلات يرتادها الذين يقارعون الخمر وتقدم لمرتادي الفنادق والكافيهات ، طبعاً باسم الحرية ، ويستمع لأحاديث غريبة مهمتها الدحض لملابس الحشمة والوقار داعية إلى السفور ونبذ لباس الحجاب أو وضع العراقيل في طريق المحجبات لمنعهن من تبوؤ مكانتهن في المجتمع والحد من تنامي هذه الظاهرة ، ظاهرة الحجاب. وفي رمضان تجيش الجيوش وتعلن الطوارئ ، ليس دعماً لخصوصية هذا الشهر الفضيل من الصوم والصلاة وقراءة القرآن ، ولكن لصرف الناس عن هذه المهمة المقدسة التي ندب ربنا سبحانه خلقه لأدائها والارتفاع بنوازع الخير والآداب في هذا الشهر الكريم. بالجملة ، لم تعد المقاييس التي يعتمد عليها المجتمع في تقدمه وتطوره وازدهاره هي منظومة القيم والأخلاق والنسق الحضاري للإسلام بحسبانه القانون الذي يحكم حركة الحياة والسياج الذي يحمي المجتمع ، وإنما معايير أخرى تتواكب مع القوانين الدولية. يطالع الشاب المتدين هذا الواقع الذي يعايشه ويفاضل بينه وبين ما يقرأ عنه ويعيش تفاصيله في بطون الكتب التي يطالعها أو أشرطة الكاسيت أو حلقات الدرس التي ينتظم داخلها في المساجد عن ماض تليد وحضارة كبيرة ودولة عريضة عاشها الإسلام في قرون النبوة الأولى والتي تلتها ثم قرون أخرى ارتبطت بها واختلفت خلالها قدراتها حتى بدأت مرحلة أخرى بسقوط الدولة العثمانية التي احتفظت براية دولة الخلافة حتى أنشأ مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية ، فيجد ناساً غير الناس وبشرا دون البشر ، وواقعا يخالف ذلكم الماضي ، فيشعر بغصة في حلقه ، ورغبة في الانعزال عن هذا المجتمع الذي أدار ظهره لمنظومة القيم التي جاء بها الإسلام ورعتها الشرائع السماوية ، واستحال لديه قبول فكرة أن يكون الذين ينظمون أمر هذه المجتمعات مسلمين ، هكذا تبدأ الفكرة ، فكرة التكفير. ولو أن هذه الفكرة بقيت في نفس ذلكم الشاب على أصلها العام دون تطبيق أحكام التكفير على أعيان الناس وآحادهم ، لهانت المشكلة ، لكن الذي يعظم المشكلة ويخرجها عن إطارها المعتاد الطبيعي أمران ، أولهما عدم قيام المؤسسات الدينية الرسمية بواجباتها الدعوية والتربوية بشكل سليم وتشاغل الدعاة والعلماء عن المهام التي أنيطت بهم ، ومن ثم افتقد الشباب الرعاية ودرجات التأهيل الطبيعية ، أما ثانيهما فهو تكريس بعض الدعاة لفكرة الانعزال بقصد أو بدون قصد عند حملهم على الظواهر التي نعايشها للمجتمعات ونقدهم لها دون تقديم بدائل التعايش التي تضيق الخناق على التطرف أو التشدد ، فينفلت الشباب مع افتقادهم لأسباب النظر في النصوص الشرعية فيستخرجون أحكاماً شرعية ما أنزل الله بها من سلطان. فعدم توفر العلم وأدواته أيضاً لكثيرين داخل دوائر الجماعات الإسلامية ربما أهم الأسباب التي تؤدي لظواهر الانعزال والتشدد والتكفير. عدم إلمام بالعلم الشرعي من هذه النقطة أدلف مباشرة إلى أسباب وقوع الشباب في فخ التطرف والعنف وأهمها ، كما أسلفنا ، عدم إلمامهم بالعلم الشرعي المناسب ، وبمعنى أدق عدم أهلية الشباب للنظر في النصوص واستنباط الأحكام الشرعية وسعيهم إلى تحقيق النتيجة قبل استظهار الأحكام. وفي الحديث الذي روته أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إلي: أنه من سلك مسلكاً في طلب العلم سهلت له طريق الجنة". وهنا نشير إلى ضرورة التعلم والإلمام بقواعد التكفير التي قررها الشرع واتفق عليها العلماء ، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع لقوله تعالى "فاتقوا الله ما استطعتم" ، وعدم الغلو في الدين لقوله صلى الله عليه وسلم "وإياكم والغلو في الدين: فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ، وانه ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما وقوله صلى الله عليه وسلم "إن هذا الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" ، وقد نازعنا بعض أصحابنا في مصطلح العنف غيره منذ أطلق قادة الجماعة الإسلامية مبادرتهم الشهيرة حتى قرأنا الحديث "إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه" ، ففارق كبير بين الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه وأسبابه ومناطه ، وبين العنف ، فالأول من المنهج الشرعي السليم والثاني يفتقده. شبهات المشكلة الحقيقية عند إثارة هذه الشبهات التي تحيط بعقول بعض شبابنا المتحمس ، أن عدم احاطته بالقدر الكافي من العلوم الشرعية وافتقاره الأهلية اللازمة للاستنباط من النصوص هي التي تقوده إلى الوقوع في الأخطاء الشرعية أثناء بحثه هو عن سبل الجهاد التي يكفكف بها اندفاعاته وحماسته أثناء شعوره بالصراع النفسي بين الواقع المعايش الذي يشهد خلاله توافر المنكرات وتعاظمها في المجتمعات المسلمة وبين ماض سحيق يتضمن صفحات مجيدة من حضارة حكمت العالم فترات طويلة وأمجاد وفتوحات المسلمين ، فيتصرف وكأنه خليفة المسلمين الممكن ، فلو أنه فقه وعلم لأدرك أنه لا يجوز إزالة المنكر بمنكر آخر أشد منه وأعظم ، أو أن يؤدي بعمله ورعونته إلى مفاسد أكبر ، ولو علم اخواننا هؤلاء أن أحوال الضعف لها أحكامها وأحوال القوة لها أحكامها لما تسرعوا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي للمؤمن أن يُذلَّ نفسه" ، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يطيق". وكل هذا الذي نشير إليه لا علاقة له مطلقاً بما يجب أن يتحلى به المسلم من أخلاق طيبة وحسن العشرة. يظن البعض - نتيجة جهلهم وقلة علمهم - أن من تمام التدين التعامل مع غير المسلمين بطريقة جافة: لا تعرف غير الأذى والسب واللعن ، والاستحلال والغدر ، والغش والكذب وغير ذلك مما يُشين.. وإلا أصبحت مواليا ومداهنا لغير المسلمين. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" متفق عليه ، وقال أيضاً: "من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً" ، وقال أيضاً: "من قتل نفساً معاهدة بغير حلها ، حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها". وقال صلى الله عليه وسلم: "من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً" ، رواه البخاري. العنف ملف حقيقي العلم له طرق ، وله ضوابط ، والاجتهاد له أصول وله مناط. في فمي ماء كثير ، والموضوع شائك ، وبقدر المستطاع أحاول أن أحدث فيه التوازن ، فالمشكلة قائمة وحقيقية من الطرفين ، من كثير من الحكومات في بلادنا العربية التي تستخدم التيار الإسلامي فزاعة لقمع الحريات وتعطيل الدستور والاستئثار بالسلطة وبالثروة ، وأيضاً ملف العنف هو ملف حقيقي ، وملف التطرف أزمة حقيقية ، لكن لو استطعنا أن ندير حواراً جيداً نزيهاً مع شبابنا فسنصل إلى نتيجة. أشكركم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أبو داود نشكر الأستاذ منتصر الزيات على هذه الإضاءات الإيمانية والواقعية الرائعة ، وكم الأمة العربية والإسلامية بحاجة فعلاً إلى هذا الفصل بين ما هو إسلامي وما هو شرعي وما يدخل إلى نفوس الشباب ونفوس أفراد الأمة من أمور ليست في مصلحة الجميع. الآن نفتح باب الحوار.. مواطن نشكر المحاضر على هذا الكلام الطيب ، وشكراً لمنتدى الدستور على هذه السيرة الطيبة التي اعتدنا عليها في هذا المنتدى.. نرحب بالأستاذ منتصر الزيات في الأردن أولاً ونرحب بك كباحث وكأستاذ فاضل مدافع عن حقوق الإنسان ومدافع عن الجماعات الإسلامية كما يعرفون بك. عندما نسمع أو نتحدث عن الجماعات الإسلامية في العالم العربي أو في العالم الغربي يشار إليها بالتطرف ، والجماعات الإسلامية في بعض الدول شرعية وفي دول في نظرها أنها غير شرعية ، أي غير مسجلة وغير مرخصة ، لكن الأردن بالحزب الإسلامي وبالتيار الإسلامي وبالجمعية الخيرية الإسلامية كلها موجودة وفق أحكام القانون ، لكن لماذا الجماعات الإسلامية تنظر إلى الأنظمة بشكل عام بأنها أنظمة متطرفة ومرتدة وخارجة عن الأسس والمفاهيم التي تنتهجها ، لماذا الشاب في مقتبل العمر عندما ينضم إلى هذه المجموعة يكون أحياناً متزمتاً أو متطرفاً أو هنالك نوع من التعصب أثناء الحوار مع زملائه أو مع المجتمع أو حتى مع أسرته؟ أليس هنالك فجوة؟ هل الدين الإسلامي السمح الذي تعلمنا منه الخلق والتسامح في كافة الميادين وفي كافة التعاملات المجتمعية ، هل يعلم من ينضم إلى هذه الجماعة ، وليس إلى هذا الدين ، التطرف؟ لماذا تستعمل بعض الأنظمة الورقة الإسلامية في سبيل التنفيس أحياناً من أجل تحقيق أهداف هذه الأنظمة؟ ولماذا الإسلاميون لا يشاركون في قرارات الاوطان التي هي أعلى من المنهاج الذي يتبع كمنهاج وقتي وليس كمنهاج عقائدي؟. الدكتور محمد العتوم - جامعة العلوم الإسلامية العالمية بسم الله الرحمن الرحيم ، نشكر منتدى الدستور على استضافة المفكر المحامي الأستاذ منتصر الزيات. يوم أمس كان الأستاذ منتصر الزيات على اتصال مع إحدى القنوات الفضائية حول التعليق على رسالة بن لادن الأخيرة ، وأعتقد أن رسائل الشيخ بن لادن منذ عقد أو منذ سنوات ثمان خلت هي رسائل مصنوعة ، لا أعرف فيما إذا كانت مفبركة أو فيما إذا كان تحت الأسر وهو مضطر لأن رسالته قبل خمس سنوات هي التي أدت إلى فوز بوش الابن بولايته الثانية ، والآن جاءت المشاكل التي تواجه ساركوزي فجاءت رسالة بن لادن لتنقذ ساركوزي من ورطته خاصة بعد أن صرّح بأنه سيعمل مع أوروبا والغرب على بحث مشكلة المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط. أشار الأستاذ الزيات إلى أنه يحمل المؤسسات الدينية المسؤولية ، وأقول هل هذه المؤسسات الدينية مستقلة؟. الدكتور فيصل غرايبة في إطار المغالبة السياسية هل تتصور أن التيار الإسلامي في تونس سوف يحاول الانقضاض على الحكم في غياب حكومة دستورية ترضى عنها الجماهير؟. الدكتور أنور الخفش - كاتب وباحث اقتصادي أود أن أتقدم بمدخل تاريخي له علاقة مباشرة بموضوع البحث ، قبل 1430 سنة عندما بعث الله سبحانه وتعالى سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ، كان هناك قوتان سياسيتان: الروم والفرس ، فجاء الإسلام كقوة بديلة أو كحل. بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران وقصور الدول العربية في مفترقين ، هناك أنظمة عربية تتبع الاشتراكية أو المنظومة الشرقية ولم تحقق تنمية ، وكذلك الدول العربية التي اتبعت الرأسمالية والغرب لم تحقق تنمية ، فبدأ ظهور القوة الإسلامية من الداخل ، بمعنى ان هناك صورة مؤثرات داخلية أو حاجات وطنية ولكن هناك مؤثرات خارجية أكبر لم يتم التطرق لها ، فالرجاء إلقاء الضوء على المؤثرات الخارجية ، لأن الإسلام بدأ الآن مقابل العولمة ، فنتمنى الإضاءة على هذا الجانب. الزيات: بالنسبة لموضوع بن لادن فهو موضوع شائك ، صباح يوم الجمعة بعض الزملاء وأنا في ندوة بحثية للتحضير لمؤتمر ، وبالنسبة للكلام الذي قيل يقوله الكثيرون ، ففي مصر الدكتور حسن عمر ظهر على الجزيرة وقال هذا الكلام ، وقال انه يؤكد أن بن لادن في الأسر ، ويستخدمونه من حين لآخر. أنا أشك تماماً في هذا الكلام ، فبالجملة أنا لا أوافق على أي تحليل ينتهي إلى التشكيك في نوايا سواء بن لادن أو الجماعات الإسلامية ، فهم لا يرضون الدنية في دينهم ، صحيح أنني أختلف معهم ، أنا أختلف مع بن لادن في عدة أمور ، فهو يرى أن له مشروعا وأنا أرى أن لي مشروعا ، هو يدعو مثلاً إلى تأسيس جبهة إسلامية عالمية لقتال اليهود والصليبيين ، وأنا من حقي أن أدعو لتشكيل جبهة إسلامية عالمية لنشر الإسلام بالطرق السلمية ، فالمهم أن يكون لي مشروعي ، وأقول ذلك بكل وضوح لكن لا أشكك في نوايا أحد. قد يجد بن لادن والظواهري قلبا يؤويه ، لكن أنا اختلف 180 درجة مع ما يذهب إليه الظواهري وبن لادن ، لكن لا أتمنى أن يقع أحدهما أو كلاهما في قبضة الأميركان. المؤسسات الدينية الرسمية المؤسسات الدينية الرسمية مشكلتها كبيرة ، فهي موجودة لدينا في الأزهر ، وأنا أثمن محاولات الدكتور الشيخ أحمد الطيب في استرداد هيبة الأزهر ، فبيانه ضد الفاتيكان وتجرؤ الفاتيكان على شؤون داخلية خاصة في الدول الإسلامية وخصوصاً في مصر ، فالشيخ أحمد الطيب أول ما ولي المشيخة أرسل لي وجلس معي ، وأرسل في طلب الدكتور يوسف القرضاوي وجلس معه والشيخ سلمان عودة من السعودية ، فيحاول الرجل لأنه داعية ولأنه من داخله يحاول أن يتغلب على عقبات كثيرة وعلى إرث ثقيل ورثه. نحن نريد أن نعزز هذه المؤسسات ونعزز قيمة الأزهر كمنارة بدلاً من أن تكون هناك مرجعية واحدة ، بدل أن تكون مرجعية شيعية فقط تتحكم بمصير المنطقة ، فنريد عودة الأزهر ليلعب دوره كمرجعية مهمة للعالم السني. استقلال المؤسسات الدينية مالياً وإدارياً بالتأكيد سيعطي قيمة حتى للفتاوى التي تخرج منها ، المؤسسات الدينية بشكل عام وفي البلاد العربية بشكل خاص ، وعلى وجه الخصوص الأزهر باعتباره أقدم مؤسسة دينية ، فهم أنفسهم يطالبون بعودة انتخاب شيخ الأزهر بدلاً من تعيينه. بالنسبة لتونس فهي تعيش مرحلة نسأل الله تبارك وتعالى أن تتعافى ، فهناك حضور شعبي أثبت بعد أن كاد الإحباط يقتلنا ، وأنا سعدت جداً بتصريحات الشيخ راشد الغنوشي المتلاحقة أثناء الأزمة ، وبعد فرار بن علي يؤكد على قبول التيار الإسلامي في تونس لفكرة التعددية ، وفكرة الاحتكام إلى الصناديق والاحتكام إلى الديمقراطية ، فهذا كلام واضح لا لبس فيه ، وقال ان لديهم الرغبة بالتعاون مع كافة ألوان الطيف في تونس ، فهذا أمر يشجع ويطمئن ويعطي رسالة للجماهير الإسلامية وللحركات الإسلامية في مختلف البلدان بأنها يجب أن توفق أوضاعها في هذا الأساس. احتكار الحديث باسم الإسلام للحركات الإسلامية هو الذي باعد بينها وبين شعوبها. المسألة في تونس مختلفة ، وكذلك التيار الإسلامي في تونس حيث ألقى الشيخ راشد الغنوشي رسالة مطمئنة. وفي تونس يحاولون أن يخيفوا الناس من الإسلاميين ، لكن نبض الشعب وقوة الشعب في خروجه واستمراره باسقاط كل أركان النظام البائد أعطى ضمانة وحصانة للإسلاميين ، فلم يكونوا يريدون أن يعطوا الشيخ راشد الغنوشي جواز سفر ، لكن صدر قانون العفو العام وصدر العفو عن كل السجناء وأعطي الحق في تأسيس الأحزاب ، فالممنوع مرغوب ، لماذا يمنعون الإسلاميين من أن يشكلوا أحزابا؟. رشاد أبو داود - مدير التحرير العام. ونحن أيضاً من قلوبنا وعقولنا نشكر الأستاذ منتصر الزيات على هذا الوقت الرائع ، ونشكر الحضور. التاريخ : 26-01-2011