د.حبيب :الغرب يريد من المسلمين ديمقراطية لا تقود إلى تحكيم الشريعة

الدولة.. معركة التحول للإسلامية (3) د. رفيق حبيب     عند الحديث عن التحول الديمقراطي، يلزم التفرقة بين القيم الديمقراطية وآليات العمل الديمقراطي. فالقيم الديمقراطية تعني الفلسفة التي أسست عليها الديمقراطية، وهي الفلسفة الوضعية، التي تجعل العقل البشري هو المرجعية العليا للنظام السياسي. والفكر الوضعي، هو العلمانية التي تنفي أي دور للدين في المجال العام، وتجعل مرجعية النظام السياسي مستندة بالكامل لما يصل له العقل البشري، وتترك للدين دوره في حياة الأفراد في حالة العلمانية المعتدلة، وتحارب دور الدين في حياة الأفراد في حالة العلمانية المتطرفة.     وغالب الفكر الديمقراطي يعتمد على الرؤية السياسية الليبرالية، أكثر من الرؤى الأخرى، سواء الليبرالية الرأسمالية المتطرفة، أو الليبرالية المعتدلة، أو اليسارية. والرؤية الليبرالية تجعل هدف النظام السياسي هو حماية الحرية الفردية، خارج أي سيطرة للقيم والتقاليد والقواعد الدينية أو الاجتماعية، وتحقيق الرفاهية المادية، والتي تقوم على معان مادية في الأساس، وتنتج المجتمع الاستهلاكي.      وبهذا المعنى تصبح الديمقراطية بوصفها نظاما للقيم، متعارضة بالكامل مع الرؤية السياسية الإسلامية، والتي تستند للقيم السياسية الإسلامية. وهي قيم تجعل المرجعية العليا للحكم الإلهي، وللنص المقدس، ولمرجعية الشريعة الإسلامية، وتجعل غاية النظام السياسي هي إقامة العدل بين الناس، وتجعل الحرية الفردية منضبطة بالقواعد والتقاليد الدينية السائدة بين الناس في المجتمع المتدين، وتهدف إلى تحقيق مجتمع الكفاية والعدل، وليس المجتمع الاستهلاكي المادي.     لذا يصبح تطبيق الفلسفة الديمقراطية، تطبيقا لنظام علماني يخالف الرؤية الإسلامية، أما تطبيق آليات العمل الديمقراطي، فيعني تطبيق بعض وليس كل أدوات النظام الديمقراطي، ومنها الانتخابات الحرة والمنافسة السياسية، ووسائل التوصل إلى الإرادة الحرة للمجتمع في اختيار مرجعيته وحاكمه وممثليه. وتلك الأدوات ليست بالضرورة أدوات ناجحة ومناسبة، بقدر ما أنها مفيدة في استخلاص مواقف المجتمع وتحيزه ورؤيته، وصالحة في تحديد الأغلبية المجتمعية والسياسية. لذا تصلح أدوات الديمقراطية في تحقيق الإرادة الحرة للمجتمع إذا كان اختيار المجتمع هو المشروع الإسلامي أو كان المشروع العلماني. نعني بهذا أن قواعد العمل الديمقراطي لا تمنع من وصول حركة إسلامية للحكم، مما يساعدها على بناء الدولة الإسلامية، وتنفيذ المشروع الإسلامي.     ولكن المشكلة ليست في أدوات العمل الديمقراطي، ولكن في أن الديمقراطية المراد فرضها على العالم العربي والإسلامي، هي فلسفة الديمقراطية، أي النظام العلماني الليبرالي الوضعي. فما يتم تسويقه غربيا، هو قيم الديمقراطية، وليس أدوات الديمقراطية. فالغرب لا يريد نشر أدوات ووسائل سياسية، تسمح باختيار المجتمع للنظام الذي يريده، مما يسمح له باختيار النظام الإسلامي. والنخب الحاكمة في أغلبها لا تريد تطبيق أدوات العمل الديمقراطي، وتريد فقط تطبيق قيم الديمقراطية، حتى تبقى في الحكم، وتكون هي النخب الوحيدة المتحالفة مع الغرب والتي تمرر مصالح الغرب في المنطقة، دون أن تطبق أدوات العمل الديمقراطي، حتى لا تأتي نخبة غيرها وتصل للحكم، سواء كانت نخبة علمانية متحالفة مع الغرب، أو كانت نخبة إسلامية تحمل المشروع الإسلامي. أما النخب العلمانية، فهي تريد نظاما ديمقراطيا يقوم على قيم وأدوات الديمقراطية، أي نظاما علمانيا ليبراليا، سواء كان يمينيا رأسماليا أو يساريا اشتراكيا، بشرط أن لا يسمح هذا النظام بأي عمل سياسي للحركات الإسلامية، لأن النخب العلمانية تعرف أنها غير قادرة على منافسة التيار الإسلامي في انتخابات حرة، وتريد منعه من العمل السياسي من خلال قواعد دستورية وقانونية.     وفي ظل هذا الوضع، يصبح التعامل مع الدولة القائمة يمثل مشكلة بالنسبة للحركات الإسلامية، لأنها تمثل في الواقع النظام العلماني المعادي للمشروع الإسلامي، والذي يمنع الحركة الإسلامية من الوصول للسلطة. ومع هذا، تظل أدوات العمل الديمقراطي هي نقطة التوافق الوحيدة بين قوى علمانية وقوى إسلامية، ولكن لكل طرف غرض مختلف منها. وأمام صعوبة تحويل الدولة القائمة من دولة علمانية إلى دولة إسلامية، تظهر العديد من التجارب التاريخية التي تريد التعامل مع هذا الواقع. ومن تلك التجارب نعرف مصير المناهج المختلفة في التعامل مع الدولة.      وبالنظر لحركة التحرر الوطني العلماني، نجد أن نخب التحرر الوطني قبلت العلمانية، حتى تظل داخل إطار الرضا الغربي، وتمنع أي انقلاب غربي عليها وعلى ثوراتها. وكانت بعض نخب التحرر الوطني العلماني تؤمن بالفعل بالعلمانية، وتحاول تقليد الغرب ليس فقط سياسيا، بل أيضا حضاريا وثقافيا، وكانت تحاول بناء التقدم بالسير في طريق الغرب، وتعلقا بنموذجه. ولكن تلك النخب التي جعلت من الغرب مثالا لها، أصبحت في النهاية في تحالف مع الغرب، يؤسس لدول تابعة، وليست دولاً مستقلة. أما مشروع التقدم والتنمية فلم يتحقق أصلا، لأن التقدم مع التبعية لا يجتمعان، فالتبعية للقوي تؤدي إلى بقاء الضعيف ضعيفا، حتى يبقى القوي قويا، كما أن كل تقليد للقوي لا ينتج تقدما، فالمقلد لا يحقق نهضة. ولكن بعض النخب العلمانية كانت تختار العلمانية حتى لا تعادي الغرب، ولكن النتيجة كانت واحدة، حيث سقط الجميع في التبعية، ولم تتحقق التنمية أو التقدم.     وأصبحت تجارب العمل من خلال الدولة القائمة والقبول بشروطها العلمانية، تقيم دولا تابعة للغرب وتقع تحت الهيمنة الغربية المباشرة. ولكن تلك التجارب وغيرها الكثير، لم تلتزم بالديمقراطية كأدوات، والتزمت فقط بالرؤية العلمانية جزئيا أو كليا. ولكن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي سارت في اتجاه مختلف، حيث وافق مؤسسو الحزب الإسلاميون، على الالتزام بالعلمانية وفي نفس الوقت تطبيق الديمقراطية الكاملة، بأدوات التنافس السياسي الحر، والتي تسمح للمجتمع بتحقيق إرادته الحرة. ووافق الغرب خاصة أمريكا على هذا الطرح، شريطة الحفاظ على العلمانية، وأعلن قادة الحزب حفاظهم على العلمانية. وأصبح التحدي الحقيقي يكمن في تطبيق الديمقراطية الكاملة، لأنها تسمح للمجتمع بالاختيار، حيث يمكن للمجتمع أن يختار في المستقبل نظاما إسلاميا، أو يختار برنامجا إسلاميا تدريجيا، يحول الدولة في النهاية من دولة علمانية إلى دولة إسلامية. ولكن الغرب يتربص بهذا الاحتمال، ويعد كل وسائله السياسية والاقتصادية لمنع هذا الاحتمال. لهذا تصبح تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، محاولة لفتح باب الديمقراطية بصورة قد تؤدي لتمرير المشروع الإسلامي، وقد تنتج علمانية ديمقراطية. وهي بهذا تجربة تختبر الدولة العلمانية، ومدى إمكانية تغييرها من داخلها باستخدام أدوات العمل الديمقراطي.     ويمكن القول: إن أدوات العمل الديمقراطي تسمح بتغيير الدولة من داخلها، إذا سمحت بوصول النخبة التي تختارها الجماهير للحكم، والتي يمكنها تعديل الدستور مرحليا، من خلال حصولها على الأغلبية، ثم يمكنها بعد ذلك تغيير الدستور بالكامل، من خلال إجراءات سياسية وقانونية تستند للتوافق المجتمعي والأغلبية، مما يؤدي إلى قيام دولة إسلامية. ولكن المشكلة ليست في أدوات العمل الديمقراطي، ولكن في القوى التي تحمي الدولة العلمانية سواء في الداخل أو الخارج، خاصة الدول الغربية، والتي ترى أن الدولة العلمانية القومية القطرية، تمثل الحامي الأول للمصالح الغربية في المنطقة العربية والإسلامية. لذا يمكن نظريا العمل من خلال أدوات العمل الديمقراطي لبناء الدولة الإسلامية، ولكن القوى المهيمنة على تلك الدول العلمانية، قادرة أيضا على فرض العلمانية على أي نخبة إسلامية، فتصبح العلمانية الديمقراطية، خيارا نهائيا لها، وتجبر في النهاية على التنازل عن المشروع الإسلامي. فقد تبدأ الحركة بمحاولة اختراق الدولة العلمانية القائمة من داخلها، وفتح الباب أمام تحولها إلى دولة إسلامية، ولكن قد تنتهي المحاولة بتحول النخبة الإسلامية إلى العلمانية، حتى وإن كانت العلمانية المعتدلة إسلام اون لاين:20/4/2011