آخر الفقهاء العمالقة وهبة الزحيلي في مجمع الخالدين.

يكتب الناس في الرثاء ليخلدوا الراحلين، ولكن من يكتب في رثاء الزحيلي فهو في الواقع يسعى ليخلد نفسه، ويسجل اسمه بين الكاتبين في الرثاء من أجل المجد. لعله أخلد اسم في تاريخ فقهاء سوريا، حيث رحل تاركاً بصماته العلمية في كل مكان في العالم، العلامة الفقيه وهبة الزحيلي. من أندنوسيا إلى نواكشوط لن تجد مكتبة علمية إلا ويتصدرها كتاب الشيخ وهبة الزحيلي موسوعة الفقه الإسلامي ومذاهبه، أو كتابه التفسير المنير بمجلداته الثلاثين الذي اصبح أشهر تفاسير العصر. ولا يمكن أن يكتب باحث في الفقه أو القانون في أي جامعة عربية أو إسلامية إلا وتجد اسم الزحيلي في قائمة المراجع. وفي مكتبات العالم الغربي فإن اسم الزحيلي لا ينافسه اسم فقيه آخر، فهو أوثق الكاتبين في الفقه الإسلامي، والإشارة إلى اسمه ورقم الصفحة في موسوعاته أصبح توثيقاً علمياً كافياً على المستوى الأكاديمي، ولا أعتقد أن البحث العلمي منح أحداً من علماء الفقه الإسلامي مثل ما منحه لهذا العالم الفقيه في مراتب الاعتماد العلمي. ولقد جرت العادة في العلوم الإسلامية أن تشير إلى المسائل التي كتب فيها الفقيه، إلا الزحيلي فعليك ان تبحث بصعوبة عن المسائل التي لم يكتب فيها، فقد أحاط بالفقه الإسلامي علماً، وأصبح أوثق مدارس التفسير وأعمق مدارس الفقه. عرفناه طلاباً حين دخلنا كلية الشريعة أواخر الثمانينات، وكنا نسميه الدكتور السريع، إذا مشى فكأنما ينحط من صبب، وإذا تحدث اختصر الكلام اختصاراً، كأن حروفه من عقيق، يمنحك جواب المسائل سراعاً، وفي ذهنه طوفان المعارف، إذا خرج من محاضرته لا يلبث أن يتوجه مسرعاً إلى سيارته، وفي ذهنه مسائل متواثبة، ينظمها حبائب مرصوفة بعقد فكره، ثم يمضي إلى أوراقه المتراكمة في داره المطل على السيدة حفيظة في الميسات ليدفع للمطبعة جديداً في العلم أو نادراً في المعرفة. كما كل زملائي في كلية الشريعة كان أمل كل طالب أو طالبة أن يكون الإشراف على رسالته في الماجستير أو الدكتوراه للشيخ وهبة الزحيلي، فهو اسم مكفول موثوق، يمنحك المصداقية الكافية في كل محفل علمي، ولا زلت حتى اليوم في حياتي الأكاديمية إذا سئلت عن تخصصي فإنني أقول إن الزحيلي هو من أشرف على رسالتي، قبل أن أذكر عنوان البحث  أو اسم الجامعة، وأعتقد ان هذا هو حال المئات من الطلبة الذين سعدوا بإشرافه على رسائلهم. حين سجلت رسالتي في جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في الخرطوم، وتم اختيار الدكتور وهبة الزحيلي مشرفاً على الرسالة، لن أنسى يده البيضاء، فقد كان يكفيه أن يرسل تقريره إلى الجامعة، ويتم الأمر، ولكنه أصر أن يسافر بنفسه إلى السودان، وذهبنا معاً في شهر آب اللهاب، وكان ذلك خبراً مثيراً للجامعات والحركة العلمية في السودان وتم تنظيم برنامج حافل للشيخ في الخرطوم وكسلا وود مدني، وخلال أسبوع من العطاء تمت فيه مناقة الرسالة، ونجح الشيخ بالتعاون مع الدكتور الكبير أحمد عمر الإمام رئيس الجامعة بتأسيس مجمع للفقه الإسلامي على مستوى القارة الأفريقية، واعتبر الشيخ وهبة الزحيلي مؤسسه وفقيهه الأبرز. لقد سعدت أنني كنت جاره عشرين عاماً أو تزيد في ساحة الميسات حيث كان يطل بين الحين والآخر على مركز الدراسات الإسلامية، نفاخر به حين يأتينا ضيوف من الشرق أو الغرب راغبون أن يتعرفوا على الإسلام، فكنا نقدم لهم أغزر صورة للإسلام في فقهه وعطائه. يختار قوم مراتع الخلود في تماثيل من حجر، وآخرون في شركات من ذهب، وقصور من رخام، ولكن الشيخ اختار خلوده على صحائف المعرفة تذكره الأجيال وينتفع به العالم. أشبه رجل بالزحيلي في تاريخ الإسلام هو الإمام السيوطي الذي أنجز وفق حاجي خليفة 745 كتاباً خلال حياته، واستطاع بالفعل أن يكتب الكلمة الحاسمة في تاريخ الفقه الإسلامي ليس على أساس ابتكار جديد أو اجتهاد جديد وإنما على أساس الريادة المطلقة في تحرير كلام القدماء وإنصافهم وتنظيم معارفهم وحسم الخلاف بينهم وتقرير الرأي الراجح من المرجوح. ولا أملك في هذه اللحظة ضبطاُ لمؤلفات الشيخ الزحيلي ولكنها بكل تأكيد تنوف عن المائة كتاب، أشهرها الموسوعات الثلاث كل واحدة منها تحتاج إلى أربعين باحثاً في الإعداد والضبط، وهي موسوعة الفقه الإسلامي بمجلداتها الاثني عشر الضخمة، وموسوعة التفسير بمجلداتها الثلاثين، وموسوعة أصول الفقه بمجلداتها الثلاة الكبيرة. لقد أحاط بفقه القدماء، وقديماً قالوا أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس، ومن حق الرجل أن ينسب إليه دون سواه توسيع الفقه الإسلامي من المذاهب الأربعة إلى الثمانية، حيث اعتمد تصنيفه الموسوعي للمذاهب الثمانية وليس الأربعة: الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والجعفرية والزيدية والإباضية والظاهرية، وهو أول موسوعة تنجح في إنصاف مذاهب الإسلام جميعاً. الزحيلي... لم يكتب فكراً جديداً.. ولا توجد في سماء الثقافة العربية أفكار زحيلية، ولن يكون في حلقات المشايخ جماعات زحيلية، أو طلاب زحيليون، فالرجل عاش حياته يرفض كل تصنيف، واختار أن يكون ملكاً للأمة الإسلامية بأسرها لا يقيده قيد ولا وثاق، ولكنه سيبقى أخلد الفقهاء ذكراً في  هذا القرن. وإذا كان لنا أن ننصف فيجب أن نذكر هنا الرجل الكبير الذي يقف وراء نجاح الزحيلي وهو عدنان سالم، شيخ الناشرين العرب وعميد الكلمة، إنه الرجل الذي اكتشف بيقين وبصيرة عدداً من أشهر فقهاء العصر، وقام ببراعة لا تتكرر بنقل علمهم من صدورهم إلى سوق الكتاب العربي والعالمي، وأحسن تقديمهم للناس موسوعات تتحرك، وكنوز معرفة تختارها المكتبات كأهم ما يعرض فيها وأشهر ما تباهي به. الكلام حول المعلم الزحيلي كثير ولكنها نفثات القلب السريعة... رحم الله روحك الطيبة... وأرجو أن ينصف قلمي عطاءك، وسأبقى أكتب عنك في محفل الكاتبين عنك، أزاحمهم ويزاحمونني، في رسالة الوفاء.    
الكاتب

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.