بعد أن انتهت حياته عن عمر يناهز 85 سنة، يستذكر الأتراك كما غيرهم واحدا من الشخصيات التي كان لها دور كبير ومؤثر في تاريخ تركيا الحديث، ذلك أن دوره يتعدى كونه مهندسا وأكاديميا ومطورا للتصنيع العسكري، إلى دوره السياسي والاجتماعي والديني في المجتمع التركي، حيث كانت الدولة التركية تسير نحو العلمانية بخطى متسارعة، وتمنع أي مظاهر للتدين حتى على مستوى المجتمع، فقد أنشأ بعد عودته من ألمانيا العام 1970م حين تحالف مع الحركة النورسية التي كانت أول تنظيم سياسي ذي هوية إسلامية تشكل في تركيا الحديثة منذ زوال الخلافة العام 1924م.
الاتجاه الجديد الذي بدأه أربكان هو دخول الحياة السياسية بمرجعيات دينية، حيث بدأ حياته السياسية بعد تخرجه في كلية الهندسة، وأصبح رئيسا لاتحاد النقابات التجارية ثم بعد ذلك تم انتخابه عضوا في مجلس النواب عن مدينة قونية، لكنه مع ذلك فقد منع من المشاركة في الحكومات المختلفة بسبب نشاطه المعادي للعلمانية بمفهومها الشامل، وقد استطاع أن يخترق المنظومة العلمية من خلال تأسيس حزبه الذي يقوم على مرجعية دينية في الأصل، إلا أنه أطلق عليه اسم (النظام الوطني)، وهو بذلك قد بدأ بفكرة توجيه الديني نحو الدنيوي، أي أن يكون الدين جزءا من إصلاح الواقع، وهي أيضا محاولة من أربكان لصرف نظر العلمانييين وخاصة الجيش عن حزبه الديني، ومع ذلك لم يستطع تحويل الأنظار عن مبدأ الحزب، فبعد تسعة أشهر تم حله بقرار من المحكمة الدستورية بعد إنذار من قائد الجيش محسن باتور، فقام أربكان بدعم من التحالف النورسي بتأسيس حزب جديد سماه (السلامة الوطني)، العام 1972م، وقد استطاع هذه المرة من السير قدما نحو الاعتراف بحزبه على الساحة السياسية، واستطاع أن يفلت من قبضة الجيش حارس العلمانية التركية، وسمح له أن يشارك في الانتخابات العامة، والمفاجأة أنه فاز بخمسين مقعدا، مكنته العام 1974م من المشاركة في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ليرعى المبادئ العلمانية، وهذا الائتلاف يشير إلى الطريقة التي كان يفكر بها أربكان، وهي محاولة لزحزحة المنظومة العلمانية نحو تقبل فكرة الإسلام السياسي، وأن الدين ليس حالة معزولة عن السياسة والمجتمع، تلك النظرة التقليدية التي كان يتذرع بها أنصار العلمانية، ويجعلون الدين خارج حساباتهم، ويرون أنه لا يصلح لتنظيم أمور الدنيا في هذا العصر، وهو الفكر الذي قامت عليه تركيا الحديثة، بعد ثورة أتاتورك، وجعل الجيش حارسا لدولة العلمانية الجديدة، لكن أربكان كغيره من المسلمين كانوا يعلمون أن المجتمع التركي يحمل في داخله التوق للدين الذي تغلغل في نفوس الناس على مدى قرون طويلة، ولا يمكن نزعه من قلوبهم، حتى وإن كان القانون الذي يحكم دولتهم علمانيا، ولقد حاول أربكان التقريب بين علمانية الدولة وإسلامية المجتمع إلا أنه كان دائما مشدودا نحو رؤية إسلامية أقرب إلى الإسلام التقليدي، فبعد أن فاز حزبه بأغلبية مقاعد النواب، وشكل حكومة، وتولى فيها منصب نائب رئيس الوزراء، ثم خلال وجوده في حكومة أجاويد حاول فرض بعض قناعاته على القرار السياسي التركي، من خلال ضرب بعض مراكز النفوذ الداعمة للنهج العلماني، فقدم بعد تشكيل الحكومة مشروع قرار للبرلمان يدعو فيه إلى تحريم الماسونية في تركيا وإغلاق محافلها، كما أسهم في تطوير العلاقات مع العالم العربي، وأظهر أكثر من موقف مؤيد صراحة للشعب الفلسطيني ومعاد لإسرائيل، ونجح في حجب الثقة عن وزير الخارجية آنذاك خير الدين أركمان بسبب ما اعتبر سياسته المؤيدة لإسرائيل، ولم يكتف بذلك فحتى بعد خروجه من الحكومة قام بتقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب العام 1980م، يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع إسرائيل، وأتبع ذلك مباشرة بتنظيم مظاهرة ضخمة ضد القرار الإسرائيلي بضم مدينة القدس، حيث كانت المظاهرة من أضخم ما شهدته تركيا في تاريخها المعاصر، وكان ذلك مؤشرا على تزايد شعبية الإسلام السياسي لدى المجتمع التركي.
ومع كل ما ابداه أربكان من مرونة نحو السكوت عن المؤسسات العلمانية والتعامل معها إلا أن الجيش لم يقتنع بما قدمه من تنازلات فقام قائد الجيش كنعان إيفرين بانقلاب عسكري أطاح بالائتلاف الحاكم، وبدأ سلسلة إجراءات كان من بينها إعادة القوة للتيار العلماني وتشكيل مجلس الأمن القومي وتعطيل الدستور وحل الأحزاب، واعتقال الناشطين الإسلاميين إلى جانب اليساريين.
بعد ثلاث سنوات خرج أربكان من السجن فأسس في العام 1983م حزب الرفاه الوطني، الذي شارك في انتخابات نفس العام لكنه لم يحصل على كثير من الأصوات، لكن أربكان المصمم على فكرته، عنيد بما يعتقد، فإنه لم ييأس حيث واصل جهوده السياسية حتى حقق الفوز بالأغلبية في انتخابات العام 1996 ليترأس أربكان حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيللر، وعاد من خلال رئاسته للوزارة إلى تنفيذ ما يراه صحيحا ولذا فقد سعى إلى الانفتاح بقوة على العالم الإسلامي، حتى بدا وكأنه يريد استعادة دور تركيا الإسلامية، ورغم عدم ممانعته لمعاهدات تركيا مع إسرائيل إلا أنه كان يبدي برودا تجاه هذه العلاقة، مما حدا بالجنرالات إلى تقديم مجموعة طلبات لغرض التقليل من النفوذ الإسلامي في البلاد، وفي العام 1998م تم حظر حزب الرفاه وأحيل أربكان إلى القضاء بتهم مختلفة، ومنع من مزاولة النشاط السياسي لخمس سنوات، لكن أربكان لم يغادر الساحة فلجأ إلى المخرج التركي التقليدي ليؤسس حزبا جديدا باسم الفضيلة بزعامة أحد معاونيه، لكن هذا الحزب تعرض للحظر أيضا في العام 2000م. ومن جديد عود أربكان وأسس في العام 2003م حزب السعادة، لكنه لم يسلم حيث تم اعتقاله ومحاكمته في نفس العام بتهمة اختلاس أموال من حزب الرفاه المنحل، وحكم عليه بسنتين سجنا حين كان يبلغ من العمر وقتها 77 عاما.
وإذا كانت تلك المسيرة الطويلة قد أوصلت أربكان إلى طريق شبه مسدود في السياسة التركية فإن فكرته لم تنته، حيث استطاع الشباب الذين انفصلوا عنه من تشكيل حزب جديد، هو حزب العدالة والتنمية، الذي أبدى أكثر مرونة في التعامل مع علمانية الدولة، وكان قد حظي بثقة كبيرة من الشعب الذي رأى في أصحابه شبابا يمتلكون القدرة على التغيير في العالم الحديث، واستطاع هذا الحزب أن يسير بخطى ثابتة نحو إقناع العالم وتركيا أن الإسلام السياسي قادر على التعايش مع عصر الحداثة وما بعدها.
الغد:4/3/2011
د.يوسف ربابعة
أربكان وتحولات الخطاب الديني في تركيا