(1)هل يحمل الإنسان العربي إمكاناً حضارياً بين جنبيه، أم ما يزال رهين المحبسين:
1- محبس الأجداد الذين صنعوا حضارةً في زمن ماضٍ، في حين اكتفى إنسان العصور الحديثة بالتغنّي بهذا المُنْجَز كنوعٍ من الحنين السيكولوجي الذي لا يُقدّم ولا يؤخّر على أرض الواقع.
2- محبس الأغيار الذين صنعوا وما يزالون يصنعون حضارةً يشعر أمامها بالتصاغر على المستوى المعرفي.
هل تتحوّل قامة الإنسان العربي الآني بنفس قامة الأجداد والأغيار، على حدّ سواء، منتقلاً بذلك من مجال المقارنة الفجّة التي تجعل منه قزماً بشكل أوتوماتيكي، إلى مجال المنافسة التي تجعل منه قادراً على إنتاج الحضارة، وتصديرها إلى بقية الأجناس البشرية، بصفتها تحمل سمة إنسانية شاملة للإنسان أنَّى تواجد في الزمن والمكان؟
(2)
(أ)
ما هي البشارة التي يمكن للإنسان العربي أن يحملها بين جنبيه، عقلياً وتطبيقياً، ويُفاخر بها الدنيا:
هل هو قادر على إنتاج -كمرحلةٍ أولى- مُنتج علمي وفلسفي وأدبي مُنافس لمنتجات الآخرين العلمية والفلسفية والأدبية؛ وهل هو قادر على أن يتجاوز محنة الإنتاج المحض إلى ما هو إبداعي، بحيث ينتقل من طور المنافسة المعرفية إلى طور البديل الحضاري؟
هل هو بصدد تجاوز نظريات الحسن بن الهيثم العلمية، ونظريات عبدالقاهر الجرجاني النقدية، ونظريات ابن رشد الفلسفية، ونظريات الشافعي الفقهية، ومقاصد الشاطبي؛ أم عليه أن يبقى متموضعاً في المتون القديمة، مُستنزفاً لها، المرة تلو الأخرى، كلّما واجهته مشكلة آنية؟
هل هو بصدد تخليد ذكرى المتنبي تخليداً مجّانياً، يسحق بموجبه كلّ بادرة شِعرية حديثة، أم عليه أن يكتب مزيداً من الكتب النقدية في تمجيد ظاهرة المتنبي، ليقول للعالَم بعالي الصوت: لدينا شاعر عظيم؟
هل هو بصدد الإبقاء على أطروحة "قداسة السلف الصالح" و"دناسة الخلف الطالح"، أم أنه سيعترف بالإبداع، أياً كانت مصدريته الزمانية؟
هل يدخل في طوبى ماضوية على المستوى الذهني؛ أم يسعى إلى تمثّل خيّريته في الزمن الحالي؟ وعلى الجانب الآخر، هل هو بصدد الخروج من عباءة ميشيل فوكو على المستوى النقدي، وعباءة مارتن هيدغر على المستوى الفلسفي، أم عليه أن يبقى يُقارب النصوص الإبداعية العربية بنظريات الآخرين؟
هل وزنه مثلاً أو طوله أو حتى نوعية غذائه أو نوع لباسه، يمنعه من أن يُبدع نظرية نقدية أو فلسفية أو معادلة علمية... إلخ؟
(ب)
ما هو الإمكان الذي يحمله إنسان يعيش ويلات الحروب المُتتالية، على المستويين الداخلي والخارجي:
هل هو بصدد الدخول في حالة من التدمير الذاتي إلى ما لا نهاية مع أبناء جلدته، أم أنه بصدد البحث عن صيغ رحمانية للمصافحة والمصارحة والمصالحة بين الإخوة الأعداء؟
هل هو بصدد الإبقاء على الطبقية الوطنية، الأيديولوجية، الطائفية، الإثنية، القبائلية، المناطقية، التي أوصلته إلى ما هو عليه، أم أنه بصدد البحث عن مخارج جديدة للأزمات الخانقة التي أوجدتها مداخله التي بنى عليها رؤاه في هذا العالَم؟
وهل هو مع تجرّع كأس السمّ لكي يتعافى، قبل أن يستفحل المرض العضال، ويأتي على حيواته كلّها؛ أم أنه مع البقاء على شُرب العسل الزائف؟
هل هو بصدد الإبقاء على الثقافة العمودية في مختلف المجالات، التي لا تُنتج إلا أشخاصاً يقفون على أكتاف بعضهم بعضا، مع ما يستلزمه هذا الوقوف من إنتاج لثقافة الأسياد والعبيد؛ أم نحنُ بصدد التأسيس لثقافة أفقية تُنتجُ ذواتاً متساوية في الحقوق والواجبات، بحيث لا يضيع وقتها وهي تطالب بحقوقها وتستعرُّ من أداء واجباتها، بل تستغل وقتها في إنتاج ما هو مفيد ونافع ومُبدع، حضارياً؟
وعلى جانب آخر، هل هو بصدد البقاء في موضع استلابي، يسمح للآخرين بامتهانه وامتهان حقوقه، أم أنه بصدد البحث عن توازنات تعاونية مع الآخر، بحيث لا يعود ثمة اقتتال بناء على نوايا مسبقة وهواجس قديمة؟
هل هو بصدد الإبقاء على ثنائية "الأنا/ الآخر"، أم إنه بصدد التأسيس لإنسان عالمي، مهمته الكبرى هنا والآن، إعادة إنتاج الشرط الحضاري، مع ما يستلزمه هذا الإنتاج من تفجير للكامن المعرفي والأخلاقي والجمالي لدى هذا الإنسان، ونقله واقعاً ممارساً على أرض الواقع... إلخ؟
(ج)
وما هي البشارة المعرفية/ الجمالية/ الأخلاقية التي يمكن للإنسان العربي أن يحملها بين جنبيه، ويجعل منها أيقونة حضارية لكلّ البشرية؟
هل يسأل سؤال الجدوى في هذه الحياة، بعيداً عن الإكراهات الماضوية والاستلابات الغيرية؟
هل لديه من النصوص الأدبية، الفلسفية، العلمية، ما ينافس منتجات الآخرين؟ وإذا لم يكن لديه، فهل نكتفي بالندب والبكاء، أم نسعى إلى التأسيس للقادم من الآن؟
هل نكتفي بتشبيه مُبدعينا -تحت وطأة إكراهات ثقافية كبيرة- بالجرجاني والشافعي وابن رشد والمتنبي، وإميل زولا ووليم فوكنر وفيكتور هوغو وجان بول سارتر؛ أم نسعى إلى النظر إلى مُبدعينا بصورة فردية، بما يعلي من ثقافة العقل الفردي المتميز، على حساب ثقافة العقل الجمعي المُتشابه؟
هل نعترف لمن أراد أن يبحث عن مقاربات جديدة في مختلف المجالات المعرفية، بحقّه الكبير في هذا الشأن؛ أم ندخل في نوع من المطاحنات والملاسنات، حول أحقّية ما نقوم به نحن على نحو مخصوص، وبطلان ما يقوم به الآخر القريب؟
هل نُبقي على تمجيدنا لصوت الرصاص، مع ما يرافق هذا التمجيد من أغانٍ حماسية تثير الماء في عروقنا؛ أم نُصغي للآلات الموسيقية، مع ما يرافق هذا الإنصات من رهافة في الشعور الإنساني؟
هل نسعى إلى مراقبة غروب الشمس مع ما يرافق هذه المراقبة من استلهام لمعانٍ وجودية عظيمة حول ما هو خالد وفانٍ في هذا العالَم؛ أم نسعى إلى إراقة دماء بعضنا بعضاً كتجلٍّ أخير لحالتنا الجمالية القبيحة؟
هل نُعلّم أطفالنا كيفية الإمساك بالكتاب، أم كيفية فكّ وتركيب البندقية؟
هل نُبقي على تمجيد تاريخنا المعرفي من خلال البكاء على أطلال ما حصل لمكتبات العالم الإسلامي أيام الغزو المغولي؛ أم نسعى إلى نشر ثقافة القراءة نشراً واقعياً، لا حُلماً ذهنياً؟
هل نُؤسّس لمُدونة أخلاقية تُقارب الإنسان دنيوياً، لا أن تُدخله في طوبى أخروية؟
هل نُعلّم أطفالنا واجباتهم تجاه الآخرين، بموازاة تعليمهم حقّهم على الآخرين؟
هل نتحيّز في أحكامنا حول تجليات الحياة والناس، بناء على ما كان موجوداً عند الآباء والأجداد؛ أم نسعى إلى التأسيس لأحكام جديدة، بناء على بحث ذاتي، دائم ودؤوب؟
هل نستنطق ما هو نافع ومفيد أينما وجد، أم نرهن ذلك بنوايا مسبقة؟
هل نستنطق الجَمَال الموجود داخلنا، قبل أن ننتظره من الآخرين... إلخ؟
(3)
الأسئلة أعلاه، أسئلة برسم إجابات يشارك بها الكلّ، لأنّ حالتيّ: 1- الإكراه الماضوي و2- الاستلاب الغيري، لا تضغطان على الناقد الأدبي وحده أو الفيلسوف وحده أو السياسي وحده أو النجّار وحده أو التربوي وحده، بل تضغطان على المجموع الكُلّي للأمة وإن بدرجات متفاوتة. لذا، ستكون الإجابات في حال اشْتُغِلَ على الأسئلة أولاً، بمثابة البشارة التي يحملها الإنسان العربي بين جنبيه، ويسعى إلى تعميم خيريّتها على الناس جميعاً.
الغد - معاذ بني عامر
الإنسان العربي: من إرث الأجداد إلى حاضر الأحفاد