الاستثمار في (التدين): من الدعوة إلى السياسة

  يبدو أن تصاعد حالة التدين وزيادة الطلب على على الدين لدى الشارع العربي المسلم أصبحت تغري الكثيرين على الاستثمار في هذا المجال،وهو بالمناسبة مجال خصب يمكن العمل فيه والتعويل عليه سياسيا للوصول إلى أفضل النتائج .    الآن، يبدو أن حصاد هذا الاستثمار في بداياته ،خاصة بعد أن وصلت بعض الحركات الإسلامية إلى السلطة أو إلى تخومها على الأقل، في مصر، مثلا، يتقدم الإسلاميون إلى عرض تجربتهم وسط محاولات شرسة لإجهاضها، وكذلك في تونس والمغرب،مما يعني إنا بانتظار اشتباكات ربما تطول بين الإسلاميين وخصومهم،وبانتظار اختبار حقيقي لهذه التجارب التي لم تستقر بعد على نموذج محدد يمكن الحكم عليه او تقييمه موضوعيا.    لا ادري-بالطبع- إذا كان النموذج التركي ،قد يدفع البعض إلى التفكير باستنساخ هذه التجربة أو استلهام بعض انجازاتها (لاحظ أن لكل تجربة خصوصيتها وتربتها التي خرجت منها)، ولكنني اشعر بأن أمامنا وقت طويل جدا لرؤية حالة من الانسجام والتوافق بين الإسلاميين ومجتمعاتهم (بما فيها النخب والقوى المتصارعة على السياسة) وحالة أخرى من التفاهم بين الإسلاميين والآخر المختلف في الداخل والخارج،ذلك أن ثمة هوة من عدم الثقة وتدني منسوب التفاهم مازالا يشكلا ن قاسما مشتركا للعلاقة التي تحكم هذه الإطراف، ومن المفارقات هنا أن الحكومات لم تنجح بعد في استيبعاب حالة التدين المتصاعد أو إقامة ما يناسبه من قنوات،لكي لا نقول استثماره ايجابيا لتحقيق ما تسعى اليه من شعبية، يبنما نجحت في المقابل بعض الزعامات الدعوية الدينية التي لا تمتلك -احيانا- الحد الأدنى من مقومات العلم والتنظيم (دعك من الامكانيات) في اختطاف هذه الحالة، وتحشيدها في مجالات مختلفة بعد أن استقال غيرهم من العمل الايجابي وعجز عن الاستفادة منها في مجالات البناء. لكن السؤال المهم هنا:هل يكرر الإسلام السياسي فشل الحكومات التي سبقته في تعاملها مع الواقع،وهل نجاح الإسلاميين في مجال الدعوة يعني بالضرورة أنهم سينجحون في السياسة وبناء الدولة؟    من المبكر الإجابة على هذه التساؤلات ،لكن لا بد أن يدرك الإسلاميون بأنهم بحاجة إلى إعادة النظر -وربما الاعتبار- للخطاب الإسلامي المعتدل والمتوازن،والى تشجيع القائمين عليه،أو المبادرين إلى إطلاقه من خلال أفكار وممارسات تزاوج بين المدني والوطني، التاريخي والمعاصر، الداخلي والخارجي، السياسي والأخلاقي، وبين الخيارات والاضطرارات ايضا، ومن اسف أن طاقة التدين التي يمكن ان تستغل في اطر ومساحات واقنية منظمة ما تزال تضيع في الوديان، أو تضل طريقها نحو الجبال الوعرة، فيما كان من الاولى ان نتعهدها بالرعاية والاهتمام وأن نقلع من تربتها الاحساك والاشواك لكي تساهم مع الاخرين في معركة التنمية .. وفي مسيرة العمل والبناء ايضا.    مسألة الخوف من الإسلام السياسي ما تزال حقيقة قائمة ،ولا يهم هنا فيما اذا كان العاملون في هذا المجال مسؤوليين عنها أم لا،لكن من واجبهم ان يطمئنوا الناس بالفعل لا بالقول، على انهم دعاة لا قضاة،وبأن خياراتهم الديمقراطية والسلمية هدف لا مجرد وسيلة، وبأن السلطة ليست اولوية بالنسبة له، وبانهم شركاء لا فرقاء، وجماعة من المسلمين لا جماعة المسلمين.                                                          جريدة الدستور: 31/03/2012  

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.