البحث عن "الطّفل" المفقود و"الجمال الضائع"

د. نارت قاخون قصة "ثياب الإمبراطور" للكاتب الدّنماركيّ "هانس أندرسن" من القصص العالميّة المعروفة، ويُمكن عدّها مع كثير من قصص هذا الكاتب من أكثر القصص فنيّة وعمقاً وأصالة؛ فهي قصص لـ"الأطفال"، بوصف "الطّفولة" أكثر مراحل عمرنا "صدقاً" و"حكمة" و"دهشة" و"ذكاءً". ملخّص القصّة أنّه يُحكى عن إمبراطور كان مولعاً بالملابس الجديدة، ينفق أموالاً طائلة عليها، ويبحث دوماً عن جديدها وغريبها. بلغت حكاية عشق الإمبراطور للثياب محتالَين، فقررا استغلال الفرصة، فذهبا إلى الإمبراطور وزعما أنّهما من أمهر الخياطين، وأنّهما سيصنعان للإمبراطور "ثوباً لا مثيل له في العالم كلّه"، ولكنّه "ثوب" خاصّ يتميّز بمزيّة لا يشاركه فيها ثوب آخر، وهي أنّ هذا الثوب لا يستطيع رؤيته إلا "النّخبة الذكيّة صاحبة الذّوق الرفيع". لم يثر هذا الوصف مخاوف الإمبراطور وحاشيته، بل أثار فضولهم، فهم نخبة النّخبة وأذكى الأذكياء، وأرفع النّاس ذوقاً! بعد مدّة جاء الخيّاطان إلى الإمبراطور ومعهما صندوق كبير، وقفا في قاعة القصر والإمبراطور والوزراء يراقبون ويترقّبون. فتح الخيّاطان الصندوق ثمّ رفعا أيديهما كأنّهما يرفعان ثوباً، وقالا: انظر يا سيّدي ومتّع ناظريك بهذا الثوب الفاتن الساحر. نظر الإمبراطور إلى ما في أيدي الخيّاطين فلم يجد شيئاً! وكذلك لم يجد الوزراء شيئاً! لكن هل يقول الإمبراطور إنّه لا يرى شيئاً ولا يكون من "أصحاب الذوق الرفيع"؟ كابر الإمبراطور حقيقة أنّه لا يرى شيئاً فقال: يا الله ما أجمل هذا الثوب! أليس كذلك أيّها الوزراء؟ نظر الوزراء إلى الإمبراطور ثم إلى ما في أيدي الخيّاطين ثمّ إلى أنفسهم. فقالوا جميعاً بصوت واحد: يا للإبداع والفن الرفيع! لم نرَ في حياتنا ثوباً بهذا الجمال والروعة! ارتدى "الإمبراطور" ثوبه الجديد البديع! وخرج إلى شرفة القصر لتحية شعبه الذي جاء ليشهد ثياب الإمبراطور الجديدة. ولأنّ حكاية الثوب الجميل الذي لا يراه إلا النخبة أصحاب الذّوق الرفيع انتشرت في كلّ مكان، لم يجرؤ أبناء الشّعب على الاعتراف بأنّهم لا يرون شيئاً، فأخذوا بإظهار إعجابهم بـ"ثياب الإمبراطور" حتى صاح "طفل" بينهم: "انظروا، انظروا، الإمبراطور يقف عارياً"! أقف مع الحكاية هنا، وأترك لكم تخيّل ردّة فعل "الإمبراطور" وحاشيته والنّاس. هذه الحكاية أو الأسطورة ليست خياليّة أو لا وجود لها في واقعنا، بل هي متجلّية في الكثير من مواقفنا الفكريّة والفلسفيّة والفنيّة والأدبيّة. فنحن نقرأ مرّات، أو نشاهد كثيراً، أو نسمع نصّاً فلسفيّاً أو أدبيّاً أو مقطوعة موسيقيّة فلا نجد فيها شيئاً، ولا نفهم منها شيئاً، فهي في الحقيقة في عيون عقولنا لا وجود لها، ومَن يتزّين بها هو كالإمبراطور العاري تماماً. لكنّ "خياطي الفكر والأدب والفن" أشاعوا أنّ هذه المقطوعات الفلسفيّة والفنيّة والأدبيّة لا يُدرك جمالها، ويُبصر روعتها إلا "أصحاب الذوق الرفيع"! فلو قال أحدنا: لكنّني لا أرى شيئاً في هذه المقطوعات والنّصوص التي تقولون عنها نصوصاً "فائقة"، لكان ذلك اعترافاً أنّنا لسنا من "أصحاب الذوق الرفيع". ومَن منّا يقبل بذلك، ويتّهم ذوقه؟ فكلّ واحد منّا يرى نفسه في العقل والفهم والذوق أكمل النّاس. والواقع أنّ كثيراً من الأسماء التي رسّخها "خياطو الأدب والذّوق الرفيع" هي عظيمة فعلاً "أو أغلبها على الأقلّ"، ولها نتاج عبقريّ فائق بكلّ ما تحمله الكلمة يُمكن للعين والعقل والروح والأذن أن تدركه بل تقبض عليه. ولا أنكر كذلك أنّ الأذواق تختلف وتتفاوت، وأنّ هناك ما يحتاج دُربة ذوقيّة، وخبرة تذوّق وفهم عاليتين؛ فالنّصوص والمعارف والفنون تتفاوت في مقدار الفهم والذوق ونوعهما اللازمين لتلقي هذه "الإبداعات". ولكن هنا تأتي "المشكلة" من فئتين تقفان على الضدّ؛ فئة ترى الإبداع والجمال والذّوق الرفيع سلطةً احتكاريّة نادرة لا يستطيع إنتاجها وفهمها وتذوّقها إلا أقلّ النّاس، وهم أعضاء نادي "النّخبة الثّقافيّة" الذين يملكون وحدهم "إنتاج الأدب والفلسفة والفنّ"، وهم وحدهم مَن يقرّر قيمة هذه الإنتاجات. أمّا "العَوَامّ" فليس لهم إلا الرضوخ لقرارات هذه النّخبة، ومن حاول مزاحمتهم في "ناديهم" وصفوه بـ"المتّطفِّل"! وفي مقابل هؤلاء فئةٌ أخرى ترى أنّ "الأدب والفلسفة والفكر والفنّ" لا يشكّلون أيّ تحدٍّ لقدرات جميع النّاس، ولا يتطلّب إنتاجهم وإبداعهم وفهمهم أيّة قدرات خاصّة، أو أيّة خبرة معرفيّة وذوقيّة، فكلّ كتابة تدّعي أنّها شعر أو رواية أو فلسفة أو فكر تكون كذلك بمجرّد ادّعاء صاحبها ذلك! وأصبح شعار هؤلاء: "يكفي أن تملك حساباً في "فيسبوك" أو "تويتر" أو "يوتيوب" أو أيّة منصّة تواصل اجتماعيّ حتى تصير فيلسوفاً أو شاعراً أو قاصّاً أو فنّاناً أو "مؤثِّراً" أو ذلك كلّه معاً! هكذا يُصبح "الإبداع والتفوّق" في متناول الجميع من دون أن يكونوا مضطرين لبذل جهد كبير، وخوض تحدّيات حقيقيّة، فبمقدور الجميع أن يكونوا فلاسفة وأدباء وفنّانين! بين "احتكاريّة الفئة الأولى وسلطتها الفوقيّة" و"مشاعيّة الفئة الثانية وشعبويّتها العبثيّة المائعة"، أضعنا ذلك "الطّفل الصادق" في أنفسنا وعقولنا وأذواقنا الذي لا يخضع لأوهام "النّخبة الثقافيّة" الاحتكاريّة الفوقيّة ولا ينخدع بأكاذيب الميوعة الشّعبويّة الفوضويّة. فهاتان الفئتان تخنقان هذا "الطفل"، وتريدان منه أن يرى ما ليس بموجود أو أن ينكر ما يراه فعلاً. وهنا أستدعي سؤالاً مشروعاً هو: لماذا أعترض على هذه الفئات؟ أليس من حقّ الجميع أن يكتبوا ما يريدون؟ أليس من حقّ كلّ واحد منّا أن يرى أو لا يرى؟ أن يدّعي أنّه يكتب الفلسفة والشّعر والأدب؟ أن يُعجب بما يُريد وأن لا يُعجب بما لا يريد؟ أقول: بلى، هذا من حقّ الجميع، ولا يملك أحد أن يصادره. ولكن حقوق الفعل الكتابيّ أو الإبداعيّ أو الفنّيّ تنتظم في ثلاث دوائر: دائرة الكاتب أو منتِج النّص، ودائرة النّص نفسه، ودائرة المتلقّي من قارئ وناظر وسامع. فإذا كان من حقّ من يريد الكتابة أن يكتب ما شاء، ثمّ يدّعي أنّ نصّه الذي كتبه هو شعر أو فلسفة أو أدب، فمن حقّ القارئ المتلقّي بل واجبه أن يختبر هذا الادّعاء ويبدي رأيه فيما يقدّم له بوصفه "نصّاً فائقاً" أو "نصّاً أدبيّاً"، فمن يكتب ما يريد فعلَ بحقّه، ومَن ينتقد ما يُكتب ويرفضه فعل بحقّه أيضاً، والحقّ أولاً لا يحجب الحقّ ثانياً. وهنا يأتي سؤال كان وما يزال وسيظلّ موضع جدل: أليس للأدب والفلسفة والفنون "معايير" تحظى بالقبول والاعتراف من أغلب النّاس من دون انحيازات تفرضها "سلطةٌ ما" فرضاً وقهراً من دون إقناع واقتناع وصدق "الطفل" مع نفسه؟! هنا قد تكون أكثر الإجابات واقعيّة سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا هي: لا سبيل لذلك؛ فالفلسفة والآداب والفنون والتأويلات الدّينيّة لا يُمكن أن تنجو من "الانحيازات" و"إكراهات السلطة". و"السلطة" هنا تتجاوز "التجلّي السياسيّ" إلى "الثقافيّ" و"الاجتماعيّ" و"الاقتصاديّ" لتصير بمعنى "المؤسّسة السلطويّة". فحين سئل "دوشان": ما الذي يجعل "المبولة" عملاً فنّيّاً؟ أجاب: أن تجدها في "معرض فنّيّ" أو متحف مرموق وليس في "حمّام عام"! وهكذا إمّا أن تفرض "سلطةٌ ما" علينا أن نرى الكون "متحفاً مفتوحاً" أو أن نراه "حمّاماً عامّاً". وما أراه أنّه لا هذا ولا ذاك، وهذه محاولة منّي لرفض "سلطةٍ ما" بـ"فرض سلطة أخرى"، ودفع "انحياز" بـ"انحياز آخر".

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.