التصوف حينما يتحول إلى "بهرجات استعراضية"!
اختلف الناس قديما وحديثا اختلافا كبيرا وعميقا حول حقيقة التصوف، ودارت مساجلات كلامية ساخنة حول مدى موافقته للشريعة وانسجامه مع أحكامها، أو انحرافه عنها وتلبس أهله بمخالفات ومحظورات تتفاوت في درجة انحرافها من الشرك إلى البدعة والضلالة.
وإذا ما تجاوزنا في هذا المقام ذلك الجدل الواسع حول معنى التصوف وحقيقته، وأخذنا بتلك التوليفة التي استقر عليها رأي الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه (ربانية لا رهبانية) والتي تتلخص في ضرورة الانحياز إلى مضامين التصوف وحقائقه، المتماهية في أصل نشأته تماما مع مفهوم التزكية القرآني، والإحسان النبوي، طبقا للندوي، ما يعني القبول به واعتباره تجسيدا عمليا لتلك المطالب القرآنية والنبوية.
وبناء على تلك الرؤية فإن التصوف في جوهره وحقيقته يعني الاشتغال بتطهير الباطن وإصلاح القلب، والاعتناء بأمراض النفوس والبحث عن طرق علاجها، والانخراط العملي في مجاهدة النفس، للارتقاء بها في مقامات السلوك والسير إلى الله، والاشتغال الدائم بذكر الله، بالمحافظة على جملة من الأذكار والأوراد تبقي السالك قريبا من الله، وترتقي به إلى حضور القلب، ومن ثم استقامة السالك على أمر الله وشرعه.
يتلخص من ذلك كله أن التصوف مجاهدة وعبودية واستقامة، أو بوصف جامع لأحمد بن عجيبة، أحد أعلام التصوف الكبار هو «علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم، وأوسطه عمل، وأخره موهبة».
حينما يستحضر الناظر تلك المضامين العالية، والمعاني الشريفة، وما أنتجته عبر العصور المتلاحقة من تراث الزهد والتنسك والمجاهدة وسير العابدين إلى الله، وقصص السالكين إليه، ثم تبحث عنها في عالم المنتسبين إلى التصوف في دنيا الناس اليوم فإنك لا تكاد (على الأغلب) تعثر على الحد الأدنى من ذلك كله، بل أكثر ما تراه لا يعدو أن يكون طقوسا موسمية، وجلسات اعتيادية، وحفلات استعراضية، ما يثير سؤالا جوهريا حول ما أبقته الممارسة الصوفية المعاصرة من المحافظة على حقائق التصوف في أوساط المنتسبين إليه؟
إن تحويل الممارسة الصوفية، في أكثر تجلياتها المعاصرة إلى طقوس احتفالية، ولقاءات استعراضية، أمد معارضي التصوف ومنتقديه بأسانيد جديدة، وحجج قوية، لإثبات مدى خواء التصوف من تلك الحقائق والمعاني، وأنه قائم على فساد الاعتقاد والسلوك معا، إذ لو كان قائما على عقائد ومفاهيم صحيحة، لأثمرت في نفوس أتباعها حسن الفهم، واستقامة الحال، وحقيقة التدين.
ولئن كان التصوف يحفل كثيرا بالسماع والأناشيد والمدائح النبوية، لتأثيرها الشديد على الجانب الوجداني، وتحريكها للعاطفة الدينية، وتأجيج الحماسة الإيمانية في نفوس السامعين، فإن الاقتصار عليها في هيئات احتفالية استعراضية، وهي التي تعتبر في أدبيات المتصوفة وسيلة لفتح أبواب التخلق والتعبد، والإقبال عليها بهمة عالية، خلل كبير في مسالك المتصوفة، وقصور شديد في إدراك الغاية منها.
ولئن كان التصوف يقدم أوراق اعتماده باعتباره علما يشتغل بإصلاح باطن العبد، في مقابل اشتغال الفقيه بإصلاح ظاهر عبادته في التحقق من شروطها وأركانها وواجباتها... إلخ، فإن الاقتصار على المظاهر الطقوسية الاحتفالية الظاهرة، ينقل التصوف من جوهره المشتغل بإصلاح الباطن وتطهيره، إلى نسق التدين الشكلاني الظاهري، الذي يهتم بالمظاهر ويعظم من شأنها، وهو ما يردي التصوف في هوة سحيقة تهدم ما نهض لإصلاحه وترميمه.
ومما يؤسف له حقا استجابة كثير من شيوخ الطرق الصوفية لإغواء السلطة السياسية، في خضم سعيها المحموم لتوظيف القوى الدينية لصالحها، إما بتكريس نمط ديني يكرس شرعيتها، أو إضعاف اتجاهات دينية أخرى غير مرغوب فيها، ولعل دوافع أرباب تلك الطرق في قبول ذلك الدور هو تطلعهم إلى أن يكون لهم حضور وتأثير وسلطة في مواجهة الاتجاهات الدينية المناوئة لهم، وهو انحراف خطير عن جوهر التدين، وروحه المتعالية عن تلك الأغراض الدنيئة، والمصالح الخسيسة.
إن مما ينبغي أن يكون عليه المتصوفة، وهم دعاة التربية والتزكية والإحسان، الترفع عن الدخول في مستنقع النيل من المخالفين، ومجاهدة تلك الشهوة الخفية الطامحة للاستئثار بالمشهد، والمحرضة للسلطان لإقصاء غيرهم وقمعه، لتخلو الساحة لهم، وهو ما يجعل ذلك البنيان التربوي والأخلاقي الذي يتغنى به رموز الصوفية وشيوخها يتداعى وينهار بتصدع أساساته وقواعده وأركانه.
فالتصوف الذي يُعنى بالجوهر، ويتجلى نطاق عمله (الأبرز والأهم) في أعماق النفس البشرية، لا يليق بأربابه وشيوخه وأتباعه الارتكاس في حمأة تلك الرذائل والقبائح، والتلطخ بأوساخ تلك الشهوات الخفية، فيكونوا أعوانا لشياطين الإنس، وجنودا للظالمين المستبدين، والاصطفاف في خنادق من يستبيح كرامة الصالحين، ويتجرأ على الشريعة والدين.
وحتى يكون للتصوف تلك المكانة التربوية الرفيعة التي يتحدث عنها أعلام الصوفية ورموزها الكبار؛ فإن أشد ما تحتاجه تلك الطرق في واقعنا المعاصر هو الاشتغال الحقيقي بتزكية النفوس، وتهيئة البيئات الصالحة لتربية المريدين، وإصلاح قلوبهم، وتهذيب أخلاقهم، ونقلهم من حياة العابثين، وسلوكيات الشاردين والغافلين، إلى حيث التدين الحقيقي في روحه وجوهره (ظاهرا وباطنا) بإيمانياته المشرقة، وأخلاقياته العليا، وسلوكياته المثلى.
التصوف حينما يتحول إلى "بهرجات استعراضية"