أوراق بين الضجيج والتلفيق ..
د.فايز الحوراني
شكل مشهد زيارة جلالة الملك عبدالله للفحيص مهنئاً بعيد الميلاد المجيد, نموذجاً, للاعتزاز الوطني والقومي العروبي لابناء عشائر الفحيص, وكان اهداء نسخة تاريخية من القرآن الكريم والكتاب المقدس (الانجيل) يمثل جزءاً حياً من المشهد التاريخي الذي امتد في حياة العرب المسيحيين مع اخوانهم المسلمين واعتزاز الجميع بانتمائهم الموحد وطنياً وعروبياً. وكان هذا المشهد من جانب اخر لا يمثل موقفاً لحظياً بمناسبة الزيارة فحسب بل هو موقف ممتد لأن العرب المسيحيين وعبر التاريخ أكدوا للقاصي والداني ان الاسلام هو لهم ثقافة عروبية قومية وحرصوا عليه حرصهم على شرف الانتساب لأمتهم, والأحداث التاريخية ذات الدلالات لا تعد ولا تحصى, وما على المعنيين والباحثين الا ان يبوبوها وينشروها في زمن التكنولوجيا المتقدمة لتتعرف عليها الاجيال الناشئة ويزداد اهل العلم والثقافة بها علماً وثقافة, وقد يكون رد الفعل بالإصرار على تعبير "ابناء عشائر الفحيص" هو من قبيل الاعتزاز والانتماء لمجمع واحد مسلميه ومسيحييه... ما دامت العشيرة وحدة اجتماعية ذات خصائص وطنية وتاريخية
كلمة عفلق والإسلاميون
قبل فترة وجيزة, اقل من عدة اسابيع استضافت الجمعية الاردنية للثقافة والعلوم ممثلين لحزب جبهة العمل الاسلامي الشيخ حمزه منصور والدكتور عبداللطيف عربيات والشيخ جميل ابو بكر وتحدثوا عن برنامجهم السياسي وغير السياسي واثناء الحوار تم التعرض الى ظاهرة الهجرة وخصوصاً هجرة المسيحيين العرب, ومخاطر هذه الظاهرة في المستقبل, وتذكرت لحظتها الكلمة التاريخية لميشيل عفلق التي القاها على مدرج الجامعة السورية بتاريخ 5 نيسان عام 1943 أي قبل نحو 58 عاماً, وتعتبر هذه الكلمة نموذجاً للثقافة السلمية التي تكشف الفرق الجوهري بين الكلام المرتبط بقائله المعبر عن الشخصية الحية الصادقة والوفية وبين الكلام الآخر الذي وصفه عفلق بذهن يلهو ولسان يهذر. ووصف النوع الاول من الكلام بالورقة النقدية الممثلة لقيمة معينة من الذهب والنوع الثاني مجرد كلام وعلى قصاص من الورق.
ومن هنا فان موقف العرب المسلمين والمسيحيين متطابق فيما يخص حركة الاسلام المتمثلة في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, واعتبار الاسلام هزة حيوية حركت من القوى في الامة العربية وان تجربة الاسلام ممكنة التجدد دوماً, وان فتوحات العرب وحضارتهم بعد الاسلام كانت لأنهم فتحوا انفسهم وحكموا ذواتهم وملكوا ارادتهم, وطبيعي ان يقول عفلق حينها ان العروبة جسم روحه الاسلام وعليه فلا مجال للخوف من ان يشتط العرب في قوميتهم لانها لن تبلغ عصبية البغي والاستعمار حسب تعبيره وطبيعي ايضاً "ان الاسلام لا يمكن ان يتمثل الا في الامة العربية وفي فضائلها واخلاقها ومواهبها فأول واجب تفرضه انسانية الاسلام اذن هو ان يكون العرب اقوياء سادة في بلادهم".
خطاب عفلق والعرب المسيحيون
إن تلك الخطبة هي ورقة تاريخية مهمة للعرب المسيحيين وللعرب المسلمين فيقول عفلق فيها "الاسلام عام وخالد ولكن عموميته لا تعني انه يتسع في وقت واحد لشتى المعاني والاتجاهات بل انه في كل حقبه خطيرة من حقب التاريخ وكل مرحلة حاسمة من مراحل التطور يفصح عن واحد من المعاني اللامتناهية الكامنة فيه منذ البدء, وخلوده لا يعني انه جامد لا يطرأ عليه تغير اوتبدل بل انه بالرغم من تغيره المستمر ومن استهلاكه كثيراً من الاثواب وإفنائه عديداً من القشور واللباب تبقى جذوره واحدة وقدرتها على النماء والتوليد والابداع واحدة لا تنقص ولا تفنى. هو نسبي لزمان ومكان معينين مطلق المعنى والفعل في حدود هذا الزمان وهذا المكان".
ويضيف الرجل قائلا "فهل يدري اولئك الغيورون الذين يريدون ان يجعلوا من الاسلام جرابا يسع كل شيء, ومعملا ينتج شتى المركبات والادوية. انهم بدلا من ان يبرهنوا على قوته ويحفظوا فكرته من كل تغير طارئ يقضون بذلك على روحه وشخصيته ويفقدونه مميزاته الحية واستقلاله وتعيينه, وانهم من جهة اخرى يفسحون المجال لدعاة الظلم وارباب الحكم الجائر, كي يستمدوا من الاسلام اسلحة يطعنون بها مادة الاسلام نفسه أي الأمة العربية, اذن فالمعنى الذي يفصح عنه الاسلام في هذه الحقبة التاريخية الخطيرة وفي هذه المرحلة الحاسمة من مراحل التطور هو ان توجه كل الجهود الى تقوية العرب وانهاضهم وان تحصر هذه الجهود في نطاق القومية العربية" انتهى الاقتباس.
صداقة أوروبا للإسلام
وفي مجال العلاقة بين العرب والاسلام والغرب يفسر عفلق صداقة اوروبا والغرب باتجاه انها تصادق الشكل العتيق للإسلام الذي يقتصر على العبادة السطحية والمعاني العامة الباهتة تحت عنوان الاسلام الاممي الآخذ في التفرنج ولهذا توقع عفلق أن يجيء يوم يجد فيه القوميون العروبيون انفسهم المدافعين عن الاسلام ويضطرون لان يبعثوا فيه معنى خاصاً إذا ارادوا ان يبقى للامة العربية سبب وجيه للبناء,ولان علاقه الاسلام بالعروبة ليست كعلاقة أي دين بأية قومية وجّه عفلق المسيحيين العرب الى ان يحصروا على الاسلام حرصهم على اثمن شيء في عروبتهم فالاسلام للمسيحيين العرب ثقافة قومية يجب ان يفهموها ويحبوها.
دور جبهة العمل الاسلامي
هذه بعض المعاني العميقة التي وردت في تلك الورقة التاريخية والمهمة والتي صاحبهما نوع من الضجيج ونوع من التلفيق, ولان العقود التي تلتها كانت على الاغلب عقوداً خالية من الشفافية محكومة بالاستبداد وبالنشاطات السرية والعلاقات غير الديمقراطية والصراعات الهوجاء التي اخذت الناس الى اتجاهات تتسم بالهشاشة الفكرية والثقافية, فقد يكون زمن الديمقراطية ونضال الشباب لربيع عربي زمناً يجعل العرب المسيحيين في الموقف والموقع الذي يستحقونه مع شعبهم العربي في هذه المرحلة التاريخية.
ولان الأحزاب القائمة على الأغلب تعاني من فقر الدم في قياداتها وفي هياكلها التنظيمية, فان المطلوب من الحزب الأقوى حزب جبهة العمل الاسلامي والجماعات الاسلامية التنويرية المؤمنة بالدولة المدنية أن تعير الاهتمام بالتراث الفكري والسياسي لاخوتها العرب المسيحيين وتنفتح عليه ومن هذا التراث خطاب عفلق عام 1943 ليطّلع عليه وتتداوله وتوضح ملاحظاته وتحليلها ايجابا وسلباً فهذه الوثيقة ذات قيمة وتستحق من اهل الفكر في هذه المرحلة التاريخية التوقف عندها بموضوعية فصاحبها في العالم الآخر وهي في عالمنا الذي نلمس ونشاهد.
ومطلوب من الأمة كلها ومن الحركات الاسلامية التي تتطلع للمستقبل ان تقف امام ظاهرة هجرة اخوتها العرب المسيحيين في العقود الأخيرة وان خطر التهميش أو الإقصاء لدورهم في صنع المستقبل ليس في صالح مستقبل يهم الأمة وتفضله كلها لان المصلحة واحدة ومشتركة.
العرب والمسيحيون والإسلام