أ. د. حمود سالم عليمات
من المقلق والمحزن ان تتحول الجامعات الى ساحات للصراع والشجار والى درجة تزهق فيها الارواح البريئة وتدمر فيها الممتلكات وتدنس فيها قيم العلم والخلق والتعايش. إن ما يحدث من عنف مجتمعي والذي طال الجامعات يشير الى اختلال كبير في التكوين الاجتماعي وبناء المجتمع والنظام القيمي السائد. فمشكلة العنف الجامعي لا يمكن ان تحمل فقط للطلبة وللاساتذة وللجامعات. وما يحصل في اي مكون اجتماعي هو حصيلة الاطار العام لطبيعة المجتمع ولما يحكمه من منظومة افكار وقيم وقوانين وممارسات. واضح وجلي ان مجتمعنا قد فقد بوصلته وتشرذمت هويته وربما تشوهت ذاتيته. فأصيح كيانا مفكك الاوصال متناقض التوجهات ناشز العلاقات.
في هذا المقام ينبغي البحث عن حلول اصلاحية لمجتمعنا بشكل عام ولجامعاتنا بشكل خاص. ولا يتم الاصلاح الفعلي الا بفهم مستوعب للموضوع ومن ثم يمكن الوصول الى الحلول والسياسات والممارسات المناسبة للتعامل مع العنف في الجامعات.
أولا: العوامل والأسباب المؤدية الى العنف:
إن السلوك الإنساني هو منظومة من الأفكار والعواطف والميول والتصرفات. فهو مركب معقد من كل هذه المكونات التي تتفاعل في وجدان الفرد وشخصيته ومنظومة علاقاته الاجتماعية. فالفرد يستمد من المجتمع العقائد والقيم وموجهات السلوك. حيث تتجمع كل من هذه المكونات في صور ذهنية تعبر عن الأفكار الكامنة واللغة المنطوقة وأساليب التواصل والسلوك المتبوعة.
والمجتمع الإنساني مترابط في تكويناته وفي حركته وثقافته، خاصة في عصر ثورة المعلومات والاتصال، فالسلوك الإنساني حلقات متداخلة مترابطة متصلة في هذا العالم الكبير المتواصل. في هذا السياق الإنساني العالمي والمحلي والشخصي يمكن فهم العنف ومواجهته بطريقة فضلى، ولا يمكن فهمه بأسباب او عوامل فردية معزولة عن سياقها المجتمعي والانساني العام.
العنف يملأ المشهد الإنساني: الإعلام وترويج العنف
تجتاح المجتمع الإنساني موجات من العنف والحروب والنزاعات والكوارث والمظالم التي تطال بالدرجة الأولى العوالم المتخلفة أو التي هي في ذيل قوافل الإنسانية. تلك المجتمعات التي لا تملك زمام أمرها. العنف الذي يجتاح العالم ومناظر القتل والتدمير والتفجير والجرائم الهائلة التي تعرضها وسائل الإعلام بتكرار واستمرار ويراها الكبير والصغير فتزيل عنها حواجز الاستغراب والاستبعاد. فيصبح العنف والإجرام أمرا عاديا في النطاق الإنسان، حيث تدخل في حيز الإمكان العقلي هو أول درجات الإمكان الواقعي والشيء الممكن عقلاً ممكن واقعاً. إن تكرار مشاهدة أحداث الانحراف والجريمة يؤدي إلى زوال وحشتها وشناعتها واستهجانها وهذا يؤدي إلى اعتبار الجريمة سلوكاً معهوداً والسلوك المعهود مأنوس ومألوف والنتيجة يصبح العنف من مجريات الحياة الاعتيادية وبالتالي يسهل ارتكابها وتبريرها ويضعف رد الفعل الاجتماعي ضدها.
الإعلام المرئي هو أحد أهم مصادر التأثير في مجتمعنا المعاصر فهو ينافس بكفاءة مؤسسات التنشئة والتثقيف التقليدية مثل الأسرة والمدرسة، وتشير الإحصاءات إلى أن البيت الواحد يشاهد التلفزيون ما لا يقل عن سبع ساعات يوميا. وفي دراسات أخرى تبين أن الأطفال يشاهدون ثمانية آلاف مشهد عنف قبل دخولهم المدرسة الابتدائية وأن الطلبة حتى للثانوية يقضون أمام التلفزيون أكثر مما يقضونه في المدارس بفارق (1000- 2000) ساعة لصالح التلفزيون. إن الاستنتاج المبدئي الذي يمكن الوصول إليه هو أن التلفزيون مؤثر. ولهذا السبب فإن شبكات التلفزة تتقاضى بلايين الدولارات مقابل بث الإعلانات. ولو لم تكن هذه الإعلانات مؤثرة في تفكير وعواطف وسلوك المشاهد ما كان لها من داع.
كما تبين من مراجعة العديد من الدراسات وجود أدلة عملية راسخة، على أن مشاهدة العنف التلفزيوني مرتبطة طرديا بالسلوك العدواني عند الأطفال" أي أنه كلما زادت ساعات مشاهدة العنف كلما زاد احتمال انحراف الأطفال. وأشارت دراسات أخرى إلى أن اهتمام وسائل الإعلام وبالذات التلفزيون ببث مشاهد الجريمة الحية وأخبارها وتفصيلاتها يؤدي إلى زيادة في معدل ارتكاب مثل هذه الجرائم بعد فترة البث ويضرب مثل على ذلك بعملية اغتيال الرئيس الأمريكي كندي ازدادت حالات العنف والسطو المسلح وبعد مباريات الرياضة العنيفة مثل الملاكمة والمصارعة (وخاصة التي يكرم فيها الفائز) فإن موجات من العنف تزداد وخلاصة الأمر أن بث مشاهد العنف والانحراف وعملياتها وقصصها مرتبط بانتشار العنف وازدياد معدلاته.
نتيجة لما سبق وكون الإنسان كائن متعلم وبالذات الأطفال ومن يفتقدون الضوابط السلوكية الداخلية يقلدون ما يشاهدونه في التلفزيون ويحاكوه والتلفزيون يقدم الجريمة وأدواتها ارتكابها وبالتالي يسهل على المقلدين عملهم وهذا ما تؤكده الملاحظة والبحث العلمي. إضافة الى أن بعض المسلسلات التلفزيونية تقدم المنحرفين على أنهم الأبطال الذين يحققون المستحيل ويصلون إلى غاياتهم بسهولة وذكاء وفي المقابل فإن رجال الشرطة والأمن يقدمون على أنهم أدنى مستوى وأقل كفاءة المجرمين والمنحرفين. إن هذه الدراما تصنع من المنحرفين أبطالاً ونماذج يتخذهم الأطفال قدوة يرتبطون بهم وجدانيا مما يجعلهم يسلكون طريقهم.
إن التحليل السابق يفسر لماذا وكيف يؤثر الإعلام المرئي في السلوك والمطلوب هو توجيه هذه الوسائل الإعلامية وجهتها الصحيحة لتعمل باتساق مع باقي أجهزة التثقيف لتساهم في تشكيل وإعداد الإنسان الصالح وفق المرجعية القيمية المعيارية العليا لمجتمعنا.
الثقافة والفنون السائدة (المخزون اللغوي والإدراكي للعنف)
إن الأفكار والتصورات هي الموجهات الأولى للسلوك. ومن مصادر التشكل الأولى التعليم ومن أهم بذور زراعة العنف الدرس النحوي الأول عن الكلام ومكونات الجملة وما فيها من اسم وحرف وفعل. وجملة "ضرب زيد عمراً" هي مفتاح ذلك كله. هكذا في جملة مجردة، عن الدوافع والأسباب. ضرب زيد عمرا؟؟ يقال أنه نصح أحد الزهاد أن يأخذ دروسا في النحو ليقوم لسانه، واستجاب الزاهد للنصيحة. وكان الدرس الأول الذي بدأ به هذا المثال الراسخ في كتب النحو"ضرب زيد عمراً"، فقال مستغربا، مستهجنا ولماذا يضرب زيد عمرا؟ فقيل له انه لم يضربه حقيقة وإنما هذا مثال خيالي، غير حقيقي. فقال ببراءة "علم يبدأ بالكذب لا حاجة لي فيه". ربما تذكر هذه الحكاية على سبيل التندر، لكنها تعبر عن مخزون لغوي، ينضح بالتعبيرات والمقولات والأمثال التي تزين العنف وسلوكياته. فالمخزون اللغوي اليومي مكتظ بألفاظ العنف والعدوانية: "فالتهديد بتكسير الرأس والأيدي، ………." وغيرها من التعبيرات التي نسمعها يوميا في حال الرضا والغضب. وهي في حال الغضب اشد وأقسى. فالتوعد بكافة أشكال العنف والعدوان، تستل من المخزون الإدراكي قريب المنال-في الذاكرة الفعالة القريبة"، وبالتالي يصبح سلوك العنف مبررا عقليا وإدراكياً ويسهل ارتكابه واقعياً.
ومن الطريف أن الأغاني الوطنية وحتى الرومانسية مثقلة بألفاظ العنف وأحداثه، من تكسير الأضلاع إلى قلع العيون وخراب البيوت..... يتوقع من الأغاني أنها تعبير عن مستوى راق من المشاعر الإنسانية والمحبة والشهامة والنخوة، إلا أن عددا من الأغاني المتداولة فيها تعبيرات تمجد العنف الجسدي، وتمهد لارتكابه. "فلا مجال للحوار مع من ينظر إلينا شزراً.. ، ولكن "نقلع العين إن لدت تلانا".و "نطقطقع عظامه". ويشير صديق الى ان من يتابع البرامج الصباحية في الاذاعات يشعر وكانه ذاهب الى معركة او انه فيها حقا، فهذه البرامج الصباحية تجمع كل المشاكل الصغيرة والكبيرة والمآسي وتصنع جو من التوتر والصراع المجتمعي وتعطي صورة على سوء حال البلد وتدهور الاوضاع فيه. قد يكون في ذلك جزء من ا لحقيقة لكن ليس الحقيقة كلها. تضيف الاذاعات الى ذلك زخم الاغاني الشعبية والوطنية والتي تحمل قسطا وافرا من العنف والحظ عليه وتمجيده كما ذكرنا.
إن المخزون اللغوي أو الصورة الذهنية المكتملة، هي عبارة عن مشهد متكامل بالصوت والصورة والحركة، والمكون السلوكي منها قريب المنال. فالمسافة قصيرة جداَ بين الانفعال وفعل العنف في ثقافتنا الاجتماعية وتفاعلاتنا اليوميةً. فالدوافع والذخيرة الإدراكية اللفظية موجودة. وكما قالت العرب قديما: "والحرب مبدؤها الكلام".
يترافق وجود المخزون الإدراكي اللغوي المشبع بالعنف، بضحالة المخزون المهاراتي والإدراكي السلمي المحفز على الرفق، ونبذ العنف والتعامل مع المواقف الحرجة. فثقافة الحوار والصبر والتأني ضحلة يواكبها نقص في مهارات إدارة الغضب، وحل الصراع. ونتيجة لنقص هذه المهارات فان حلول النزاعات والخلافات وربما آليات ترقيع الذوات المتهتكة المفعمة بمشاعر النقص يكون باستخدام العنف حيث أن مستلزماته ومادته ومهاراته متوافرة. يتعاظم الخطر الحقيقي إذا علمنا، أن نوازع العنف يصحبها احتياط واستعداد لمواقف النزاع. فهناك من يحمل الهراوات في سياراتهم، أو يحملون الأسلحة، والأدوات الحادة وما شابهها من أدوات الإيذاء وكأننا في ساحة حرب، وبانتظار المعركة.
الإحباط والعنف
العنف الذي يملأ المشهد الإنساني من خارجة، يواكبه احتراق داخلي بسبب الضغوطات التي تعصف بالإنسان المعاصر. فماذا يفعل من أغلقت في وجهه كل السبل؟ وماذا يفعل أب يجد أن أطفاله في حاجة إلى دواء أو ملابس أو ترويح وهو لا يستطيع ذلك؟ وماذا تكون حال من يشعر بالظلم والإجحاف؟ كيف نتصور نفسيات وعقليات كثير من الناس وهم يقعون تحت ضغط الإحباط واليأس والحاجة، والمتطلبات المتسارعة للعيش وارتفاع الأسعار بشكل غير معقول.
الشباب هم أكثر الفئات تعرضا للإحباط وللضغوط، فهم في سن البناء والتطلع إلى حياة رغيدة تتحقق فيها الحاجات الأساسية من عمل ومنزل وتكوين أسرة. لماذا هذا الإحباط واليأس؟ قد تكون بسبب ضبابية المستقبل أمام الشباب، أو البطالة، أو عجز عن تحقيق الطموحات، وتعاظم المسؤوليات وتناقص الفرص وتنامي الفجوة بين الميسورين، وبين الفقراء والمحتاجين، فجوة تتزايد في عصر الخصخصة، وسيطرة رأس المال على العالم، فالذي يملك هو الذي يستطيع اقتناص الفرص السانحة، وزيادة مقدراته على حساب عامة الناس.
إن التفاوت الكبير في القدرات والحرمان الذي تعاني منه فئات كثيرة في المجتمع يمهد للتفكك الاجتماعي وللمشكلات الاجتماعية ومنها العنف. المأزق الحرج-الذي يقع فيه الإنسان، بين فكي كماشة الحاجات والضرورات (وربما الكماليات والرغبات المصطنعة)، وبين سبل الوصول إلى تحقيقها- قد يدفع الأفراد إلى الانحراف والإجرام والسلوكيات المخالفة للأعراف والقوانين والارتداد على الذات وتدميرها.
ومن خلال الاطلاع على الدراسات العلمية يتبين أن الشخص المحبط يميل إلى العدوانية أكثر من غير المحبط، ومن المتوقع أن ينزع الأفراد إلى التعبير عن إحباطهم بالعدوان والتخريب، والإيذاء الذاتي والخارجي. فإذا كان الإحباط واسع الانتشار، وهو مرتبط بالعدوان كما تبين لنا، فمن المتوقع أن يكون له دور في تفسير شيوع العنف الاجتماعي بصوره كافة.
تعليم (ليس للحياة)
يلاحظ تركيز النظام التعليمي على الجانب المعرفي (المعلوماتي) أكثر من تركيزه على الجوانب السلوكية والمهاراتية. فالطلبة يحملون أطنانا من الكتب ويقرؤون آلافاً من الصفحات في 12 سنة دراسية، تثقل كواهلهم وتغرق ذاكرتهم. بالمقابل فإنهم يتلقون القليل مما يمكن أن يكون له دور في حياتهم الاجتماعية والأسرية والعملية.
فينشأ فصام بين شخصيات الطلبة وواقعهم الذين يعيشونه، فلديهم القليل من استراتيجيات الحياة والكثير من المعلومات التي قد لا يجدون لها وصلا بحياتهم.
والمفارقة في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصال أن أدمغة الطلبة تملا بالمعلومات التي لا يحتاجونها، أو التي قد تتغير أو تفقد صلاحيتها حال تخرجهم أو قبله. من هنا يمكن أن يشعر الطلبة بعبء المدرسة وانه لا فائدة من كثير مما يدرسونه فيها. لقد سألت طالباً كان في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي (كما اذكر)، عن المواد المفيدة أو التي يراها ممتعة أو التي يحبها فقال: التربية المهنية والرياضة. وسألته عن باقي المواد فأشار إلى أنها مملة وغير مفيدة. واضح أن الطالب/الطفل قد ذكر المواد التي فيها شيء من النشاط والعملية، ويشير بهذا إلى العبء الثقيل الذي يتحمله الطلبة، والفصام بينهم وبين ما يتلقونه في سنين الدراسة.
ذكر لي زميل أن صديقا له قد هاجر إلى استراليا، وكان لديه عدد من الأطفال في سن المدرسة، وكما هي العادة هنا، فإن هذا الأب كان يشدد على أبنائه في الدراسة ويحثهم عليها، إلى درجة غير معهودة في تلك المجتمعات. ويبدو أن الأطفال اشتكوا للمدرسة من ضغوط والدهم وإلحاحه على الدراسة الزائدة في البيت. فكان أن جاء وفد من المدرسة إلى المنزل ليعطوا الوالد درسا في التربية، طالبين منه الكف عن الضغط على أبنائه، وإنهم في المدرسة يتعلمون ما يكفي. وقالوا له "هل سمعت أن طفلا مات بسبب عدم حفظه لجدول الضرب" أو.. .. ولكن " كم من الأطفال ماتوا بسبب أنهم لا يعرفون كيف يقطعون الطريق، أو لا يعرفون كيف يتعاملون مع الآلات أو مع مصادر الكهرباء.... أو لا يجيدون السباحة." هذه الأمور هي الأولى والأجدى ليتعلمها الأطفال في هذا السن...
والنظام التعليمي عموما يرسخ الفردية والتنافسية والشحناء، سواء في الامتحانات أو الواجبات، ولا يشجع عمل الفريق والنشاطات الجماعية والتي هي من معززات القدرات الفكرية والعلاقات الاجتماعية عند الطلبة. ينشأ من هذه الروح الفردية تنافس وربما تحاسد وتصارع على المنافع والامتيازات النادرة. إضافة إلى أن النظام التعليمي الحالي يفصل بين ما هو فكري وما هو يدوي. فالذين يعملون بأيديهم يلتحقون بالتعليم المهني، والذين يجيدون استخدام الذاكرة ينتظمون في التعليم الأكاديمي. فكل من الفئتين يتعطل قسم من قدراتها ومواهبها؟؟؟
وفي نهاية مرحلة التعليم العام يتم فرز جديد مدمر في تأثيراته حيث ينقسم الطلبة إلى فئتين هما فئة الناجحين وفئة الراسبين. وتصبح صفة "توجيهي راسب" ملازمة لمئات الآلاف من الشباب طوال حياتهم. وما أداراك ما هي الآثار النفسية والاجتماعية والسلوكية لهذا الفرز؟؟؟ ربما نمتاز نحن بهذه السمة (الوصمة) الاجتماعية التي يفرزها النظام التعليمي؟؟ هذه ليست دعوة لإلغاء امتحان التوجيهي ولكن دعوة لإعادة صياغة النظام التعليمي ليعمل على إعداد مواطنين صالحين فاعلين مبادرين لعمل الخير وصانعين للتقدم العلمي والاجتماعي لوطنهم.
مطلوب تعليم عام تفاعلي يهتم بالطالب كانسان يعيش في مجتمع له حقوق وعليه واجبات ويلزمه معارف ومهارات فنية واجتماعية تساعده في حياته. من الضروري ان يتعلم الطلبة وان ينشأوا على آداب الحياة الاجتماعية ومتطلباتها وادارتها علائقيا وماليا وانسانياً.
أما في الجامعات فتتلاقى التناقضات جميعها من ضغوطات حيوية جسدية واجتماعية واقتصادية تلقى بثقلها على الطلبة. الجامعة كما هي المدرسة (الى حد كبير) تركز على التلقين والتلقي والتعليم ذي الاتجاه الواحد، وبالتالي فإن شخصيات الطلبة تستمر مفتتة مشتتة لا رابط بينها، ويبقى قسم كبير منها معطل وغير فاعل. مما يجعله قوة كامنة لما ليس بخير. لم تفلح الجامعات في صياغة شخصيات الطلبة بمكونات وسمات العلم والخلق والمدنية والتحضر والأمانة العلمية والروح الوطنية. وفي غياب الشخصية والانتماء العلمي الفكري فإن النتيجة أن الانتماءات (غير الجامعية) تكون هي المرجعية التي توجه سلوك الطلبة خاصة في حال الخلاف والصراع، والمشاهد معروفة ومتجددة.
اختلال منظومة القيــم والاعراف والتفكك الاجتماعي
يبقى العامل الأهم في توجيه السلوك الإنساني وضبطه، تلكم هي القيم. القيم هي الموجهات والمبادئ الكبرى التي ترسم معادلة الفكر والسلوك الإنساني. فتبين ما هو حق وما هو باطل، ما هو مسموح وما هو ممنوع. وتبين للناس ما هي الأهداف التي تستحق السعي والجهد، وما تلك التي ينبغي العزوف عنها. القيم تمثل خلاصة العقائد والمبادئ الدينية والخبرة الإنسانية وتمثل البناء غير المنظور للتماسك الاجتماعي، والانضباط السلوكي للأفراد وللجماعات. والقيم هي القاسم المشترك بين أعضاء أي مجتمع إنساني، وفق منظومته المرجعية ورؤيته للكون والحياة وتمثل القيم القوة التي تمسك مكونات المجتمع الإنساني أن تتهاوى وتنهار، وتمثل التوازن بين تطلعات الأفراد ومتطلبات المجتمع.
إذا أصاب العطب منظومة القيم، واختلت الموازين، وفسدت النفوس، ونشأت قيم سلبية تمجد الفساد، وتعلي من شأن النوازع الشريرة عند الإنسان، وتؤيد ولو بطريق خفي السلوك المنحرف لتحقيق المآرب والتطلعات والمطامع، في ظل نزعة مادية تسيطر على المجتمع الإنساني. فالنتيجة أن يختل التماسك الاجتماعي، وتتنافر مكوناته، وربما يأكل بعضها بعضا بمقدار القوة والنفوذ والسيطرة. في مثل هذا السياق الاجتماعي تنشأ حالة من الاختلال والتفكك يكون العنف والجريمة والانحراف من مظاهرها البارزة. يمكن القول أن مجموعة كبيرة من القيم قد أصابها العطب، وغاب تاثيرها في السلوك الفردي والمجتمعي، وذلك مثل قيم الإتقان، والعدالة، والمثابرة والنزاهة والعفة، وبذل الجهد، والتسامح، والأخوة، والمحبة، والإيثار، والشعور بالمسؤولية والحياء. وبفقدان فاعلية هذه القيم وقوتها الأخلاقية تهيأت الفرصة للانحراف والفساد.
إن من ابرز مظاهر الخلل في منظومة القيم، هو افتقاد القيم الكبرى للاحترام والقدسية والحرمة. من المعروف أن الدين يجعل للحياة الإنسانية وللنفس الإنسانية قدسية عظيمة، مهما كانت هذه النفس، بعض النظر عن أي تقسيم، ولقد جاء في القرآن الكريم "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا... ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا..” أين ذهبت هذا القداسة التي تعطي للنفس الإنسانية كرامتها وحمايتها وأمنها. ولكن هل لامست هذه القدسية القلوب والعقول؟ كيف ونحن نشاهد النفوس البريئة تتعرض للقتل والتدمير يوميا وفي أكثر من مكان حولنا! أين نحن من توجيهات الرسول (صلى الله عليه وسلم)، التي تمنع أن يشار بأي نوع من السلاح على الناس، حتى من قبيل الدعابة والمزاح. فكيف يكون إشهار السلاح بكافة أنواعه سلوكا عاديا عند عدد من الناس.
يواكب اختلال القيم وانتشار العادات السئية، تفكك عرى الروابط الاجتماعية وخفوت تاثيرها. فالانسان كائن اجتماعي مدني بالطبع كما يقال عند الاجتماعيين والفلاسفة، وبالتالي فهو يسمع ويطيع للمجتمع في غالب الامر ويتاثر به. وفي حال استقرار المجتمع وتماسكه وتجانسه او توحده من حيث الاتجاه والهوية -فإن الروابط الاجتماعية تكون ذات تاثير اكبر على الافراد والجماعات. ولكن يمكن القول ان التحولات القيمية والاختلال الحاصل فيها قد اثر على إرتباط الافراد بمجتمعهم، مما ادى الى ضعف الالتزام بالاعراف والمعايير الاجتماعية الايجابية، وهذا مؤشر على ضعف قوى الضبط الاجتماعي التقليدية مثل الاسر والجماعات القرابية والاولية والعشائرية. خاصة مع تشرذم وتفتت البنى الاجتماعية التقليدية من عشائر وجماعات قرابية بفعل قسمتها (الضيزى) الى جماعات اصغر ذات قيادات مصطنعة.
العشائرية والانتماء العشائري
ينسب العنف احيانا الى الانتماء العشائري.والسبب في ذلك انه في نهاية المشاجرات يحصل استقطاب ينتهي عشائريا، فتبدو الصورة وكان المحرك للمشاجرات هو الانتماء العشائري. ولكن حقيقة الامر هي غير ذلك. إنه وفي غياب الانتماءات الكبرى والعظمي – الوطنية- السياسية – الفكرية – العقائدية.... وحتى العلمية. في غياب الانتماءات السامية وفي غياب سلطة القانون وفي غياب العدالة فإن الملاذ الوحيد امام الشباب هو الانتماء العشائري. فالعشائرية التي تتهم أنها وراء سلوكيات العنف والمشاجرات في الجامعات، وما هي بذلك، ولكنها تمثل المرجعية التي يلوذ بها الطلبة، حيث لم تتشكل لديهم لا شخصية جامعية علمية ولا شخصية فكريه أو سياسية يؤولون إليها في ظل الضغوط والتناقضات التي يعيشونها، والتي تمثل سياقات مناسبة لسلوك العنف.
إن ما ينبغي التذكير به هنا، وفي الظروف العصيبة التي تمر بها المجتمعات. فإن العشائر وشيوخها ووجهائها الكرام هم من يرجع اليهم في حل كبرى المشكلات والآزمات، في حين تتوارى او تعجز قوى ومؤسسات الضبط الرسمي عن ذلك. فالعشائرية الفاضلة والكريمة والمسؤولة هي من اهم مكونات واسس الترابط الاجتماعي والوطني. ولقد رأينا في العراق عندما انهارت الدولة بفعل الاحتلال الامريكي وتفككت مؤسسات الدولة، لم يبق للحفاظ على المجتمع العراقي الا المساجد والعشائر.
اسس القبول في الجامعات
كما وان النظر السطحي لاسباب العنف يشير الى ان كثيرا من الطلبة المتورطين في المشاجرات هم ممن حصلوا على القبول من خلال الاستثناءات المختلفة. قد يبدو هذا الامر صحيحا من الوهلة الاولى. لكن التدقيق في الامر يشير الى غير ذلك. فالاستثناءات هي اجراء ترقيعي لاختلال في موازين العدالة والمساواة في الدولة. تأتي الاستثناءات لتجبر بعض عيوب النظام الاجتماعي الاقتصادي السائد. كيف يمكن لابناء القرى والارياف ان يتنافسوا مع المنعمين المرغدين في عمان وغيرها من المدن، خاصة طلبة المدارس الخاصة. كيف لابناء الحراثين والجند وحراس الاوطان ان ينافسوا اولئك الذين ينعمون بالاستقرار والآمان الذي يدفع ثمنه عامة الشعب وخاصة من يسهرون على راحة اولئك.... نسمع انه ولعدة اشهر من بداية العام الدراسي فإن مدارس كثيرة في كثير من القرى والارياف لا يوجد فيها معلمون لمواد هامة مثل الرياضيات واللغة الانجليزية وغيرها. رغم ان وزارة التربية والتعليم تدعي غير ذلك وهي تتغنى منذ اكثر من عقد من الزمن بمشاريع الاقتصاد المعرفي وتطوير التعليم؟؟؟؟ والذي لم نر له اية نتيجة الا ربما تسويق اجهزة الحاسوب والمكاسب الكبيرة التي استفاد منها اشخاص بعينهم..
لو سلمنا جدلا ان اسس القبول هي من اهم اسباب العنف الجامعي. وتم اتخاذ قرار بوقف كل هذ ه الاستثناءات. ماذا يمكن ان يحصل؟ لن يدخل الجامعات الآف الشباب، لانهم لا يستطيعون ايضا دخول الجامعات الخاصة-الغول التعليمي المكلف؟ اين سيذهبون؟ الى المصانع والشركات التي تنتظرهم ام الى مصالحهم الخاصة؟ لا مانع من اصلاح اسس القبول ولكن ان يسبق ذلك توفير مستوى عادل من التعليم لجميع الاردنيين. أما سياسات تعليمية وممارسات تصنع تفاوتا ولا مساواة اجتماعية فإن المشكلات سوف تزداد وسوف تزداد خطورة، إن لم تعي الدولة دورها الاجتماعي والسيادي الرشيد.
ضعف منظومة الضبط القانوني: (فقدان القوة الاخلاقية والتنفيذية للقانون)
إن النظم أو القوانين أو التعليمات، ما هي إلا قواعد سلوكية تنظم جوانب معينة من سلوك الناس، وفق منظومتهم العقائدية والأخلاقية. ويفترض أن هذه المعايير السلوكية منبثقة من القيم العليا الحاكمة في المجتمع وبالتالي فينبغي لها أن تحظى بالاحترام والانضباط الذاتي. على هذا ينبغي أن توجد جدية في صياغة وإصدار النظم والقوانين وأن تمر بمراحل دستورية، ومشاركة شعبية، تجعل من هذا النظام انبثاقا طبيعيا عن إرادة الناس، ورغبتهم في تنظيم حياتهم بصورة مثلى تسهم في ترقية مستوى معيشتهم وتكيفهم مع مستجدات الحياة ومتغيراتها.
إذا فقد الإنسان الضوابط الداخلية للسلوك وضعفت القوة الأخلاقية للقيم والأعراف الاجتماعية، يبقى خط الدفاع الأخير - إلا وهو القانون. وهذا موضوع أساسي وجوهري في الانضباط الإنساني، وفي العدالة. ولكن يمكن القول انه إذا ارتكب شخص جريمة ما وتم الحكم عليه، بناء على النصوص المجرمة، فيجب أن تكون العقوبة رادعه له ولأمثاله. والعقوبة الفعالة في ابسط صفاتها يجب أن تكون مؤكدة وفورية.
العقوبة الفعالة (الرادعة)= مؤكدة + فورية
فإذا عرف الإنسان انه لن يفلت من العقوبة (التأكيد)، وأنها فورية (الارتباط الزمني بالجرم-الحدث)، فإن الردع ممكن للشخص وللنفوس المريضة جمعاء. أما إذا كانت العقوبة غير فعالة، بل يستمرئها الذين تعودوا عليها، أو الذين يمكن أن يجدوا منافذ تنقذهم منها، عندها تكون العقوبة غير رادعة بل غير ذات جدوى. لا بد من الردع في ظل العدالة، وحتى يكون للعقوبة دورها في الإصلاح والحد من الفساد. أما إذا كانت العقوبة أدنى من المكاسب الجرمية، فأصحاب النفوس الضعيفة والفاسدة، سوف يجدون في ارتكاب الجريمة اخف الضررين، مقارنة بالمكاسب التي سوف يجنونها من وراء انحرافهم وإجرامهم وفسادهم. لا بد من إعادة النظر في كثير من العقوبات خاصة المتعلقة بالجرائم الواقعة على الأشخاص أو الممتلكات أو النظام الاجتماعي العام. لا يوجد ما يبرر لأي كان التنازل والتساهل في الأمن الاجتماعي العام مقابل التيسير على المعتدين والمجرمين وتسهيل الأمر لهم، أو التهاون معهم. عندها تكون قوى الضبط الاجتماعي كلها قد أصابها التلف والعطب وبالتالي يصعب الإصلاح، و"يتسع الخرق على الواقع".
العوامل الآنية (عنف اللحظة وعنف المكان)
السلوك الانساني مهما كانت طبيعته وشكله فإنه يحصل في سياق من (الزمان والمكان والإنسان). إن عوامل ودوافع العنف على المستويات كافة الكبرى والوسيطة والصغرى، في النهاية تتفاعل في سياق محدد. هذا السياق يشبه الظروف البيئية والشخصية التي تتيح المجال لعوامل وراثية مرضية ان تعمل عملها وتظهر للوجود. أي ان السياقات المكانية والزمانية والظرفية هي في المحصلة البيئة المناسبة التي تيسر أو تعسر ظهور العنف.
في المجتمعات والتجمعات والجامعات تتفاعل عوامل عديدة في تحفيز العنف، وليس بالضرورة أن تكون التصرفات من قبيل النوايا السيئة ولكن يمكن القول أيضا أن طبيعة التفاعلات الاجتماعية (مثلا) في المجتمع الجامعي وما يحيط بها أو يؤثر فيها من مكان وزمان، وأشخاص، وأعداد يساهم في اصطناع العنف. فمن العوامل الميسرة للعنف: العنف المعماري، عنف الضيق، عنف الفوضى، الأماكن غير المضاءة والموحشة، البعيدة، الخلوات،....عنف الجسد والحاجات والرغبات.
المكان هو الإطار الذي يتم فيه السلوك الإنساني، فإذا كان المكان، ضيقا أو خاليا، أو بعيدا عن الأنظار، أو غير مضاء أو فيه فرص للاختلاء والتواري عن الأنظار، مثل هذه الظروف المكانية يمكن أن تؤدي إلى الانحراف أو العنف. وضغط المكان مع كثرة العدد والازدحام وإذا ما تزامن ذلك مع حرارة الصيف، (أو برد الشتاء..) وربما مع نقص مواد غذائية عند البعض والزخم الغرائزي مع المغريات الموجودة. إن احتمالات تشكل العلاقات الإنسانية عندما يزيد العدد، تتزايد ايجابيا وسلبيا (تزايدا هندسياً). ولك ان تحسب (تباديل وتوافيق) الاحتمالات لأعداد بالعشرات أو المئات. فما ذا تكون الاحتمالات؟ إن العدد (الكثرة) بحد ذاته كما ذكرنا هو محرك وبيئة خصبة للعنف، فكيف إذا ترافق العدد الكبير من الأشخاص مع الظروف الشخصية والنفسية والمكانية المفضية للعنف، وما أكثرها في الجامعات والتجمعات. هنا تتعاظم عوامل الانحراف، ويكون اقتراف الخطأ ميسرا. إن التجمعات الكبيرة من البشر في أماكن ضيقة وفي نشاطات كثيفة (مثل الحفلات والمناسبات واللقاءات...) مثل هذه السياقات تزيد من معدل التفاعلات الاجتماعية وربما الاختلافات ويمكن أن تولد النزاع والعنف-حتى وان كان الحضور إخوة أو أقارب. والدراسات العلمية تشير إلى أن كثيرا من جرائم القتل والعنف تتم في مثل هذه الأجواء والمناسبات خاصة تلك التي تشوبها تعاطي المسكرات والمفترات.
في نهاية المطاف فإن كافة العوامل والضغوط تنصب على الفرد في موقف أو مواقف وأحداث مرتبطة بظروف معينه. هنا تتفاعل العوامل الذاتية مع العوامل المجتمعية والظرفية. وهنا تكون المقاومة الذاتية للانحراف والخطأ. يمكن لأولئك الذين لديهم انضباط ذاتي فاعل وتدين قوي وارتباط بمثل وقيم عليا، مستكنة في أعماق الوجدان. ممكن لهذه النوعية من الناس أن تقاوم الضغوط والظروف كافة، مستعينة بمخزونها الوجداني، وبمهارات التحمل وبقوى الضبط الذاتي أن تستعصي على الانحراف، والخطأ. ولكن إذا كانت الظروف والعوامل الاجتماعية من القوة بمكان أن تتهاوى معها وسائل وقوى الضبط الذاتي، فإن المقاومة تضعف ويكون الانحراف والخطأ سهل الارتكاب، بتوفر عوامله ودواعيه. فلا استغراب أن نسمع عن انحرافات وجرائم، مستهجنة، وغريبة، إذا أدركنا حجم الضغوط التي يمكن أن يعاني منها عدد من الناس خاصة الشباب منهم.
عنف اللحظة يحصل حال وجود مثيرات وضواغط ومحفزات على الانحراف. حين لا يكون للفرد قوة مقاومة كامنة، وحين تكون العوامل الخارجية هي مصدر التوجيه والتأثير، عندها يكون العنف سهل المنال، فهو الحل الأقرب للنزاعات حال فقر الضوابط ومهارات التعامل مع النزاعات والخلافات الفردية والجماعية.
ثانيا: مقترحات لبيئة جامعية فاعلة وآمنة ومحصنة ضد العنف
إصلاح إجتماعي وانضباط
إن ما يحصل في الجامعات وكما هو معلوم بالضرورة ليس بمعزل عما يجري في المجتمع. وبالتالي لا بد من ان يصار الى اجراء اصلاحات اجتماعية مجتمعية هامة ومفصلية اذا اردنا اصلاح اي مكون اجتماعي. ولا بد من القول ان الاصلاح الاجتماعي المنشود ليس سهلا ويحتاج الى وقت وجهد وتوافق وعمل عظيم مستدام ومستمر. وان الاصلاح السياسي المطلوب هو جزء من الاصلاح العام المطلوب ولكنه رغم ضرورته لكنه غير كاف لاصلاح المجتمع. ونحن نرى المجتمعات التي اصلحت او غيرت في تركيبة نظمها السياسية لا تزال تعاني من مشكلات اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية عظمى. لذلك فإن الاصلاح المجتمع الشامل مطلب هام وجوهري في اي اصلاح قطاعي. وفي مقالنا هذا نركز القول على قطاع التعليم وعلاقته بالعنف في الجامعات. ويمكن القول وبعجالة فإنه على المستوى المجتمعي لا بد من العمل على وضع السياسات والبرامج التي تعزز من تماسك المجتمع وترابطه وتعمل على ترميم منظومة القيم والسلوكيات والأعراف والعادات الحميدة. مطلوب إصلاح اجتماعي وتحقيق الانضباط العام في كافة المؤسسات والدوائر والهيئات وان تعاد وتصان هيبتها ووقارها وجديتها. وينبغي العمل لإعادة الثقة بين المواطنين والمسئولين والمؤسسات عامة أو خاصة. وكما ينبغي توجيه الوسائل الإعلامية لتعمل باتساق مع باقي أجهزة التثقيف والتربية لتساهم في تشكيل وإعداد الإنسان الصالح المنتمي المنتج في ظل المرجعية القيمة المعيارية العليا لمجتمعنا.
رغم أن العنف المجتمعي واسع النطاق ويتطلب حلولا واستجابات فاعلة، ومن مختلف شرائح المجتمع ومؤسساته، سوف نركز في هذا المقال على قطاع التعليم الجامعي والشباب بشكل خاص.
مقترحات تتعلق بالتعليم الجامعي:
اصلاح شامل للتعليم الجامعي
ما احلى الاهداف التي يسعى التعليم العالي لتحقيقها والتي عادة ما تصاغ في مقدمة قوانين التعاليم العالي وقوانين الجامعات. ومن المفترض والبدهي ان على المؤسسات المعنية بالتعليم العالي من وزارة ومجالس كثيرة وجامعات ان تعمل فعليا على تحقيق الاهداف والرؤى التي يحققها القانون. بل ان التوجه في الاردن لانشاء الجامعات في المناطق المختلفة جاء لاهداف عظيمة ولخدمة المجتمع وتنميته. ولكن ماذا فعلت بعض الجامعات لمجتمعاتها المحلية؟ هل طورتها؟ هل عملت على تنيتمعا؟ أما انها فيها من حيث المكان لكنها خارجها من اي شيء آخر. هناك جامعات يمكن القول ان الاسهام الاكبر لها في منطقتها هو في ازمة النقل التي تسببها؟؟ إن اي جامعة لا يحس بوجودها واهميتها كل المواطنين هي جامعة خارج التاريخ وخارج الاعتبار وبالتاكيد فيها خلل كبير.
التعليم في الأردن بشكل عام هو مورد وطني هام قد تحققت فيه انجازات كبيرة على جميع المستويات. ولقد جرت وتجري محاولات كثيرة وجهود طيبة للإصلاح. ويمكن القول ان كثيرا من جهود الإصلاح والتطوير تركزت على القضايا الكبرى في التعليم مثل سياسات القبول وتمويل التعليم والقوانين والتشريعات ومعايير الاعتماد بشكل كبير. ولكن يمكن القول ان عملية الإصلاح الكبيرة وقفت على مداخل الغرف الصفية والعلاقات الإنسانية في الجامعات. فلم يدخل التطوير بشكل واضح ومؤثر في الغرف الصفية والخطط الدراسية ومضامين المواد، وأساليب تدريسها وتعلمها.
يمكن القول انه حصلت محاولات كثيرة لاصلاح التعليم العالي وكتبت خطط كثيرة واستراتيجيات ومؤتمرات وانشئت مؤسسات مثل هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي، وصيغت قوانين بوتيرة تغيير كبيرة، ولكن كل هذه المحاولات لم تصل الى نتيجة مقنعة او فاعلة في الاصلاح المطلوب. ان الاصلاح ممكن وبالموارد الموجودة ولكن ربما تكون الرؤى والممارسات وطبيعة القيادات الجامعية والتدخلات الحكومية ممن لهم علاقة وممن ليس لهم علاقة كل ذلك ساهم في تأخير الاصلاح المنشود. وفي هذا المقال نركز على موضوع العنف الجامعي والامور ذات العلاقة، والحلول الممكنة والتي هي في متناول الايدي والامكانيات المتاحة.
من الضروري إجراء إصلاح جوهري في النظام التعليمي، بحيث يجري الاهتمام بالطالب كانسان لديه احتياجات متعددة ولديه إمكانيات وقدرات متنوعة، وانه عنصر فاعل في العملية التعليمية التعلمية، وليس مجرد وعاء يملأ بالمعلومات المتغيرة. مطلوب نظام تعليمي تعلمي تفاعلي، يعمل على توظيف وتفعيل كامل القدرات والمواهب الإنسانية عند الطلبة، ومدرسيهم، ويعمل على ربط المدارس والجامعات وطلبتها وأساتذتها بمجتمعهم المحلي ووطنهم الكبير. فلا تكون هذه المرافق التعليمة جزراً معزولة عن محيطها الاجتماعي والمكاني.
إصلاح ضبابية التخصصات وتحقيق تمايزها
إن التخصص والمهنة والعمل من أهم مقومات شخصية الإنسان. فالسؤال عن العمل والمهنة يواكب السؤال عن الصحة والأسرة. ولهذا وجب الاهتمام بالمهن والتخصصات، وان يكون الإنسان صاحب مهنة أو تخصص محدد. يمكن القول أن التعليم الجامعي فيه عدد من التخصصات المهنية الواضحة التي تعطي لصاحبها الشخصية المهنية، مثل الطب والهندسة والتمريض والعمل الاجتماعي. وهناك تخصصات أخري لا يزال البعد التخصصي والمهني فيها ضعيفا. بل أنها تعاني من تشتت الأفكار وتداخل المواد، والتشابك بينها، إلى درجة تجعل دارسيها يصابون بشواش العقول واضطرابها.
هذا الشواش والفوضى العقلية التي تتسم بها بعض التخصصات خاصة الإنسانية والاجتماعية، تنعكس على شخصيات الدارسين، فلا يشعرون بذوق التخصص ولا يشعرون بأهميته ولا ما يمكن أن يعملوا به. وذلك رغم أن التخصصات تلك هي من أنبل التخصصات العلمية والتي فيها نتاج هائل من التجربة الإنسانية العلمية. ولكن نتيجة للقصور في بذل الجهد في تطويرها، واستسهال الأمور وعدم بذل الجهود اللازمة في ترقيتها مما يجعلها تبدو مضطربة ومشوشة في ذاتها وفي دارسيها. ذلك الاضطراب والشواش انعكس على سلوك أولئك الدارسين، وربما المدرسين الذين لم يذوقوا حلاوة العلم ولم يهبوا له من أنفسهم ما يستحق من جهد وعمل. فتسأل طالبا عما استفادة من دراسة الماجستير في نفس التخصص، فيقول لقد أخذنا هذه المواد في مرحلة البكالوريوس فهم يعيدون المواد نفسها، ربما بمسميات مختلفة، أو ربما نفسها. وأحيانا يتم تدريس نفس الكتاب في جميع المراحل الدراسية من البكالوريوس مرورا بالماجستير وانتهاء بالدكتوراه.
ونشير هنا الى ان الاصلاح الجوهري للتعليم يقتضي الدخول في صلب مضامين التخصصات الدراسية والمواد التي يدرسها الطلبة. إصلاح جوهري لم تتطرق له عمليات الإصلاح الهيكلي للتعليم العالي.
اعتماد مقررات دراسية ومصادر تعلم إضافية
المواد الدراسية هي عنصر هام في التعليم الجامعي. فلا دراسة دون كتب ومصادر ومراجع متخصصة. بعض الجامعات تطلب عدم تحديد كتاب مقرر لطلبة البكالوريوس وذلك بقناعة أن الطلبة يجب أن يرجعوا إلى المكتبة ويستزيدوا من المراجع والمصادر الحديثة. لكن الواقع انه يصار إلى الاعتماد على دوسيهات أو كتابة ملاحظات وجيزة مما يلقيه المدرس في المحاضرات. والنتيجة أن يتجمع للطلبة زاد قليل من العلم وصفحات قليلة من الملاحظات، والتي ربما تتكرر نفسها لسنوات أو لعقود كثيرة عند عدد من المدرسين. وقد لاحظ احد الزائرين القادمين من الغرب أن الطلبة لدينا لا يحملون الكتب؟؟؟ (والآن هم يحملون جهاز الخلوي وعلبة السجائر)؟؟؟ هذا الخواء المعرفي يسهم في زيادة أوقات الفراغ لدى الطلبة، فليس لديهم مادة للقراءة، وليس لديهم واجبات عملية تشغلهم. النتيجة هي كما نرى خاصة في الكليات الإنسانية تجمعات كبيرة للطلبة، دون وجود عمل نافع يقومون به، مما يصنع الظروف الموضوعية والذاتية للصراعات ومن ثم العنف.
قد يكون الحال أفضل في الكليات العلمية والطبية أو التي تدرس مقررات دراسية أجنبية. حيث أن المراجع الدراسية الأجنبية هي ذات مستوى عال من حيث الشكل والمضمون والأساليب. وذلك لأنه يتم إعدادها من قبل خيرة العلماء وبدعم فني وإداري هائل من الزملاء ودور النشر. حبذا لو خصصت الجامعات شيئا من اهتمامها للمقررات الدراسية، وعملت على دعم تأليف وترجمة كتب تعليمية ذات جودة عالية. كتب تسهم في تقديم التخصصات الجامعية بصورة حقيقية بعديدة عن التسطيح والمتاجرة.
من الضروري أن يتم وعلى النطاق الوطني استحداث مشروع لتأليف كتب تعليمية لكافة التخصصات وفق المنهجية العلمية ومعايير الاعتماد والجودة النافذة. ولا يترك الطلبة ضحية الضحالة المعرفية للكتب أو الدوسيهات التي تؤلف على غير أسس من علم أو معرفة أو منهجية!!! وحاليا لا توجد حوافز لا علمية ولا مادية تشجع الأساتذة على تأليف الكتب التعليمية. فالكتاب مهما كان الجهد المبذول فيه فإنه لا يساوي في النقاط مقالا علميا من عدة صفحات.
إعادة النظر في اليوم الدراسي وتوقيت المحاضرات وعدد الساعات المعتمدة
يبدو أن طبيعة نظام الساعات المعتمدة وتوزيع المحاضرات والأوقات الطويلة بين المحاضرات واضطرار الطلبة للبقاء ساعات بينها. كل هذه الأمور تسهم في تهيئة السياق المناسب للعنف كما ذكرنا مسبقاَ. يمكن القول إن الأوقات المخصصة للمحاضرات خاصة الموزعة على ثلاثة أيام، هي غير كافية لان يجري فيها حوار بين الأستاذ والطلبة أو أن يشارك فيها الطلبة وفق فنيات التفكير الناقد الذي يتطلب طرح أسئلة والإجابة عنها. إن وقت المحاضرة هو 50 دقيقة، يضيع جزء كبير منه في تفقد الحضور والغياب، وغيرها من الإجراءات، والوقت المخصص حقا لموضوع المحاضرة قليل. لهذا تبدو الدراسة بهذه الطريقة وكأنها سلق وسباق مع الزمن، خاصة مع غياب وسائل التعليم والتعلم الحديثة عن اغلب الغرف الصفية، وبقاء مشاريع تطوير التعليم العالي خارج الغرف الصفية والمواد الدراسية ولم تدخل بعد جوهر العملية التعليمية.
من اللازم مراجعة نظام الساعات المعتمدة وأيام الدراسة. ربما يكون من المناسب تقسيم الأيام إلى يومين-يومين (احد ثلاثاء)، (اثنين، أربعاء)، وربما ترك الخميس ليكون يوما للعمل الميداني والإداري والتطوعي. بهذا يمكن تمديد وقت المحاضرات، واختصار وقت انتظار الطلبة وتجمهرهم، إن أحسن طرح المواد وإحكام الخطط الدراسية، وتهيئة الغرف الصفية لتكون مساندة للتعلم الاليكتروني وأساليب التعليم الحديثة، مما يجعل المحاضرة ممتعة وجاذبة. كما يمكن اختصار المواد الدراسية (132) ساعة معتمدة لدرجة البكالوريوس. بالإمكان دمج الكثير من المواد وتركيزها في عدد اقل، يساهم في تقليل الكلفة ويساهم في إعطاء وقت كاف للتطبيق الميداني وللأنشطة الإضافية والاجتماعية ويخفف من العبء والإنهاك الذي يعاني منه الطلبة لدراسة هذا الحمل الثقيل من المواد والتي فيها قدر كبير من التكرار والتداخل.
إضافة إلى ما سبق يلزم تعديل في تعليمات التدريس وخاصة الانسحاب من المواد والغياب. الآن يمكن للطلبة أن ينسحبوا من المواد قبيل الامتحان النهائي بوقت وجيز ويمكن لهم أن يتغيبوا عن المحاضرات بما نسبته 15% من الوقت. هذا يعنى أن الطلبة لديهم وقت كثير للتغيب عن المادة والانسحاب في نهاية المطاف، ما يسمح لغير الجادين بالبقاء سنين طويلة دون أن يتخرجوا ويعطيهم فرصة المشاركة في السلوكيات السلبية.
استجابة لطموحات الشباب وقدراتهم: استحداث التخصصات المزدوجة والفرعية
في كثير من الجامعات العالمية المرموقة يسمح للطلبة بدراسة تخصصين (إثنين) في نفس الوقت. فالطالب بعد استكمال متطلبات الجامعة الإجبارية والاختيارية يمكن له أن يختار تخصصا رئيسياَ آخر إضافة إلى تخصصه الأصلي. مثلا يمكن أن يدرس الطالب بكالوريوس في اللغة العربية وبكالوريوس آخر في التربية أو أي تخصص آخر وفق معايير محددة. كما انه يمكن للطلبة في كثير من الجامعات اختيار تخصص فرعي إضافي. وإتاحة الفرصة للخريجين من حملة البكالوريوس العودة إلى الجامعة ودراسة تخصص آخر، بزمن قصير حوالي سنتين، وذلك بإعفائهم من متطلبات الجامعة والمتطلبات التي درسوها سابقاَ. هذا يسهم في الاستجابة لمتطلبات سوق العمل المتجددة ويسهم في توسيع خيارات الشباب وفتح آفاق جديدة أمامهم.
إن إعطاء الطلبة هذه الخيارات تفتح أمامهم آفاقا واسعا للترقية الذاتية والمهنية، والجمع بين أصناف مختلفة من التخصصات. وربما يساهم هذا في تعزيز مهارات الطلبة وإصلاح ما أفسده سوء الاختيار أو الاختيارات المفروضة عليهم. كما أن الجمع بين أكثر من تخصص يساهم في توسيع آفاق الطلبة وفي زيادة فرص توظيفهم والاهم في زيادة احتمالية الإبداع والابتكار لديهم. حيث يتبين من مراجعة الأبحاث العلمية وسير المبدعين، أنهم يجمعون بين أكثر من تخصص معرفي، وقد تحرروا من اسر التخصصات الضيقة.
لماذا تغلق جامعاتنا هذه الفرص أمام الطلبة وغيرهم من المواطنين والمهتمين؟؟ ما الذي ستخسره الجامعات بفتح هذه المنافذ المعرفة لمساعدة الشباب والناس عموما على الاستزادة من المعرفة وتوسيع آفاقهم المعرفية والمهنية، في عالم نقول أن التعلم فيه حق للجميع وفي جميع مراحل الحياة. لاذا لا تفتح أبواب المؤسسات التعليمية على أوسع نطاق لاستيعاب قدرات الشباب والناس عموما ولتسهم في تنمية الموارد البشرية والتي هي دعامة الاقتصاد الوطني والاستقرار الاجتماعي؟؟ سيكون الرد أن الأنظمة والتعليمات لا تسمح بذلك؟؟ ولماذا تبقى الجامعات والهيئات التي تحكمها أسيرة لأنظمة وتعليمات وضعت لأوقات وظروف عفى عليها الزمن وفي ظل فلسفة إدارية تقوم على التضييق وسوء الظن وسد الذرائع والتحوط آخذة في الاعتبار أن الناس يسعون للخطأ والانحراف واستغلال النظام؟؟ هذه الفلسفة والممارسة الإدارية في مختلف مؤسساتنا ومن بينها الجامعات تؤدي في النهاية إلى التعقيد والتحجر ومقاومة التغيير والإبداع والابتكار والتي هي من أهم ما يميز الجامعات كمحركات للتغيير والتطوير والارتقاء وقيادة المجتمع. لماذا نبقى أسرى لتلك الفلسفة الإدارية التي تقوم على سوء الظن ومخالفة الأصل الشرعي والمنطقي في أن الأصل البراءة الأصلية للذمم وان الأصل في الأشياء الإباحة.
الامن الجامعي ومنظمومة التعامل مع الطلبة
هناك ممن يلقي باللائمة على الامن الجامعي وتحيمله مسؤولية الاختلال الامني في الجامعات. والامر ليس كذلك، فالامن الجامعي مطلوب منه المحافظة على النظام والتعليمات وفق التعليمات والسلطات الممنوحة له. ويمكن القول ان الامن الجامعي قد يكون له دور محدود في الخلل الامني لكن وكما ذكرنا فإن اسباب العنف والعوامل المضية اليه موجودة خارج الجامعات وفي داخلها. لكن من الضروري تدريب الامن الجامعي والطواقم المتعاملة مع الطلبة على مهارات التواصل والحوار والتفاوض وكذلك في كسب ثقة الطلبة ومحبتهم.
مقترحات تتعلق بالطلبة:
ربط الطلبة والشباب بالمجتمع وجعل العمل التطوعي قسما هاما من التعليم الجامعي
دأبنا سماع أن الشباب هم عدة المستقبل وأمل المجتمعات. كما تعودنا سماع ارتباط كلمة شباب بالمشكلات. فغالبا ما نسمع أو نقرا مشكلات الشباب. وقليلا ما نسمع وعود الشباب او إسهاماتهم او قدراتهم. وكأننا بهذه التصورات قد جعلنا من الشباب فئة افتراضية إشكالية بعيدة عن الواقع او أنها من مشكلات المجتمع. وإذا ما أخذنا في الاعتبار الارتفاع الكبير في نسب البطالة لدى الشباب وخاصة المتعلمين منهم. وآخذين في الاعتبار حجم الالتزامات والضغوط التي تقع على الشباب او هي في انتظارهم. لأدركنا الخسارة الفادحة التي تتكبدها المجتمعات جراء إعطاء الشباب قيمة هامشية في المجتمعات. وما يعنيه ذلك من انصراف الشباب إلى إضاعة الوقت والجهد والصحة في سلوكيات قتل الوقت المفروضة عليهم.
لا بد أولا من تغيير النظرة إلى الشباب والانتهاء من إحالتهم إلى مستقبل بعيد وغامض. لابد من الاعتراف الحقيقي بقدرات الشباب وإمكانياتهم في خدمة أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم. على المجتمعات أن تفسح للشباب فيها مكانهم الخاص وتتيح حقا لهم فرص العمل والمشاركة بكافة مظاهرها. وان تزيل العوائق الحقيقية والمصطنعة أمامهم. وأن تحقق المؤسسات المعنية بالشباب وعودها وتنفذ خططها الموجهة لخدمة الشباب واستثمار قدراتهم وإمكانياتهم وإدماجهم في المجتمع.
تبين من الخبرة الإنسانية والبحث العلمي أن انغماس الناس في مجتمعاتهم وخدمتهم لها، ومشاركتهم في نشاطاتها، يجعلهم أكثر ارتباطا وإخلاصا وانتماء لها. إن الانفصال عن الحياة العامة وتشرذم الشخصية وطبيعة التعليم "التلقيني"- تضع حاجزا بين الشباب ومجتمعهم المحلي والعام. فتضعف لديهم مشاعر الإحساس بالانتماء والمسئولية وروح المبادرة والنخوة وما شابهها من أخلاق المجتمع التي تشكل نوعا من الانضباط الذاتي والاجتماعي. حيث ينغرس في النفس عمق الانتماء والولاء والارتباط الذي يعطي للحياة الاجتماعية معناها ومغزاها، وحصانتها ضد الانحراف والخطأ.
الخدمة العسكرية
ومن أنسب الإجراءات الممكن إتباعها لإعادة صياغة الشباب وربطهم بوطنهم وبالحياة العملية وتقويم شخصياتهم وصقلها –ذلكم هو خدمة العلم الإلزامية. خدمة العلم هي أفضل وسيلة لصقل شخصيات الشباب وزرع الجدية والنظام والانتظام في حياتهم وبالتالي صياغة جيل جاد منتم فاعل. والشخصية المنظمة القادرة على التعامل مع صعاب الحياة ومتطلباتها هي اقدر على التفاعل الايجابي في المجتمع، وأكثر احتمالا للعمل في مختلف الظروف والأحوال. يمكن ان تعاد الخدمة الالزامية العسكرية بصورة مناسبة بحيث يقضيها الطلبة في السنة الدراسية الاولى. واقترح ان تكون السنة الجامعية الاولى هي لمتطلبات الجامعة وللخدمة الالزامية تحديدا. بحيث يدمج بين متطلبات الجامعة وبين الخدمة العسكرية. ويمكن ان يدرس الطلبة متطلبات الجامعة سواء في الجامعات او في كليات المجتمع والكليات العسكرية. بحث بعد ختام السنة الاولى يكون الطلبة جاهزون لدراسة التخصص الذي اختاروه.
متطلب خدمة المجتمع الالزامي
إضافة لخدمة العلم، فإن العمل التطوعي يمثل مدخلا آخر لربط الطلبة والشباب بمجتمعهم ووطنهم. ولقد أحسنت الجامعة الأردنية صنعاَ بإقرارها متطلب خدمة المجتمع لجميع طلبتها منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن. وفي الجامعة الهاشمية بوادر عمل طلاب خدمة للمجتمع وربما توجد بوادر العمل المجتمعي في جامعات أخرى. ولقد تبين من المتابعة والدراسة أن تأثير المشاركة في المتطلب وفي التطوع الإضافي يصنع شخصيات متميزة وأكثر فعالية ونشاطا وانضباطا ومبادرة. ينبغي أن يعمم المتطلب على جميع الجامعات وان تزداد ساعات المتطلب لتشمل المشاركة في العمل التطوعي كل فصل دراسي. ويا حبذا لو خصصت الجامعات أسبوعا كل فصل دراسي للعمل التطوعي وخدمة المجتمع. بهذا يمكن أن تتحقق نتائج هائلة ويمكن أن يستفيد المجتمع بشكل اكبر وأفضل. إن العمل التطوعي الهادف والمنضبط يعطي الشباب فرصا للتدريب على متطلبات الحياة وآليات التعامل مع الواقع الاجتماعي. وفيها ينضجون اجتماعيا ومهنياُ.
إكساب الخبرة
يمكن أيضا للمؤسسات العامة والخاصة ان تتيح للشباب فرص اكتساب الخبرة العملية المطلوبة للعمل. حيث يواجه الشباب حين البحث عن عمل معضلة الخبرة العملية التي تمثل عائقاَ مستعصياَ أمامهم. ومن أين يمكن الحصول على هذه الخبرة لمتخرج جديد أو لعاطل عن العمل؟ ومن ناحية أخرى إن معدلات البطالة مرتفعة لدى الشباب المتعلمين. وهذا يعني وجود وقت فراغ كبير لديهم ومن الأفضل استثمار هذه الطاقات فيما هو خير بدلا من أن تشغل بما هو شر. العمل التطوعي يمثل مخرجاَ من عقبة توفر الخبرة التي تواجه الشباب وبالتالي تزيد من فرص الحصول على العمل.
صياغة شخصيات الطلبة بتوظيف متطلبات الجامعة
لماذا لم تنجح الجامعات في صياغة شخصيات الطلبة، بحيث ان طالب الجامعة له شخصيته العلمية والسلوكية والاجتماعية المميزة؟ كنا نظر لطالب الجامعة على انه قادم من عالم آخر وكنا ونحن في مرحلة التعليم ما قبل الجامعة نغبط طلبة الجامعة على مكانتهم وحظهم السعيد الجامعة وحياتها. لماذا لم تنجح الجامعات فيما نجحت فيه القوات المسلحة والامن العام في صياغة منتسبيها وصبغهم بشخصيتها وثقافتها وسلوكها؟ لماذا وخلال فترة محدودة من الزمن يصحب المجند-الاغرار عسكريا وجنديا يفتخر بعسكريته ويلتزم باخلاقياتها وسلوكياتها وربما طوال عمره؟؟ لماذا لم تنجح الجامعات والطلبة يقضون فيها اربع (4) سنوات لمرحلة البكالوريوس، فترة زمنية طويلة يمكن فيها "نحت الجبال بيوتاً"؟؟
الاجابة تكمن في خلل في نظام التعليم والذي لا يأخذ في اعتباره هذه الوظيفة الكبيرة العظيمة. ويركز جهده وامكانياته على التعليم والتلقين وليس بناء الشخصيات العلمية والوطنية. الفرصة متاحة للجامعات لبناء شخصيات الطلبة من حيث مواد متطلبات الجامعة واي متطلبات اخرى اضافية فوق منهجية يمكن اضافتها.
في الخطط الدراسية لطلبة البكالوريوس يوجد عدد كبير من مواد متطلبات الجامعة الإجبارية والاختيارية والتي تغطي بمجموعها عاما دراسيا كاملا تقريبا. وهذا كم هائل من المواد الدراسية التي يدرسها جميع الطلبة. ومن المفترض أن هذه المواد هي جامع مشترك يهدف لبناء الشخصية الجامعية العلمية الوطنية. ولكن المواد تلك غير مترابطة ولا تمثل منظومة هادفة من الموضوعات. وبعضها ربما وضعت لمجرد مشاركة كليات أو أقسام معينة أو لإطالة عمر تخصصات في طريقها إلى الزوال او استجابة لمتطلبات آنية ضاغطة.
بعض هذه المواد من حيث المسمى مفيدة جدا ولكنها من حيث المحتوى والأداء ليست كذلك. فمثلا مواد مهارات الاتصال باللغة العربية ومهارات الاتصال باللغة الانجليزية، يمكن القول (وبأسى) أنها ليست مهارات ولا اتصال!!! بل هي إعادة إنتاج لمواد اللغة العربية والانجليزية بتعقيداتها المعروفة وبأسلوبها الذي لم يفلح في تقويم المهارات اللغوية عند الطلبة ولا تحسين قدراتهم الكتابية. مهارات الاتصال مواد مهمة جدا وهي الأساس في التفاعل والتواصل الإنساني الايجابي. وبدون مهارات التواصل يكون الإنسان متوحشا وفظا غليظ القلب. ومهارات الاتصال هي العنصر المفقود في كل حالات وحوادث العنف الأسري والمجتمعي والطلابي بل وعلى المستوى الإنساني العالمي.
ما يقال عن مهارات الاتصال مكن قوله عن مادة "التربية الوطنية". لقد كان استحداث مادة التربية الوطنية لتحقيق أهداف المواطنة الفاعلة والايجابية والصالحة. والنتيجة هي إعادة إنتاج مادة التاريخ- والبعض فقط غير عنوان الكتاب ليحمل مسمى التربية الوطنية، فلم تفلح المادة في تحقيق الغاية منها. التربية الوطنية أو تربية المواطنة الصالحة أمر في غاية الأهمية ولا بد من إعادة النظر في محتويات وطريقة تدريس المادة. والمواطنة الصالحة والفالحة هي الركيزة الأساسية التي تبنى عليها الأوطان وتتقدم.
وعموما إن متطلبات الجامعة هي مدخل فاعل جدا إن أحسن استخدامه في صياغة الشخصية الجامعية المنشودة. والشخصية التي نريدها، تتميز بعقل علمي، وروح المبادرة والانتماء الوطني الحي، والقدرة على التعامل والتعايش مع التنوع الإنساني الكبير في الأجناس والأعراق والديانات والأفكار، وقدرة على التكيف مع المتغيرات والتحلي بأنبل السجايا من الشهامة والكرم والحياء، والتفاني في خدمة المجتمع والآخرين. هذه الشخصية لا تصنعها مواد دراسية فقط، ولكن مواد دراسية، ومهارات، وعمل ميداني ومجتمعي مصاحب وقدوات حية من أساتذة ومسؤولين. ولقد سبق لنا تقديم مقترح لرئاسة الجامعة الأردنية الموقرة في العام الدراسي 1995-1996 لإعادة صياغة متطلبات الجامعة لتصيغ الشخصية الجامعية الوطنية العلمية المتحضرة. ويمكن لوزارة التعليم العالي ان تعيد النظر في هذه المواد لتوظيفها في صياغة الشخصية الجامعية الوطنية، وبنظر جديد يتحرر من اسر المقررات السابقة.
تعريف الطلبة بالحياة الجامعية واصدار مدونات السلوك بمشاركة الطلبة
الحياة الجامعية لها أعرافها وضوابطها وتعليماتها. والملاحظ أن الطلبة يأتون من محنة التوجيهي القاسية إلى الجامعة مباشرة، دون أن يتم إعدادهم للحياة الجامعية ومتطلباتها. فيبقى الطلبة ربما لسنوات وهم لا يعرفون معنى الحياة الجامعية ولا متطلباته ولا يعرفون واجباتهم ولا حقوقهم ولا حتى مرافق الجامعة. من اول يوم دراسي يفتخر بعض الاساتذة انهم قد اخذوا الحضور والغياب- دليلا على جديتهم واهتمامهم وانطلاقا من ثقافة سوء الظن بالآخرين وان الطلبة سوف يتفلتون ان لم تحكم حولهم الضوابط.
ينبغي وضع مدونات وأدلة للسلوك الجامعي وبمشاركة الطلبة الفاعلة – وليس أنظمة التأديب-، تبين للطلبة متطلبات التعليم الجامعي، وتعليماته والعلاقات الجامعية وأخلاقيات العلم والبحث العلمي، وأساليب حل الخلافات والصراعات، وكل ما يتعلق بالتعليم الجامعي من حقوق وواجبات على الجميع، وليس انتظار حتى يخطئ الطلبة فنبحث عن عقاب لهم. من الأولى والأجدى ان يتم تعليم الطلبة وتوجيههم نحو السلوك القويم والأخلاق الحميدة وليس نظم تأديب توحي بمسماها ومضمونها بالسلبية والمواجهة مع الطلبة.
ما ضر الجامعات لو خصصت الأسبوع الأول من كل عام دراسي لتوجيه الطلبة وتعريفهم بالحياة الجامعية ومرافق الجامعات، وتدمجهم في جلسات تعارف وتحاور مع أساتذتهم وزملائهم الأقدم في الدراسة. ربما من الأفضل أن يتم تعليم الطلبة وتوعيتهم بالسلوكيات الايجابية والاتجاهات وأساليب التواصل والعلاقات الجامعية وليس برصد أنفاسهم وأخطائهم ومعاقبتهم عليها. أن نبني السلوك الايجابي أفضل وأكثر جدوى علميا وإنسانيا من استنزاف الجهود الكبيرة في مقاومة السلوكيات السلبية.
الاهتمام الشمولي بالطلبة (توفير الدعم الشامل-النفسي الاجتماعي الصحي المادي......)
من الأمور ذات الأولوية التعامل المهني والعلمي مع مشكلات الطلبة وتقديم الدعم النفسي-الاجتماعي التربوي – والصحي الشامل. فاحتياجات الطلبة والمشاكل التي تواجههم كثيرة ومعقدة. والأقسام الأكاديمية غير مؤهلة للتعامل مع هذا الكم المعقد من المشاكل. لهذا يلزم استحداث إدارات أو أقسام أو شعب تعنى بتلك الخدمات. بحيث تخدم الطلبة وتعمل على دراسة أحوالهم وما يواجههم من صعاب وتحديات. لا بد أن يكون القائمون على الدعم الشامل من المتخصصين المهنيين في مجالات الإرشاد والصحة النفسية والتمريض والعمل الاجتماعي والتربية، وأي من التخصصات التي يمكن أن تساهم في هذا الأمر. إن عدم وجود هذا النوع من الدعم ربما يجعل الطلبة يلجئون إلى حلول غير علمية وسبل تزيد من سوء أحوالهم وربما تعرضهم لمخاطر أكثر. إضافة إلى ذلك يمكن أن يكون قسم الدعم الطلابي جهة رصد ومتابعة ودراسة المشكلات والصعوبات الحقيقية التي تواجه الطلبة في حياتهم الجامعية. والبيانات والمعلومات المحصلة من مثل هذه الدراسات ستكون أفضل جودة ونوعية من تلك الدراسات (الاستبيانية المستعجلة وذات العمومية) التي تقيس أمزجة وآراء الطلبة ولا تتعمق في مجريات حياتهم ومعاناتهم.
المصدر : جريدة الغد الاردنية
العنف في الجامعات: مدخل شمولي للفهم والعمل