مكرم سعيد حنوش-بيروت
يبدو لنا ان الغزو الثقافي اليهودي للمسيحية والاسلام هو من اقدم انواع الغزو التي عرفها التاريخ, ذلك ان اليهود من بداية الدعوة المسيحية التي نهض بها يسوع الناصري حاولوا اولا اجهاضها بقتله, ولمّا فشلوا في ذلك لانتشارها بعد موته حاولوا النفاذ الى قلب تلك الدعوة وادخلوا فيها بصورة او باخرى معظم ما في ديانتهم من تقاليد وعادات وقصص واخبار كانت نسيجا من الاساطير كما بين ذلك النقد العلمي والتاريخي الحديث نسبيا للتوراة في ضوء الابحاث الاركيولوجية والتاريخية. ومن المعلوم ان المسيحية قد ولدت في رحم اليهودية وان دعوة السيد المسيح كانت موجهة اولا الى اليهود غير ان هؤلاء رفضوا تلك الدعوة, الامر الذي حذا بالسيد المسيح وتلامذته واتباعه الى التوجه الى سائر امم الارض وشعوبها وقد انتشرت المسيحية بفضل تلامذة المسيح وثورية تلك الدعوة ونقضها للمجتمع اليهودي- الروماني وفي الواقع نقض السيد المسيح الكثير من تعاليم التوراة التي كانت تقوم على ان اليهود هم شعب الله الخاص واقام ديانة جديدة تتسم باخوة البشر والتسامح ونبذ مبدأ العين بالعين والسن بالسن وتنادي بالمحبة والمساواة بين الناس, وبالرغم من التباين الاخلاقي الشديد بين الدين الجديد واليهودية, فان اليهود استطاعوا ان يقنعوا المسيحيين بقبول معظم عاداتهم واساطيرهم وكتاباتهم الدينية, ونجحوا في حمل قادة المسيحية على الايمان بقدسية التوراة حتى ان العالم البريطاني البارز ثوماس هاكسلي (1825-1895) ذكر قبل وفاته باسابيع: ان اعظم انجاز لليهود هو انهم استطاعوا طوال اكثر من ثمانية عشر قرنا ان يفرضوا على اوروبا المسيحية جميع ما كانوا يؤمنون به من خرافات واوهام واساطير«.
ولا يزال هذا هو الحال اليوم في مختلف انحاء العالم المسيحي باستثناء اقلية مستنيرة ينتشر افرادها في عدد من الكنائس والجامعات ويعرف هؤلاء بالعصريين ولعل المطران غريغوار حداد من روادهم في المشرق العربي وكان من الطبيعي ان تنتشر هذه الدعوة في اوساط الفلاسفة والعقليين في الغرب.
ولا يزال الايمان بالتوراة لدى الكنائس المسيحية يعتبر جزءا متمما للايمان المسيحي وتطبع التوراة مع الانجيل في كتاب واحد باسم »الكتاب المقدس«.
وفي الوقت التي تقبل فيه المسيحية التوراة فان اليهودية ترفض المسيح كنبي ويلصق التلمود بالسيد المسيح من التهم ما لا يجوز ذكره هنا. فالتلمود ينكر المسيح ودعوته ورسالته ومجيئه التاريخي وولادته من عذراء وغير ذلك من الصفات التي ذكرها القرآن عنه. كما ان اليهودية ترفض الديانة المسيحية كما ترفض الاسلام.
وقد تمكن اليهود بهذا الغزو للديانة والمجتمع الغربي المسيحي- من نقل الكثير من عاداتهم وعباداتهم الى الكنائس المسيحية واتباعها في مختلف بقاع العالم حتى ان هناك من الطوائف المسيحية ما يعرف بشهود يهوه, ويهوه هو الاسم الالاه عند اليهود, وهناك من يعرف بالسبتيين الذين يقدسون يوم السبت ويمتنعون عن العمل فيه احتراما لما جاء في التوراة.
ونحن مع احترامنا لحرية العقيدة والدين لا بد لنا من ان نشير الى هذا الغزو الثقافي, لان الدين هو اساس الثقافة والسلوك عند الانسان العادي.
وقد كان اليهود يشكون من انتقاص حقوقهم في اوروبا المسيحية لانهم اصروا على الانعزال والانفراد بتقاليدهم وعباداتهم في اقطار اوروبا حيث يعيشون.
وقد ذكر برونو بوير (1809-1882) في كتابه »المسألة اليهودية«: »ان اليهودي وهو المحروم نظريا من الحقوق السياسية في المانيا يتصرف بقدرة هائلة ويمارس بالرغم من ذلك بالجملة والتفصيل تأثيره السياسي المنقوص«.
ويضيف بوير في مكان اخر: ان اليهودي الذي قد يكون في اصغر مقاطعات المانيا محروما من الحقوق هو نفسه الذي يقرر مصير اوروبا.
ومن المعلوم ان المال كان ولا يزال اله الشعب اليهودي المعبود, الامر الذي جعل اليهود عموما مكروهين من عامة الشعوب الاوروبية حيثما تواجدوا.
وكلنا نذكر ان السيد المسيح قد طرد التجار والصيارفة وباعة الحمام من الهيكل حيث كانوا يتبادلون السلع وقال عبارته المشهورة: »بيتي بيت صلاة وانتم جعلتموه مغارة لصوص. (انجيل متى 21: 12-14).
وهذا الغزو لم يقتصر على الديانة المسيحية بل امتد كذلك الى الاسلام: فمن المعلوم ان بعض القبائل اليهودية كبني قريضة وبني نضير ويهود خيبر سكنوا الجزيرة العربية وقام بينهم وبين النبي العربي حوار في بادئ الامر الى ان اخلوا بالتزاماتهم مما اضطر النبي الى محاربتهم واخراجهم من الجزيرة العربية.
وكما افلح اليهود في تهويد المسيحية افلحوا كذلك في النفاذ الى الاسلام وظهر ما يعرف بالاسرائيليات التي فسرت في كتب التفسير في القرون الاولى للهجرة تفسيرا يخدم مصالح اسرائيل المعاصرة.
1) »يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين«. سورة البقرة 47
2) »واذا اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور. خذوا ما اتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون« البقرة 63
3) ولقد اخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله اني معكم »المائدة 12«
4) »يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين« المائدة .40 وجاء في تفسير الجلالين لهذه الاية ان الارض المقدسة هي الشام.
5) »وقلنا من بعده لبني اسرائيل اسكنوا الارض واذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا«. الاسراء 104
»واخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك اورثناها بني اسرائيل الشعراء« 57-58
6) »وقد اتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين« الجاثية 16
ومن الملاحظ ان لهذه الايات ما يقاربها في التوراة ومن قبيل ذلك
ما جاء في سفر التثنية 13-15 »انتم شعبي وانا الهكم«.
ما جاء في سفر الخروج 19: 5-6 والان ان امتثلتم لاوامري وتحافظون على عهدي فانكم تصبحون خاصتي, فالارض كلها لي, وستكونون شعبي المختار, شعبا مكرسا لي وحدي, وستخدمونني جميعا ككهنة.
وكذلك ما جاء في سفر الخروج 23: 28-.32 »وارسل امامك الزنابير فتطرد الحويين والكنعانيين والحثيين من امامك, لا اطردهم من امامك في سنة واحدة لئلا تصير الارض خربة, فتكثر عليك وحوش البرية, قليلا قليلا اطردهم من امامك الى ان تثمر وتملك الارض واجعل تخومك من خليج العقبة الى بحر فلسطين ومن البرية الى نهر الفرات, فاني ادفع الى ايديكم سكان الارض فتطردهم من امامك. لا تقطع معهم ولا مع الهتهم عهدا, لا يسكنوا في ارضك لئلا يجعلوك تخطئ الي اذا عبدت الهتهم فانه يكون لك فخا »يضاف الى ذلك ان القران الكريم اعتبر التوراة كتابا منزلا كالانجيل.
المادة 43- »ان انزلنا التوراة فيها هدى ونور«
ال عمران 3 »وانزل التوراة والانجيل«
ال عمران 48 »ويعلمه الكتابة والحكمة والتوراة والانجيل«. وقد ذكرت التوراة ثماني عشرة مرة في القرآن الكريم.
هذه العبارات المختارة من كتب الاديان الثلاثة تمثل بصورة واضحة مدى تغلغل الخطاب الديني اليهودي في الخطاب الديني المسيحي والاسلامي وقد بلغ ذلك اوجه في المسيحية في اوروبا وامريكا حيث بات الايمان بالتوراة جزءا متمما وضروريا للايمان بالانجيل ولقد استطاع الفلاسفة والمفكرون الغربيون منذ بدايات عصر النهضة كشف اباطيل التوراة وتناقضاتها وعدم تاريخيتها وعدم مصداقيتها من حيث التاريخ والجغرافيا ولم تعد تتمتع في الاوساط الفكرية بأية قداسة على الاطلاق ولكن لم تقم حتى الان بقدر ما اعلم حركة مماثلة من العالمين العربي والاسلامي بدراسة الاسرائيليات الواردة في الخطاب الديني العربي لا سيما في الشروح والتفاسير القديمة كتفسير ابن كثير والرازي والقرطبي وتفسير الجلالين.
وقد قرأت منذ مدة في الصحافة العربية ان المملكة العربية السعودية منعت تفسير الجلالين للقرآن من الدخول اليها. ولا شك في اننا بحاجة الى مراجعة كتب التفسير القديمة وبيان ما بها من خطاب يصب في مصلحة العدو الاسرائيلي. فاله اسرائيل ليس الرحمن الرحيم الذي يؤمن به المسلمون والمسيحيون جميعا وانما هو حسب التوراة اله غيور شديد الانتقام لا يهمه الا شعبا واحدا هو الشعب اليهودي ولا يبالي بمصير غيره من الشعوب!
ويجب ان نميز ين موقف الكنائس في الغرب ومواقف الكنائس المشرقية الوطنية من دولة اسرائيل وقد عارضت جميع الكنائس المشرقية وبدون استثناء قيام دولة اسرائيل وذهب قادتها في تلك المعارضة الى اقصى حدود وقد اطلق عدد من كبار قادتها تصريحات علنية عامة تندد باسرائيل ومن هؤلاء البطريرك غريغوريوس الثالث لحام والبابا شنودة والبطريرك هزيم والبطريرك الماروني نصر الله صفير وما اعلنه المطران جورج خضر في اسبوعياته في جريدة النهار وكذلك ما اعلنه المطران جورج صليبا مطران السريان الارثوذكس في ندوات شارك فيها, ناهيك عن انخراط بعض رجال الدين المسيحي ومنهم المطران ايلاريون كبوجي في صفوف المقاومة الفلسطينية ومن هنا يظهر لنا ان الحركة الصهيونية لم تبدأ بمؤتمر بازل الذي عقد في سويسرا قبل مئة عام تقريبا, وانما كانت ذروة جهود اليهودية العالمية في تخطيطها لتأسيس دولة اسرائيل بعد اعداد دام القرون الطوال على النحو الذي عرفناه واختبرناه وابتلينا به ولا نزال نعاني منه, وقد بلغ الغزو الصهيوني اقصى مداه من الفعالية والنجاح عندما قامت الجمعية العامة للامم المتحدة بالغاء قرارها السابق الذي اعتبرت فيه دولة اسرائيل دولة يمارس فيها التمييز العنصري ضد الشعب الفلسطيني.
والامر من كل ما تقدم ان قادة اسرائيل لا يحافظون على تعهداتهم ولا يتمسكون بالتزاماتهم الدولية وقد خبر الفلسطينيون والعالم ذلك في المفاوضات الاخيرة مع الاسرائيليين. ان السلام الاسرائيلي ليس سوى شرك جديد لتوسع اسرائيل وزيادة قدراتها الاقتصادية والعسكرية والعدوانية على جيرانها العرب وعلى غير جيرانها من العرب والمسلمين.
وهذا السلوك اللاخلاقي من جانب اسرائيل والمخالف لابسط القيم والمبادئ في عصر شرعة حقوق الانسان يستند الى مرجعية دينية يهودية هي التلمود, »فالتلمود«, الكتاب المقدس الآخر عند اليهود يأمرهم بذلك ويحثهم عليه, وقد سبق ان كتبنا حول التلمود في جريدة النهار الغراء بتاريخ 2/2/2002 عندما قدمنا كتاب الاستاذ رامز حيدر »اليهود عبر التوراة« فنرجو الرجوع اليه.
العرب اليوم:27/2/2011
الغزو اليهودي للمسيحية والإسلام