الدعوة إلى الوسطية والإعتدال هو منهج الإسلام ،وهو وسط بين الأمم ،ووسط بين المفرطين المتساهلين والمتشددين ،والوسطية ليست التساهل ،ولكنها التزام بالدين ،قال عزوجل :" وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس "،فالله سبحانه وتعالى يدعونا إلى التمسك بالكتاب الكريم والسنة المطهرة ،فلا غلو ،ولا جفاء ،والحضارة الإسلامية لم تصل إلى مستواها الراقي إلا بالتسامح ،والوسطية ،والحوار ،وقد عاشت الأمم والثقافات داخل الأمة الإسلامية وقبلتها واستفادت منها دون أن يكون هناك تغيير في الثوابت ،وأي حضارة من الحضارات لا يمكن أن يكون لها تقدم إلا حينما تقبل الرأي الآخر .
حذر الإسلام من الغلو ،لذا تتابعت النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية بتحذير أمة الإسلام من الغلو في كافة جوانب الشريعة ،قال تعالى:" يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق "،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين ،فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين "،(سنن ابن ماجه2\1008)،والغلو في اصطلاح العلماء هو تجاوز الحد الشرعي بالزيادة ،ولذا جاء التحذير من الغلو ،وإن موضوع الغلو لأمر جدير بالإهتمام وبذل الجهد ،وخطورة الغلو في أنه يؤدي إلى الشرك ،أو ذريعة له ،كما أنه يؤدي إلى العدوان والظلم ،أو ما يسمى الآن بالإرهاب والتطرف ،فالغلو في الدين أمر خطير ومردوده مثل مردود التفريط والجفاء ،ووجود الغلو سبب عرقلة الدعوة الإسلامية ،وقد أصيب به أتباع الأديان السابقة ،وكان سبب هلاكهم ،والذي ينظر في تاريخ الأمم قديمها وحديثها من السهل أن يرى ألواناً من التطرف والغلو ،ومن آثاره الخطيرة استثمار تلك المواقف المتطرفة والأحداث الغالية لتبرير ضرب العمل الإسلامي كله ،وتشويه صورته أمام الناس ،وتصوير العاملين للإسلام بصورة الإرهابيين ،وحضارتنا الإسلامية لم تنتشر إلا بالتسامح ،فالإسلام دين يسر ،قال الله تعالى:" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر "،وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه".
ثم إذا أردنا أن نواجه الغلو فلا بد أن نتعرف على أسبابه ،ومنها الجهل بدين الله ،والإعتماد على مصادر غير إسلامية ،وإلزام الناس ما لم يلزمهم الله به ،مثل التزام التشديد دائماً مع قيام موجبات التيسير ،فالمسلم قد يقبل التشدد على نفسه ،ولكن لا يقبل أن يلزم الناس به ،ثم التعصب الأعمى للرأي ،وعدم الإعتراف بالرأي الآخر.
هذا ،وقد حذر الإسلام من الغلو وذمه وأمر بالتوسط ،قال الله تعالى:" وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ،ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون "، ومن أسباب الغلو التشديد في غير محله ، وعدم مراعاة أولويات الدين ،فيبدأ بالجزئيات قبل الكليات ،وبالفروع قبل الأصول ،ومنها كذلك الغلظة ،والخشونة ،وسؤ الظن بالناس .
ولعلاج الغلو لا بد من نشر العقيدة الصحيحة ،والتصور الإسلامي المعتدل الصحيح ،لأنه إذا انتشرت بعدت الأمة عن الغلو ،والإعتصام بكتاب الله ،والسنة الشريفة قولاً وعملاً ،ثم التزود بالعلم الشرعي النافع ،والأخذ بمنهج الوسطية والإعتدال في شؤون الحياة كلها،لأنها أبرز خصائص الإسلام ،والتربية الإيمانية على منهج القرآن الكريم ثم منهج النبوة الصافية ،والتربية على منهج السماحة ،وخفض الجانب للمخالفين ،والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ،والسماح بالحوار الصادق الهادف للوصول إلى الحق ،وذم الجدل الذي يفضي إلى الخصام النكد ،ثم قيام العلماء والأئمة بواجبهم الشرعي والأخلاقي وذلك برفع الجهل عن الناس ليكونوا قدوة خير لهم ،وترك ما يكون بينهم من خلاف ،والنزول عن الحق
الكاتب