الكتاب السياسي المحجوب

قليلة هي تلك الكتب التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتها، أو سمح بكتابتها عنه؛ فقد “قال في غزاة الفتح: (اكتبوا لأبي شاة)([1])، يعني: خطبته التي سأل أبو شاة كتابتها. وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وهي الصحيفة التي كان يسميها: (الصادقة)([2]). وكتب لِعَمْرِو بْن حَزْم كِتابًا عَظِيمًا فِي الدِّيات وَفَرائِض الزَّكاة وَغَيْرها. وَكُتُبه فِي الصَّدَقات مَعْرُوفَة… وَقِيلَ لِعَلِيٍّ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ؟ فَقالَ: لا، والَّذِي فَلَق الْحَبَّة وَبَرأ النَّسَمَة إِلا ما فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة. وَكانَ فِيها الْعُقُول، وَفِكاك الأسِير، وأنْ لا يُقْتَل مُسْلِم بِكافِرٍ([3])“([4]). ولكن هناك كتاب همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته، ولكنه تراجع عنه. هذا الكتاب كان في أيامه الأخيرة.. وهو كان وصية مودع، يريد الخير لأمته ويفكر فيها، وفيما ينفعها ويصلحها حتى في لحظاته الأخيرة، وقد اشتد عليه المرض، وأثقلته الأوجاع. فعَنِ ابْنِ عَباسٍ قالَ: لَما اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ قالَ: “ائْتُونِى بِكِتابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ”. قالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنا كِتابُ اللَّهِ حَسْبُنا. فاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قالَ: “قُومُوا عَنِّي، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنازُعُ”. فَخَرَجَ ابْنُ عَباسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلّ الرَّزِيَّةِ ما حالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتابِهِ([5]). فما كنه هذا الكتاب؟ أهو كتاب تشريع… أم موعظة… أم عقائد… أم كتاب سياسي… أم نواة دستور أراد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه كما ألمح إلى ذلك فضيلة الشيخ محمد الحسن ولد الددو في حواره مع أحمد منصور في حلقة بلا حدود… إلخ. “اختلف العلماء في الكتاب الذي همّ النبي صلى الله عليه وسلم به فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين؛ لئلا يقع نزاع وفتن. وقيل: أراد كتابًا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة؛ ليرتفع النزاع فيها، ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه”([6]). “أو أراد أن يكتب كتابًا يبين فيه طريق الفرقة الناجية، ويفصل فيه أحوال الفرق الضالة من المعتزلة والخوارج والرافضة وسائر المبتدعة”([7]). ولا يستقيم أن يكون كتاب أحكام وتشريع؛ إذ إن الدين قد اكتمل بقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: 3]. وكيف تكون الأحكام الشرعية المتفرقة في أكثر من عشرين سنة تصير ملخصة منصوصة في ساعة بحيث لا يتصور فيها اختلاف الأمة. نعم، لو أريد به قصد أن يكتب كتابًا يبين فيه بعض الأحكام التي قد توجد في الأزمنة الآتية مما ليس بمذكور في الكتاب، ولا بمحفوظ في السنة لا يبعد من طريق الرأفة وسبيل الرحمة على كافة الأمة من الأئمة والعامة”([8]). وهذه الأخيرة مستبعدة؛ إذ إن النوازل والأحداث كثيرة ومختلفة ومتنوعة، ولا زالت الأيام تحمل مستجدات تحتاج إلى اجتهاد. هذا إلى جانب أن هذا الكتاب قد يسد “باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط، وهذا دليل على أنه وكّل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وجعل لهم الأجر على الاجتهاد”([9]). وقد تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج والقدرية الذين يخرجون في هذه الأمة؛ لذا يستبعد أن يكون كتابًا عن الفرقة الناجية والفرق المبتدعة. فإذا لم يكن الكتاب هذا كتاب أحكام أو عقائد ومواعظ فماذا يكون؟ حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أنه كتابُ استخلافٍ لأبي بكر، ثم إنه r “ترك كتابته اعتمادًا على ما علم من تقدير الله -تعالى”([10]). وقد استبعد القاري ذلك؛ إذ رأى أن الكتاب في عموم الاستخلاف، وليس مقتصرًا على أبي بكر رضي الله عنه فحسب، فقال: “هذا بعيد جدًّا؛ إذ التنصيص على خلافة أبي بكر أو عمر أو العباس أو علي لا يحتاج إلى كتابة، بل كان مجرد القول كافيًا، وللمقصود وافيًا، مع أنه قد أشار إلى خلافة أبي بكر بنيابة الإمامة مع التصريح بقوله: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)([11]). نعم، لو قيل: إنه أراد أن يكتب الخلافة المستمرة خلف وفاته لمن يستحقها واحدًا بعد واحد إلى خروج المهدي وظهور عيسى عليه السلام لكان له وجه وجيه ونبيه، ولكن أراد الله الأمر مستورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا”([12]). وهذا ما أراه؛ إذ أرى أنه كان أعمّ من مجرد استخلافٍ لأبي بكر الصديق، وهو في عموم السياسة، ولكن اختلاف أهل البيت والصحابة الحاضرين واختصامهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم من بين قائل: قربوا يكتب لكم رسول الله، وقائل بقول عمر([13]) أفقد الأمة هذا الكتاب، مثله مثل ارتفاع ليلة القدر بسبب الخلاف بين الصحابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رأى ابن عباس أن حجبه عن الأمة رزية ومصيبة عظيمة. وقال ابن حزم: “ولم يزل أمر هذا الحديث مهمًّا لنا، وشجى في نفوسنا، وغصة نألم لها”([14]). ولكنه رأى بعد ذلك أن الكتاب كان في استخلاف أبي بكر الصديق. ولعله في تقدير الله أن تكون الأمة فاعلة تختار ما تراه صالحًا لها، وما يلائم ظروفها ومستجدات حياتها. يقول ابن بطال: “للإمام أن يوصي عند موته بما يراه نظرًا للأمة، وفي تركه الكتاب إباحة الاجتهاد؛ لأنه أوكلهم إلى أنفسهم واجتهادهم”([15]). فباب السياسة باب اجتهادي، تُرك مفتوحًا للأمة؛ فما كان يصلح في عصر فإنه قد لا يصلح فيما بعده، لكن تبقى المحددات العامة التي تلتزم بها الأمة في أمورها السياسية. ويبقى الخلاف مفتاح أبواب الشرور والحرمان.   ([1]) جزء من حديث أخرجه البخاري في “اللقطة”، باب: “كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ…”، ح(2434) من طريق أبي هريرة t. ([2]) أخرج الدارمي “سننه”، ح(496) عن عبد الله بن عمرو قال: ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها من رسول الله r، وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها، وقال حسين سليم أسد: “إسناده ضعيف”. ([3]) أخرجه البخاري بنحوه في “الجهاد”، باب: ” فَكَاكِ الأَسِيرِ…”، ح(3047). ([4]) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، (10/55) باختصار. ([5]) أخرجه البخاري في “العلم”، باب: “كِتابَةِ الْعِلْمِ”، ح(114). ([6]) شرح النووي على مسلم، (11/90). ([7]) مرقاة المفاتيح، (9/3850). ([8]) السابق، نفس الصفحة. ([9]) شرح النووي على مسلم، (11/90-91) باختصار. ([10]) دلائل النبوة، (7/184). ([11]) أخرج مسلم في “فضائل الصحابة”، باب: “مِنْ فَضَائِلِ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ t”، ح(7/184) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ r فِي مَرَضِهِ: “ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى. وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ“. ([12]) مرقاة المفاتيح، (9/5966). ([13]) السابق، (3/1153). ([14]) الإحكام في أصول الأحكام، (7/425). ([15]) شرح صحيح البخاري لابن بطال، (1/190). إسلام اون لاين - محمد فتحي النادي

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.