د. نارت قاخون
تستطيع أكثر الفلسفات المعاصرة أن تقول بكفاية عالية ما الذي "لا ينبغي" أن تصدّقه أو تفعله، وتستطيع بكلّ قوّة أن تكشف لك "الأخطاء" و"المشاكل". لكنها في المقابل تبدو عاجزة أو أقلّ كفاية بكثير حين نحاول البحث عن إجابات لأسئلة مثل: ما الذي ينبغي أن نصدّقه؟ وما الذي ينبغي أن نفعله؟
هذا المأزق تعيشه الفلسفات المعاصرة في العالم الغربيّ بوصفه الإطار الجغرافيّ والحضاريّ الذي لا تزال الأسئلة الفلسفيّة، بل "الفلسفة" نفسها موضع سؤال وطريقة إجابة، فإنّه بوصفه منتج التقنيات التي وصلت إليها رحلة البحث والاختراع العلميّ المتسارع كان منتجاً لهذه الأسئلة الفلسفيّة ومحاولات الإجابة عنها معاً، أو بعبارة أدقّ "مأزق الإجابات" ومحاولة العثور عليها أو إيجادها. فالعالم الغربيّ الذي بدأ نهضته الفكريّة وثورته الصناعيّة قبل أكثر من قرنين انتقل أثناء رحلته عبر مجموعة من "النماذج المعرفيّة المهيمنة: باراديمات"، واستطاع -بحرفيّة عالية وبكفاءة لافتة- خلال رحلته أن يحقّق توافقاً كبيراً بين رحلتين في خطّين متوازيين سارت قاطرة البشريّة عليهما نحو أشدّ المآزق الفلسفيّة والوجوديّة والحياتيّة، الخط الأوّل تحوّلت فيه "المعرفة العلميّة اكتشافاً واختراعاً" من كونها "وسيلة لحياة أفضل" تعترف بأنّ لها "غايات" وتمتلئ بـ"المعاني" التي "تبشّر بمجتمع إنسانيّ" أكثر فهماً للطبيعة والكون والحياة بما يجعله قادراً على السيطرة على الطبيعة من أجل الحياة الفضلى إلى أن يصير التّطوّر العلميّ باسمه الحركيّ المعاصر "التقنية" غاية المعرفة نفسها، وليس وسيلة إلى ما وراءها من "غايات" و"معانٍ". لقد أصبح التحدّي التقنيّ اليوم: ينبغي أن نسير إلى "الأمام"، وينبغي أن نتجاوز "تقنية الأمس" إلى "تقنية اليوم" التي لا يجوز أن يفكّر منتجوها إلا بتقنية "الغد" التي ستجعل "تقنية اليوم" مجرّد خردة في سوق الاستهلاك المحكوم بقانون واحد هو "التنافس من أجل أرباح أكثر"!
هكذا في رحلة تسارعيّة لم تعد جملة "ميكيافيلي" المشهورة "الغاية تبرّر الوسيلة" شعاراً للعلم والسياسة والفكر سواء بمحتواها الإيجابيّ أم بمحتواها السّلبيّ، بل أصبحت الوسائل نفسها هي الغايات، ولم تعد بحاجة إلى أيّة غاية تبرّر وجودها إلا وجودها نفسه.
هذه الرحلة في المسار العلميّ المرتبط بالتقنيّة الوسائليّة رافقتها رحلة فلسفيّة ومعرفيّة وسياسيّة ومجتمعيّة ارتحلت هي أيضاً من منطق "الغايات والمعاني" إلى تحكّم منطق "الوسائل"، و"الوسائل فقط". ففي "الفلسفات المعاصرة" هيمن "الدور النقديّ"، فأصبحت الغاية الفلسفيّة الـ"مابعد حداثيّة" هي إثبات بطلان أيّة إجابة مقترحة لأسئلة الإنسان الكبرى، فإذا كان النقد بل النقض ضرورة فلسفيّة من أجل تخلّص الإنسان من "الأوهام" و"الأباطيل" ليصبح أقرب إلى "المعرفة الأفضل" و"الفهم الأحسن" و"الحياة الفضلى"، فإنّها كانت تثير "المشاكل" من أجل "الحلول"، ولكنّها تحوّلت بتواطؤ مع هيمنة "الوسائليّة التّقنيّة" إلى مثيرة للمشاكل لأجل المشاكل، فصار النقد والنقض والهدم غايات وليس مجرّد وسائل لشيء بعدها.
وفي عالم السياسة كانت "الدّيمقراطيّة" وسيلة لغايات مجتمع يريد أن يتجاوز تناقضاته الفلسفيّة والوجوديّة ليصل إلى طريقة يُدير بها خلافاته ويختار بها إجاباته عن أسئلة "مَن يحكم؟" و"كيف يحكم؟"، ليصل بالمجتمع إلى ما هو أفضل وأحسن لمجموعه وأفراده. فصارت "الدّيمقراطيّة" غاية بنفسها؛ فالمطلوب هو أن يختار النّاس أو أن يتوهّموا أنّهم يختارون "مَن يحكمهم"، ثمّ لا محلّ لأسئلة من مثل: إلى أين سيذهب بنا من اختارته "أغلبيّة انتخابيّة"؟ لذلك أصبح من وجهة نظرٍ فلسفيّة سياسيّة لها حضور بل هيمنة على المشهد الفكريّ أنّ اختيار "أغلبيّة انتخابيّة" خيارا يُمكن أن يشكّل "انتحاراً مجتمعيّاً" لا يفرّق بين مَن قبل بهذا الخيار ومَن عارضه ينبغي أن يحترم ويقبل؛ لأنّ شرط قبوله هو الوسيلة الدّيمقراطيّة التي أدّت إليه، فالغاية من الدّيمقراطيّة هي الدّيمقراطيّة وحسب وليس وراء ذلك من غاية ينبغي أن يكون لها أيّ اعتبار.
لا شكّ أنّ النقديّة الجذريّة فلسفيّاً وعلميّاً أدّت إلى تفكيك كثير من منظومات "السلطة القهريّة الاستبداديّة" فكريّاً وعلميّاً ودينيّاً وسياسيّاً في السياق الغربيّ، وجعلت من الصّعب بل المستحيل أن تزعم أيّة منظومة أنّها تملك وحدها الإجابات النّهائيّة والصحيحة لأسئلة الإنسان الكبرى والصغرى، فكانت بذلك مطرقة تهدم كلّ "دوجمائيّة وقحة" تمتلئ باليقين الزائف. ولكنها في تطرّف رحلتها الوسائليّة اقتلعت جذور أيّة طمأنينة وأيّ قدر من اليقين المعقول بأيّة "حقيقة"، وجعلت العالم الذي نعيشه عالماً خالياً من "المعاني والغايات"، تهيمن عليه مقولة "موت الإنسان" بمعناها الفلسفيّ والوجوديّ؛ فالإنسان دون سائر عناصر الطبيعة -أو كما نظنّ- هو المسكون بأسئلة الغايات والمعاني، هو الذي يسأل: لماذا نحيا؟ ولماذا نموت؟ وما معنى أن نحيا؟ وما معنى أن نموت؟ هو الذي يبحث عن معانٍ ثانية وثالثة وراء تحقيق الحاجات البيولوجيّة والماديّة، هو مَن يعي ذاته، أو يحاول أن يعيَ ذاته.
هذا "الإنسان" هو مَن يموت حين تموت "الغاية" ويموت "المعنى"، هو هذا الإنسان الذي يسأل إلى أين سأصل حين أمشي؟ ولا يكتفي بإجابة: عليك أن تمشي وحسب. إنّه الإنسان الذي يعمل لتلبية حاجاته وما وراءها غير قابلٍ بأن يسعى لتلبية "وهم حاجته" لما تقذفه مصانع التقنية والفكر الوسائليّ التي تدفعه للهاث وراء "أحدث تقنية" و"أحدث نقدٍ ونقضٍ" لمجرّد امتلاك أحدث "الوسائل" بغض النّظر عن حاجته الحقيقيّة وغايات هذه الوسائل ومعانيها.
وهنا يُطرح سؤال مهمّ: إذا كان هذا مأزق الإنسان الغربيّ بين مخترعاته التقنيّة الوسائليّة من جهة، وفلسفاته النقضيّة التفكيكيّة التشكيكيّة من جهة أخرى، فما مأزق الإنسان العربيّ والمسلم؟ وهل هما في الهمّ سواء؟
ما أراه أنّهما ليسا في الهمّ سواء، بل الإنسان العربيّ والمسلم في همّ مضاعف ومركّب؛ فهو من جهة لا يزال مسكوناً بمآزق ميراثه الثقافيّ والمعرفيّ والسياسيّ والدّينيّ الذي يمتلئ بـ"اليقين المطلق" العابر لكلّ "الأوهام" و"الأباطيل" و"الخرافات"، ولا يزال تحت تأثير هذا الميراث حذراً رافضاً للخبرة "النقديّة" وتجربتها، محكوماً بمنظومة من الغايات والمعاني المؤجّلة التي تجعل الإجابات في عالم يأتي بعد الموت وليس قبله. ولكنه رغم هذا الميراث الثقافيّ يعيش في زمن فرض الغرب -دون مؤامراتيّة بالضّرورة- مآزقه على العالم كلّه؛ فمأزق الإنسان الغربيّ لشدّة عمقه الفلسفيّ وقوّة حضوره الوسائليّ والتواصليّ تجاوز حدود السياق الذي أنتجه عابراً حدود جميع الثقافات فارضاً عليها أن تحاول اجتراح إجابات لأسئلة ليس لها "نماذج سابقة" في كثير من الثقافات، بل ليس لها خبرة مقاربة في كثير من المفاصل، فصار واقع الإنسان العربيّ والمسلم واقعاً مركّباً من "المآزق" العابرة لتاريخه من جهة والعابرة لجغرافيا وجوده من جهة أخرى، وكأنّ حظّه من "الماضي" و"الحاضر" هو "مغارمهما" دون أن يشارك في "مغانمهما"؛ لذلك تجد نفراً لا بأس به من مثقّفي العرب والمسلمين لا يجدون حرجاً معرفيّاً وفلسفيّاً وواقعيّاً من ممارسة النقد الشّكيّ في "منظومة غاياتهم ومعاني وجودهم" بـ"يقينيّة" تجعلهم يفضّلون يقين "غيرهم" على يقين "أنفسهم"، متغافلين عن أنّ يقين غيرهم آل إلى يقين بالوسائل والنقد والشّكّ نفسه لا بأيّة غاية أو معنىً وراء الوسيلة والنقد والشّكّ، فإذا كانت الفلسفة الغربيّة تعاني مأزق "غياب المعنى ورفضه"، فإنّنا نعيش مأزق "المعاني التي لا معنى لها"، أو "المعاني التي لا جدوى منها" في زمن لا يقبل الوصل بما فات لأنّه باختصار "فات ومات"، ولا يستطيع الوصل مع ما هو حاصل أو آتٍ، لأنّه ليس مشاركاً في إنتاجه ابتداءً، ولا يستطيع دفع هيمنة "مغارمه" عليه انتهاء، وكأنّه يعيش مأزق "ألم الأطراف الوهميّة" (Phantom Limbs Pain) بصورة مضاعفة؛ فهو يعاني آلام أطراف "مبتورة" و أخرى "لا وجود لها عنده ابتداءً"، فـ"الحقيقة" الوحيدة بين "المبتور" و"المفقود" هي "الألم الموجود".
هل تبدو المقالة يائسة في سياق الاحتفاء بـ"الفلسفة" في يومها أو أسبوعها العالمي؟ نعم قد تكون كذلك، ولكن في "اليأس" راحة، إمّا أن تكون "رديف الموت" أو "رديف واقع وحياة أخرى" غير تلك التي يئسنا منها.
اليأس من "الفلسفة" بوصفه احتفاءً بها