يطل شهر رمضان على أمتنا العربية والإسلامية وهو يحمل لها رسالة الأمل والنجاة من الخطوب التي ألمت بها ،إذا أدركت المعاني العظيمة التي ترسخت في كتاب الله وسنة رسوله الأمين ،وكانت سبيل السلف الصالح من أبناء هذه الأمة ،من أجل تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية ،إن اقبال رمضان يجب أن يشكل نقلة نوعية فريدة في حياة الإنسان المسلم وفي حياة الأسرة وبالتالي في حياة الأمة .
فرض الله صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة ،وهو عبادة بدنية غايتها تمحيص الإنسان الصائم وصقل روحه وقلبه ،من أجل إحراق الخطايا والآثام ،وهو بداية اشراق الروح وصفاء القلب ودفن التراكمات من العداوة والبغضاء والحقد والحسد إلى حيث لا رجعة ،لأن قيمة الصيام تتجلى في زرع قيم الإسلام العليا في نفس الصائم من الصدق والأمانة والسماحة والصبر والعفاف وكف الأذى بأنواعه ،استجابة لقوله تعالى :" شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ".
الصوم عمل صالح عظيم ،وثوابه جزيل ،فقد جعله الله من اسباب الفوز لديه ،وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كل عمل ابن آدم له ،الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف ،يقول الله عزوجل :ألا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به "،فلا بد من المسارعة إلى أنواع العبادة والقربات ،وهو ميدان للتسابق إلى فعل الخيرات ،من الصلوات والصدقات ،وقراءة القرآن ،والإحسان إلى الفقراء والمساكين والأيتام ،وعلى الصائم أن يحفظ صيامه عما حرم الله عليه من الآثام ،فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه "،وقد دعانا الرسول الكريم إلى صيانة اللسان وحفظه ،جاء في الحديث الشريف :" الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق فإن امرؤ سابه فليقل إني صائم "،وأكد الرسول الكريم أن الصوم المقبول عند الله عزوجل البعيد عن اللغو والرفث ،وعلى المسلم أن يحقق معنى الصوم في قلبه وروحه وجوارحه ،روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه :"إذا صمت ،فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ،ودع أذى الجار ،وليكن عليك وقار وسكينة ،ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء ".
يعيش المسلمون في هذا الشهر المبارك اسلامهم الحقيقي ،لأن الشياطين الموسوسة فيه مغلولة مصفدة ،والأعمال ترفع إلى الله وهي مقبولة بإذنه عزوجل ،والأجر والثواب مضاعف فيه ،الأنفاس فيه تسبيح وذكر ،والنوم فيه عبادة وطاعة ،وهو شهر الصبر وشهر المواساة ،وهو مدرسة ذات فلسفة ورسالة ،فهو مدرسة الروح والفكر والضمير والخلق الرفيع ،وهو حملة تطهير لإبعاد الملوثات التي لحقت بالجسد والروح والنفس في فترة البعد عن الله عزوجل ،فيه تهذيب النفوس لأنه شهر المحبة والصفاء والتعاون والتواصل ،وفيه تتمثل العبودية الخالصة لله عزوجل .
وبعد ،فإن الله اكرمنا بهذا الشهر العظيم ،فلنستقبله كما يستقله المتقون ،ولنجدد عزائمنا فيه لتحقيق معاني الإسلام الرفيعة ،وليكن شهر رمضان وعاء للخيرات ،ولنكن أناء في تأدية رسالتنا وأمانة شهر رمضان إلى الأجيال من خلفنا ،وليكن شعارنا الصدق والصبر والإخلاص والعمل الصالح ،وليكن هدفنا إقامة صرح الإسلام لنعيش سعداء أعزاء .
الكاتب