بلا "فلسفة" وكثرة "تنظير"!

د. نارت قاخون بمثل هذه العبارة وأخواتها يحتفل عدد كبير من النّاس في واقعنا العربيّ؛ فتجدهم يصفون "الكلام الفارغ" بـ"الفلسفة"، وإذا أرادوا ذمّ أحدهم قالوا: "بدأ يتفلسف"! أو يقولون: "ما أحسنه في التنظير!" في سياق الذمّ والقدح إشارة إلى أنّ "النّظريّات" ليست إلا كلاماً فارغاً منفصلاً عن الواقع والحياة! وفي مثل هذه العبارات جملة كبيرة من "المغالطات" التي يُمكنها أن تشخّص بوضوح أزمتنا العقليّة والمعرفيّة؛ فهي تنطوي على موقف "سلبيّ" "استخفافيّ" من "الفلسفة" و"النّظريّة" حتى صارت "الفلسفة" مكافئة للكلام الذي لا يُفهم، ولا معنى من ورائه، وأمست "النّظريّة" مجرّد كلامٍ منبتٍّ عن "الواقع والواقعيّة" وإمكان التطبيق. وفي هذا انقلاب وانحراف شبه كلّيّ عن مفهوم "الفلسفة" و"النّظريّة" كما ينبغي أن يُنظر إليهما من وجهة نظري، من جهة "المفهوم" و"الخبرة الإنسانيّة" معاً. في هذا المقال سأتحدّث عمّا أصاب "الفلسفة" من تحريف وانحراف من متلقّيها ومَن يزعمون الاشتغال بها معاً، أمّا موضوع "النّظريّة والتنظير" فسأفرد له المقال المقبل، فهو ليس أقلّ من "الفلسفة" في سوء الحظّ والفهم والتلقّي. لا يكون "الكلام" "فلسفة" يستحقّ شرف الاسم وصدق المسمّى إلا إذا كان أغنى الكلام بالمعاني والدّلالات، فـ"الفلسفة" لا تنتمي إلى "جميل الكلام" بقدر ما تنتمي إلى "جليل الكلام"، فعلى الرغم من أنّ "الفلسفة" لا تستطيع أن تُقيم ملكوتها إلا باللغة؛ فاللغة هي الناطقة عن العقل والكاشفة عن جمالاته وقباحاته، ولكنّها -أي الفلسفة- حين تتوسّل باللغة فإنّها تسعى لما وراءها، تحاول أن تتوسّل بها دون أن تجعلها غاية في نفسها، فحين تصير الفلسفة مجرّد "هذيان لغويّ"، و"أبنية لغويّة فارغة"، ينقطع الدّال عن المدلول، فلا مدلول إلا الدّال اللغويّ نفسه، حينها تمسي اللغة قناعاً يحول بين "النسق اللغويّ" وما ينبغي أن يكون له من مدلوله الفلسفيّ، وتصير "الكلمات" و"الجمل" مبتدأ القول الفلسفيّ وخبره، ولا شيء وراء ذلك، فهي الخُبْر والخَبَر، وهي النموذج والحقيقة الكامنة فيه، وتتحوّل إلى "نسق" لا يتأسّس وفق الاتّساق المنطقيّ وضوابطه، أو الاتّساق الدّلاليّ والمرجعيّ بين حمولتها الدلاليّة ومرجعيّتها من جهة، وما تُحيل إليه من جهة أخرى، لتصير "ثرثرة لغويّة" جميلة أحياناً، ومُدهشة أحياناً أخرى، لكنّها دهشة "أزهار اللوز" التي تُعجَب بها العيون عن بعد مسافة، فإن هي أرادت أن تُمسك "الزهر" لم تجد في أيديها شيئاً. هذه "اللوزيّة الفلسفيّة" التي أدهشت كثيرين، لا تنتج إلا فلسفة "السراب" يحسبه "الظمآن" ماء، فإذا جاءه لم يجد شيئاً. وهنا لا أنكر أنّ جزءاً لا بأس به ممّا وصف ويوصف بـ"الفلسفة" في نتاج الخبرة الإنسانيّة عموماً، والخبرة العربيّة خصوصاً، كان أقرب لهذه "الّلوزيّة الفلسفيّة السرابيّة" ممّا ساهم في تشكيل هذه الصورة "السّلبيّة" عن الفلسفة، وبهذا قد نجد عذراً لمن يستعمل عبارة "بلا فلسفة" تعبيراً عن هذا الرّفض والضيق" بمثل هذه "الثرثرات" و"الكلام الفارغ" الموصوف بـ"الفلسفة" ولاسيّما في سياقنا العربيّ المعاصر، ولكنه وإن التمسنا له عذراً فإنّه لا يخرج عن حكم "المغالطة"؛ لأنّه وصف ما ليس بـ"فلسفة" بـ"الفلسفة"، وفي هذا "إهانة واستهانة" بما ينبغي أن تكون عليه "الفلسفة"، فلا يجوز أن نجور على "الفلسفة" لأنّ مجموعة من "الثرثارين" تكلّموا وكتبوا "كلاماً فارغاً" ثمّ وصفوا ما يكتبون ادّعاء وزوراً بأنّه "فلسفة". وفي هذا السّياق ستجد مَن يقول: ما أكثر "الفلسفة" في خبرتنا وواقعنا! والحقيقة أنّه "ما أقلّ الفلسفة" في خبرتنا وواقعنا وما أحوجنا إليها! أمّا الكثير فهو "الغثاء"! وهؤلاء "المستهينون بالفلسفة" الواصفون لها بـ"الكلام المعقّد الفارغ" يقعون أيضاً في مغالطة الخلط بين "صعوبة الكلام" و"غثائيّة الكلام"؛ ففي "الفلسفة" كلام صعب يشبه صعوبة "صعود قمم الجبال العالية"، فصعود الجبال يمرّ بطرق وعرة ومنزلقات خطيرة، ويحتاج أدوات ومهارات عالية لا تتوفّر لكثير من النّاس، ولكنّه في النهاية عمل يقصد الوصول إلى قمّة الجبل حيث تكون الرؤية أشمل وأعمّ. أمّا "غثائيّة الكلام" فتشبه "هذيان المنام" ليست أكثر من "خليط معقّد" قد يكون حلماً جميلاً أو كابوساً مزعجاً، ولكنه لا يصل إلى شيء، ولا يحقّق صعوداً أو ارتقاءً أو حركة، وأفضل ما يُمكن أن يفعله المصاب بـ"الهذيان" هو أن يصحو من "هذيانه" بالعلاج. و"الفلسفة" تشبه حلّ "عقد الحبل المعقّدة المركّبة"؛ فهي حسب تعبير الفيلسوف "فتجنشتاين" تحُلُّ "عقدَ تفكيرنا"؛ لهذا ينبغي أن تكون النتائج التي تتوصّل إليها "بسيطة" و"واضحة". ولكنّ عمل الفيلسوف ينبغي أن يكون معقّداً تعقيدَ العُقدِ التي يحلّها، فـ"قطع الخيوط المعقّدة لتفكيرنا" ليس طريقةَ فلسفيّة لعلاجها، "العلاج الفلسفيّ" ينبغي أن يكون بطيئاً طبيعيّاً قدر الإمكان"، كما أنّ "الفلسفة" ليست مذهباً ولا عقيدة، بل هي "ممارسة ونشاط منهجيّ". بهذا المعنى لـ"الفلسفة" فلا سبيل لوصف كثير ممّا ينسب إليها بـ"الفلسفة"، كما لا ينبغي الاعتراض عليها بـ"الصّعوبة"؛ فالفرق بين "الصّعوبة" و"الغثائيّة" هو في الوصول إلى معانٍ جليلة، فما ينطوي على معانٍ "جليلة" يكون "فلسفة" بغضّ النّظر عن "الصعوبة والسّهولة" أو "الجمال اللغويّ البيانيّ وعدمه". وممّا ساهم في تعميق هذا الانحراف عن مفهوم "الفلسفة" آفة "الشعرنة" التي تعاني منها الثقافة العربيّة، أي تحويل كلّ المعارف الإنسانيّة إلى حالة "لغويّة شعريّة" وحسب! فإذا كان يجوز لـ"الشاعر" أن ينشئ عالماً من "لغة وخيال" دون أن يُطالب بصريح حجّة أو استدلال؛ فإنّ إنشاء "القول الفلسفيّ" و"القول العلميّ" ليس كذلك! فـ"الشّاعر" يحاول أن يظفر بنا بـ"خياله" لا بـ"أدلّته"، ويؤثِّر فينا بـ"معاناته ومكابداته" لا بـ"نتائجه"، ويستمدّ قوّته من "القول"، و"القول" فقط، كما قال شيخهم "الفرزدق": علينا -أيّ الشعراء- أن نقول، وعليكم -أيّ القرّاء من نحاة وعلماء وعامّة- أن تتأوّلوا. هذه "الشعرنة" تتداخل مع "العلم" و"الفلسفة"، ولكن إذا غلبت عليهما جعلتهما مجرّد أقوال لا أدلّة لها، وخيالٍ لا يستمدّ قوّته من قدرته على التحقّق في العالم الحقيقيّ. وفي هذا المأزق يقول الفيلسوف الألمانيّ "كانت": "عليّ أن أعيد قراءة "جان جاك روسو" مرّة بعد مرّة حتى يتوقّف "جمال التعبير" عن تشويش فكري وعقليّ، وفي هذه اللحظة فقط أستطيع أن أدركه إدراكاً عقليّاً". فالإدراك العقليّ هو إدراك لـ"الجليل" بعد أن تخلّص من تشويش "الجميل"، لذلك فإنّ "الفلسفة" لا تسعى أن تكون تمثيلاً "جميلاً" لشيءٍ ما، بل تحاول أن تكون تمثيلاً وإدراكاً "جليلاً" لشيءٍ ما. فعلى المتفلسفين بالفلسفة أن يدركوا فلسفيّة لغتها، فيتخلّصون من تشويش "جميل لغتها" على "جليل مفاهيمها". ويزداد الطين بلّة حين يخلو كثير ممّا ينتسب ويُنسب إلى "الفلسفة" ادّعاء من "جميل الكلام" و"جليل الأفكار" معاً، فلا يكون إلا مستنقعاً آسناً من "قبيح الكلام" و"ذليل الأفكار"! لذلك أعيد ما قلته في مقال آخر: "تفلسفوا يرحمكم الله"، تفلسفوا بـ"فلسفة" نتعلّم منها إدارة الحوار العقليّ حول أيّة قضيّة من القضايا، مستثمرين الأدوات النقديّة والتحليليّة المتوفّرة في آفاق لحظتنا الحضاريّة لتقديم نماذج فكريّة وعلميّة تتمتّع بالكفاية المنهجيّة والعملانيّة لحلّ مشاكلنا واجتراح المقترحات الإبداعيّة التي تحفظ الهويّة الجماعيّة والذات الفرديّة في معادلة الوجود والبقاء والنموّ الإنسانيّ والحضاريّ.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.