الاستغفار والشكر متلازمة السعادة، فالأول يجلي القلب ويضبط توازن الذات الإنسانية بين الروح والنفس والجسد، لتتطهر من معوقات السعادة ( الذنوب) وتفسح المجال للثاني منيرة له البصيرة، فيرى الإنسان النعم فيه وحوله برؤية جديدة وشعور آخر بالتجدد والروعة والاستمتاع والامتنان لإله هذا الكون الرائع وخالق لا نهايات من البدائع...
قال تعالى {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6] .. والكنود هو الذي يُعدد المصائب وينسى النعم، يتجاهل كل ما لديه ليركز على ما أصابه رغم أن ما أصابه فهو من ذنوبه وهل يبتلي الله الناس إلا ليذكرهم أنهم على الأرض لمهمة محددة غلفها لهم بالمتعة والجمال وحللها لهم وحرم منها القليل حماية لهم وهو خالقهم والعليم بهم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير... فينسوها ويغرقون في المادية، ويذنبون بالليل والنهار ولا يستغفرونه، حتى أن هناك بعض الناس يكثرون الشكوى ويدعون انهم في كرب ليبعدوا عنهم العين والحسد!!
فهل كفران النعم هو الحل أم أذكار الصباح والمساء والاستغفار والاستقامة على منهج الله، ليحمينا خالق الخلق من شر خلقه وكيدهم وحسدهم؟
وبين تفسير معنى الحمد والشكر اختلف أهل العلم، ولكن اطمأن العقل والمنطق لدي، لتعريف الدكتور النابلسي وهو كالآتي:
اختلف أهل اللغة في الفرق بين الحمد والشكر ، والراجح أن الحمد أوسع من الشكر فهو الحالة النفسية بينما الشكر هو السلوك قولاً أو فعلاً ، فالمسلم يمتلئ قلبه حمداً لله فيفيض لسانه وتفيض جوارحه شكراً ، لذا فالله تعالى حين يتحدث عن الشكر فإنما يذكر الموقف العملي الملموس الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن.
والشكر ثلاث مستويات:
أول مستوى : أن تعرف النعمة ، لأن معرفة النعمة أحد أنواع الشكر ، هناك نعم كثيرة جداً مألوفة ، لكن هذه الألفة لهذه النعم ينبغي ألا تجعلنا ننساها .
المستوى الأعلى : أن يمتلئ القلب امتناناً لله عز وجل ، دون أن تشعر تلهج بحمد الله ، يا رب لك الحمد .
المستوى الأعلى والأعلى : أن تقابل هذه النعم بعمل صالح ، بخدمة عباده ، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :
﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا (سورة سبأ : 13).
ومن هذا المنطلق نفهم أن شكر ربنا يكون بالعمل الصالح جميعه فالكلمة الطيبة عمل صالح والابتسامة والإحسان للزوج أو الزوجة، الأبناء، الوالدين وهكذا...
والصدقة شكر لله على المال والتطوع بالعلم شكر لله عليه..
وبالوقت لخدمة الغير شكر لله على العمر الذي وهبه لنا وتربية الطفل كما يريد الله بتعلم ذلك والبحث فيه عوض الرعاية والتربية بالوراثة، شكر لله على نعمة الذرية، والعناية بالصحة والجمال حفاظا على أمانة الجسم شكر لله عوض الاستماتة لارضاء الزوج دون جعل ذلك من رضا الله وشكر على نعمه الخ.....
ومن الشكر، شكر الناس على صنيعهم، هناك بعض الناس يظنه ضعفا ويقول في تكبر: أنا لا أشكر إلا الله...
إن شكر الناس لا يتعارض مع شكر الله بل الإنسان المخير في إسداء معروف لك، ألا يستحق أن تشكره على صنيعه وقد اقتطع من عمره وقتا لك، ومن جهده قسطا لك وهو أحق بهما منك...
كبر وغرور منا ألا نشكر غيرنا أو لا نعتذر حين الخطأ في حق أحدهم ...
وشكر الله حفظ للنعمة وجلب للأمنيات وتسريع للدعاء وتنمية للخير والحب لله ثم الناس في النفس..
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) سورة إبراهيم
وبذلك فإن الشكر أفضل محقق لمعادلة الحب مع الاستغفار:
حب الله ثم النفس ثم الآخر= الحب الرائع والصافي الخالي من شوائب التعلق بغير الله والحزن والألم...
رزقني الله وإياكم شكره ورضاه والنعيم في كنفه والثبات على هداه...
الكاتب