تيار الوسطية دعوة إئتلاف ووحدة

  ينهض تيار الوسطية بواجب شرعي حقيقي في إطار الوحدة الإسلامية، وهو تأمين الفضاء المعرفي والثقافي والاجتماعي لمبدأ الوحدة الإسلامية، وتوفير البيئة الصحيحة لقادة العالم الإسلامي للمضي قدماً في رسالة الوحدة والجماعة، ابتغاء الوصول إلى الأمة الواحدة التي بشرت بها هدايات القرآن الكريم.    ويتم عادة الحديث عن الوحدة الإسلامية في إطار الاتفاق على الرأي الواحد ورفض ما سواه طوعاً أو كرهاً، وهو سلوك تورط فيه وللأسف كثير من أصحاب الفكر الشمولي الذين لم يتسعوا صدراً للمخالفين في الرأي وألزموا الأمة بالتزام خيارهم ورأيهم، ويمكن أن تكون أقرب الأمثلة إلى ذلك ما قامت به الدولة الصفوية من إجبار الناس على اختيار مذهبها الفقهي، وهو الأمر الذي مارسته أيضاً حركات متطرفة في العالم الإسلامي قامت في الجزائر والصومال وأفغانستان، وألزمت الأمة باختيارها ونصبت مراصد الاتهام والتشكيك في مدارس الفقهاء الكرام على أساس أنهم مزقوا الأمة الإسلامية إلى أربعة مذاهب، وإلى طرق صوفية متعددة وأن ذلك يتناقض مع روح الوحدة في الإسلام.    ولكن الخيار الذي نتبناه للوحدة الإسلامية هو التوحد في إطار التعدد، والإذن بالاختلاف في دائرة الجماعة الواحدة، وهو ما أعلنه الإمام الجليل مالك بن أنس حين عرض عليه هارون الرشيد إلزام الامة كلها بمذهبه الفقهي في الموطأ، وقال له: سأكتب إلى الآفاق فلا يفتي أحد إلا بالموطأ، لقد ظنَّ الرشيد أنه بذلك يحقق الوحدة الإسلامية على أساس متين، وحينذاك أظهر الإمام مالك وعياً فريداً بثقافة التنوع والثراء الفقهي في الإسلام ورفض اقتراح هارون الرشيد وقال كلا يا أمير المؤمنين، لا أحب أن تحمل الناس على مذهبي، فإنَّ اصجاب رسول الله تفرقوا في الأمصار وحدث كل بما سمع، ولعل عندهم من العمل ما لم يأتني، وقد حدث كل بما سمع، فما أحب أن يحمل الناس على رأيي.    إنَّه إذن وعي مبكر بالحاجة إلى الاختلاف وحكمة الاختلاف وفائدته، وذلك جين يوضع في السياق التاريخي لتطور الأمة.    إنه ليس سراً أن نقول إنَّ الاختلافات بين الفقهاء الكرام موجودة في الفقه الإسلامي، ولست أدري لماذا نشعر بالحرج عندما نذكر اختلاف الفقهاء، ونذهب عادة إلى التبرير بأنَّ هذه الاختلافات كانت في أمور شكلية لا تمس جوهر المسائل الفقهية، مع أنَّ الحقيقة أن الاختلاف بين الفقهاء كان واضحاً وظاهراً، وكان في بعض الأحيان يتخذ شكلاً متناقضاً، فعلى سبيل المثال فإنَّ الحنفية اختاروا صحة زواج المرأة البالغة بدون ولي، وعقدوا النكاح صحيحاً فيما رآه الشافعية حراماً، وكانوا يقولون عن التي تزوج نفسها إنها الزانية!!    إنَّ بالإمكان رواية عشرات الأمثلة على اتساع دائرة المأذون به من الخلاف في مذاهب الفقهاء، وكان ذلك كله يتم في إطار من الاحترام والإعذار.    لقد ظلَّ الفقهاء من الحنفية والشافعية يتبادلون رواية الخلاف الفقهي فيما بينهم ولكن ذلك لم يكن يغض من احترام كل منهم للآخر، وكانت العبارة الشائعة أن يقول الحنفي الرأي عندنا كذا وعند السادة الشافعية بخلافه، وكان الشافعي يقول الرأي عندنا كذا وعند السادة المالكية بخلافه، وكان المالكي يقول الرأي عندنا كذا وعند السادة الحنابلة بخلافه، وكان هذا الاختلاف لا يسوء أياً من الفريقين، بل يفتح باباً لرفع الحرج عن الأمة وهو المعنى الذي عبر عنه بأوضح عبارة الخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز حين قال: ما أحب أنَّ أصجاب رسول الله لم يختلفوا، لو لم يختلفوا لم تكن توسعة.   بل إنَّ الفقهاء ذهبوا إلى تقرير مسائل الاختلاف المحمود ووضع الضوابط والتعاريف الجامعة له، وراحوا يكتبون في ثمرة الخلاف وفائدته، ولا يوجد كتاب فقه إلا وفيه باب خاص بأسباب اختلاف الفقهاء وباب آخر في حكمة اختلاف الفقهاء، وليسمح لي القارئ الكريم أن أهديه هنا طرفاً من منظومتي في أصول الفقه التي نظمتها قبل سنين في نحو ألف بيت تحت عنوان المعتمد في أصول الفقه، ولقد لقيت بحمد الله  رواجاً جيداً وانتفع بها كثير من طلبة العلم، في كلية الشريعة بجامعة دمشق: حكمة اختلاف الفقهاء    حِدْ عنْ كلامِ حاقدٍ مغرور            وافهَمْ من اختلافِهِمْ تحريري  فالخلفُ في التَّشريعِ أَمْرٌ عادي       كالنقدِ والقانونِ والأعدادِ   والخلفُ بينَهم على الفروعِ           معَ الوفاقِ في سِوى الفُروعِ  وإِنْ جرَى الخلافُ في المَصَادِرِ           فغالباً باللَّفْظِ والنَّوَادِر وَخلفُهم مَنَحنا المرونَة                          ومدَّنا بثروةٍ ثمينة    وخلفُهم على الفروعِ توسِعَةْ               لَوْ أَنَّهم ما اختلفوا لامتنعا    ولم يكن خلافُهم تَعصُّباً                   أو للهَوى أو يشتهونَ الرُّتَبَا وانحصر الخلاف في المظنونِ               كخبرِ الآحاد لا اليقيني  ومطلقاً لم يجرِ عهدَ المصطفى        فالوحيُ والحديثُ فيهمُ قَدْ كفى ورُبَّما حكمَ في رأيَيْنِ                     مختلفينِ . . . جوَّزَ الوَجْهينِ    وكما هو ظاهر لديك فإنَّ الفقهاء نظروا إلى هذا الخلاف الفقهي على أنَّه مصدر ثراء وغنى ورحمة، وأتيح للعالم أن يتخير من كلام الفقهاء ما يراه أكثر صلاحاً لحال الأمة، ولم يكن هذا الخلاف نتيجة تعصب أو مغالبة للحقيقة بل كان إقراراً صريحاً بأنَّ الحقيقة قد تغيب عن بعض طالبيها كلياً أو جزئياً، وأنَّ من شأن المؤمن أن يلتمس الحقيقة في كل ما فتح الله به على أهل العلم من جوانب ربما لم يهتد إليها.     ولا تحسب أنَّ اختلاف الفقهاء كان يقتصر على هوامش المسائل، أو على القضايا اللفظية والاصطلاحية، بل إنَّ ما تدركه عند الإيغال في دراساتهم ومواقفهم الفقهية أنهم كانوا يختلفون في مسائل كبرى، ولا يتحرجون من تقديم اجتهادهم معتصمين بقوله صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وهو موقف حضاري مسؤول لا أعتقد أنَّ في أدبيات الحضارات الإنسانية كلاماً أحسن منه وعياً أو تعبيراً عن حقيقة الجاحة إلى الختلاف وثمرات الاختلاف.    وعلى سبيل المثال فإنَّ اختلافهم في مسائل القراءات وهي تتصل برواية النص القرآني المعصوم كانت تتكرر في كل آية تقريباً، وفي إحصاء على الحاسوب فإن كلمة اختلفوا واختلفوا وردت في كتاب السبعة في القراءات لابن خالويه 406 مرات والمادة هنا كما لا يخفى تتصل بالاختلاف في ترتيل النص القرآني وهو علم علم توقيفي محض، ومع ذلك فقد كان هامش الاختلاف فيه كبيراً وواضحاً.    وفي مثال قريب من كتب التفسير فإن عبارة اختلفوا وردت 366 مرة في كتاب الجامع لأحكام القرآن الكريم، وهي خلافات تتصل بتأويل القرآن وفهمه وتفسيره، ولم ينقل عن واحد من الفقهاء تكفير أخيه أو تفسيقه أو تبديعه فيما ذهب إليه بل كان كل هذا الاختلاف يروى وينقل على سبيل الاحترام والإجلال والتقدير.   وليس المقصود هنا أن ننكر وجود جوانب من التعصب وضيق الأفق فقد وجد شيء غير قليل من ذلك التعصب ولكنه لم يكن دأب كبار العلماء، وإنما كان شأن أولئك الذين يصح فيهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار. ولا شك أنَّ هؤلاء الذين كانوا يتصيدون مظان الخلاف ليطلقوا التهامات على الناس جزافاً هم الذين قصدهم الفقيه الحاذق والإمام الناقد ابن الجوزي بقوله: إذا سالوا عن مذهبي لم أبح به            وأكتمه... كتمـانـه لي أسلم فإن حنفياً قلت قالوا بأنني               أبيح الطلا وهو الشراب المحرم وإن شافعياً قلت قالوا بأنني                أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وإن مالكيا قلت قالوا بأنني                أبيح لهم لحم الكلاب وهم هم  وإن حنبلياً قلت قالوا بأنني                  ثقيــل حلولي بغيض مجسم وإن قلت من أهل الحديث وحزبه      يقولون تيس ليس يدري ويفهم تعجبت من هذا الزمان وأهله          فما أحد من ألسن الناس يسلم    لقد قدم ابن الجوزي بأسلوبه اللاذع نقداً جارحاً لأولئك الذين ضاقت صدورهم بمخالفيهم فلم يقبلوا منهم الاختلاف في الرأي، مع أن الاختلاف هو طبيعة الأشياء ودليل حرية العقول ونهضة الاجتهاد.    وهكذا فإنَّ جولة في رياض الفقه الإسلامي النضيرة ستجعلك تدرك أن ما نتداوله اليوم من شعارات الرأي والرأي الآخر، والتعددية الفكرية والثقافية، وضرورة أكثر من رأي هي كلها أدبيات راسخة في الفقه الإسلامي، كانت أصلاً من أصول العمل المشترك بين كافة أطياف الأمة.    إنه من المؤسف أنَّ الأمة انحرفت عن خيار سلفها الصالح في احترام الاجتهاد والاختلاف، والاستفادة من التعدد والتنوع الذي جاء به الفقه الإسلامي، وسادت عبارات مظلمة يتبادلها كثير من أبناء المذاهب الإسلامي طافحة بالغمز واللمز والهمز، حيث يتم وصف الصوفية بالقبورية والمسخفة والسلفية بالقرنية والجافية، ويتم وصف الشيعة بالرافضة والسنة بالناصبة، والمؤولة بالمعطلة والظاهرية بالمجسمة، وغير ذلك من التهم التي تجدها في كتب المتعصبين يطفؤون بها روح التسامح والمحبة التي كان عليها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.    وإنني أعتقد أنَّ الأمة لومضت في خيارها الحضاري الذي كنا فيه في العصر الذهبي الإسلامي لكان من شأن الصوفي أن يقول قالت السادة السلفية والسادة الوهابية، ولكان من شأن السلفي أن يقول السادة الصوفية والسادة السالكون، وكذلك في إطار الإخاء الإسلامي: السادة الجعفرية والسادة الاسماعيلية والسادة الإباضية والسادة الموحدون والسادة العقلانيون والسادة التجديديون والسادة السنة والسادة من علماء أهل البيت، وغيرها من الألقاب المحببة لكل قوم، عملاً بسنة النبي صلى الله عليه الذي كان يدعو الناس بأحب أسمائهم إليهم.  إنَّ الدور الذي ننتظره من التيار الوسطي اليوم هو إحياء ثقافة التكامل بين علماء الأمة وإعذار المختلف وتعزيز المشترك، والإسهام العلمي والفكري في الوحدة الإسلامية، وهو المعنى الذي نادانا إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّـةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}. 6/3/2012    
الكاتب

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.