شرعت العبادات لأهداف روحية ونفسية واجتماعية وأخلاقية وصحية، ولم تشرع لمجرد الخضوع والطاعة لرب العالمين فحسب، فقال عز وجل" : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون"، فالعبادات شرعت امتثالاً وطاعة لله عز وجل، ولتربية النفوس، وتهذيب الأخلاق، وسمو الروح، وتوجيه الجماعة نحو الكمال والاستقامة، وتوثيق العرى الإجتماعية وتحقيق التكافل الإجتماعي، وإزالة الأحقاد، وإيجاد التعاون القوي بين أفراد المجتمع، فإذا أخذ جانب من الأحكام، وقصر الإنسان في الاداء الكامل والصحيح، فإن هذه الأهداف ترتفع، وتصبح أشكالاً جوفاء، لا فائدة منها، ولا ثواب لها، وهذا ما صرحت به النصوص الشرعية، وحذرت من الآفات التي تحبط العمل.
العبادة نبع فياض مبارك لتقوية نواحي الخير والجمال والصدق في فكر الإنسان وسلوكه، وهو دواء سحري يُصلح أهواء النفس ونزعاتها الشريرة فيجعلها شبيهة بالملائكة، والإنسان الصافي الذي يتوجه إلى هذا النبع كل يوم عدة مرات بالفكر والذكر والممارسة هو إنسان عازم على السير في درب " الإنسان الكامل" ويكون قد عثر على الملجأ الذي يحفظه من دسائس شياطين الإنس والجن، إن كثيراً من الذين تعلقت قلوبهم وأرواحهم في فضاء لا روح فيه يمضون حياتهم وراء مسائل نظرية وخيالية، وهي في حقيقتها سراب خادع، وظلمات لا نهاية لها في بحر لجي.
صور الرسول الكريم حالة مرضية شائعة اليوم في المجتمع، وتصدر عن كثير من الأفراد، وهي حالة شاذة عن الدين النقي، بعيدة عن الحق، تتنافى مع التدين الصحيح، والتربية الإسلامية القويمة، يعرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحوار مفتوح واستنتاج مقنع، ليقرب إلى الأذهان حكماً شرعياً، بقياسه على حالة مادية معروضة، قال عليه الصلاة والسلام " أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، فقال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طُرح في النار".
عرض الحديث الشريف نماذج متعددة لما يجري في حياة المسلمين اليوم، من تمزيق الدين، وحصر شعائره في زاوية المسجد، وفي إطار العبادة فقط، وفصل الدين المهذب عن الحياة والواقع، وكأنه لا علاقة له بالأخلاق العامة، والسلوك الإجتماعي، والتعامل المالي، فالتدين في نظر كثير من الناس، علاقة بين الإنسان وربه، وأما علاقة الإنسان بالمجتمع وبني جنسه فتحكمها الأهواء، والرغبات، والجشع والطمع والمادة، وغفل هؤلاء عن قوله تعالى " كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً" وكأن الرسول الكريم ينظر إلى ما سيصير إليه المسلمون من انفصام الشخصية وفصل القول عن العمل، وحصر العبادة في زاوية مهملة أو ميتة، وفقدان تأثيرها على الحياة والتعامل المالي مع ضياع الزمن والوقت وهو أغلى رأسمال الإنسان، فالإسلام دين الحياة، ونظام المجتمع الفاضل، وهو كل لا يتجزأ أنزله الله رحمة للعالمين، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. إنّ صلاة المرء وصيامه وزكاته لا تنفعه شيئاً إن لم يستقم قولاً وفعلاً واعتقاداً على أمر الله، ولم يقف الأمر عند ذلك، فإن حسنات من أساء وظلم غيره لن يبقى منها شيء، إن أصر على ظلمه، بل سيأخذ من سيئات الآخرين وأوزار أعمالهم فتطرح عليه، وهذا هو المفلس الحقيقي في نظر الشرع الشريف، وقد جمع الحديث الشريف بين حقوق الله تعالى في العبادات، وبين حقوق العباد في حفظ الدم والمال والعرض، وقابل بين الأداء والترك فيهما، وأن الإكتفاء بأداء حق الله تعالى لا يغني عن حق العباد، وفوق ذلك فإن حقوق الله تعالى تنفع فيها التوبة المخلصة والإنابة إلى الله، قال تعالى" وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى"، أما حقوق العباد فلابد من أدائها بذاتها، أو قضائها بمثلها، أو ضمانها بعوض لأصحابها، وإلا بقيت في ذمة الإنسان، ثم يسأل عنها ويحاسب بسببها، لهذا يرشد القرآن الكريم إلى الإلتزام بالدين وأحكامه، قال تعالى" يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم" فأعظم العبادة هي معرفة الله تعالى وحبه وإفادة الناس والمؤمن الصادق هو الذي يبحث عن الحق دائماً ويدور معه حيثما دار.
الكاتب