حقي وحقك !

في جامعات العالم المختلفة كليات تسمى كليات الحقوق وأحيانا تسمى كليات القانون، وفي دساتير العالم بأسره أبواب للحقوق، وأحق الحق هو الله تعالى، وكتابه حق ورسوله حق وكل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم حق والحقوق إنما شرعت لكي تنظم حياة البشر وما مثل الحقوق إلا مثل إشارة المرور وظيفتها أن تسير كل الاتجاهات وتضبط حركة كل السيارات دون تصادم وبذلك نحافظ على سلامة كل مرتادي الطريق  باتباعنا اشارة المرور كما نحافظ على السلم الاجتماعي بمراعتنا لحقوق بعضنا البعض والمنبع الأصيل الذي نبعت منه الحقوق حديث النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين: قَالَ يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ قُلْتُ(معاذ رضي الله عنه) اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ، وَلاَ يُشْرِكُوا بِه شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ  لاَ يُشْرِكُ بِهِ شيئا [صحيح البخاري ـ] فإذا كان الله تعالى هو الذي أوجد العباد من العدم وهو الذي يمدهم بأسباب الحياة ولو قطع عنهم إمداده لتوقفت حياتهم ومع كل ذلك يجعل الله تبارك وتعالى لهم عليه حقا فهل تسقط الحقوق بين البشر  وبعضهم البعض ومنبع الحقوق كذلك أن الله منح هذا الإنسان ما لم يمنحه لأحد من مخلوقاته {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [الإسراء: 70]حيث خلق الله الإنسان بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته فكيف تهدر حقوق مخلوق له كل هذه العطايا القوة أو الحيلة لا تؤسس حقا: بعض بني آدم إذا تمكن من شئ انتزعه كان له أو لغيره، فهو يتصور أن القوة تعطيه الحق في أن يأخذ كل ما يقدر عليه وكذلك إذا تمكن من أخذ شئ بالحيلة احتال وقد قيل: ” من كان له حيلة فليحتل” فالأمر مرتبط عند هؤلاء بالقدرة، كانت هذه القدرة بالقوة أو بالحيلة. عندما تتعدد الحقوق: أحيانا تتعدد الحقوق فيجد الإنسان أنه في نزاع بين حق أمه وحق زوجه، وحق العمل، وحق الله، وحق الزوجة الأولى، وحق الزوجة الثانية، وربما يعجز البعض عن أدائها كلها فيتركها كلها وقد بينت السنة النبوية التوازن الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم ليقف موقف القاضي العادل الذي يؤدي الحقوق لأصحابها دون محاباة لأحد ففي صحيح البخاري: أن سَلْمَان رضي الله عنه قال لأبي الدرداء: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَ سَلْمَانُ الحق والواجب: يربط البعض بين أدائهم واجباتهم وبين حصولهم على حقوقهم أو ما يظنون أن  حقوقهم ولهم يقول  رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّهُ سَتُصِيبُكُمْ بَعْدِي أَثَرَةٌ ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ، فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : أَعْطُوا الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ ، وَسَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ [معجم أبي يعلى]، والمعنى والله أعلم أن شخصا كلف بالقيام بأعمال تخدم الناس ،موظف طبيب إلى غير ذلك من المهن يشعر أن حقه مهضوم فهل يُسوّغ له ذلك أن يهمل في عمله أو يؤخر معاملات الناس ويعطل مصالحهم ؟إنه بذلك يرتكب ذنبا كما أنه يعتقد أن من ظلمه حقه قد وقع في الإثم، فإذا عطل كل منهم أعمال الناس توقفت حركة الحياة فما من إنسان إلا ويشعر أن حقه لا يصل إليه وأنه يستحق أكثر مما يأخذ سواء كان هذا الشعور حقا أو باطلا. لا مجاملة في الحق: والإسلام وهو يدعونا إلى أداء ما علينا من حقوق وإن قصر غيرنا يدعونا  كذلك ألا نجامل أحدا في الحق قريبا أو فقيرا (فالحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد)[تفسير ابن كثير]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]فلا ترع غنيا لغناه، ولا تشفق على فقير لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.[تفسير بن كثير] بغض الحق يعمي ويصم: بعض الناس يكره الحق ويتمنى الهلاك ولا يتبعه  {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأنفال: 322] وروي أن معاوية قال لرجل من سبأ ” ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة؟ فقال: أجهل من قومي قومك حين قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ولم يقولوا فاهدنا له ” [ تفسير المنار]، و(هذا أقصى أحوال الجحود والإنكار، حتى إنه ليتوقع شر ما يتمناه المرء إذا كان ذلك صدقا، فيقول: إن كان هذا هو الحق وحده ولا حق سواه، فخير لنا أن تنزل علينا حجارة من السماء أو تأتنا بعذاب أليم من جنس هذا العذاب، فهو ينكر أولا، ويعده شر الأحوال ثانيا، ويصر عن إنكاره، ولو بدت دلائل الحق ثالثا). [ زهرة التفاسير] فريق يتمنى الهلاك ولا يرى الحق ولا يقر به وآخر يقبل على الحق إن كان في صالحه {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } [النور: 48، 49]وإن لم يكن الحق له ولى مدبرا ولم يعقب. نصرة صاحب الحق فطرة: أناس يبغضون الحق وآخرون يجتمعون على نصرة صاحبه يدفعهم  إلى ذلك؛ فطرة سليمة وكراهية للباطل فعقدوا حلف الفضول (وسببه أن رجلا من زبيد [بلد باليمن] قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، ومنعه حقه فاستعدى عليه الزبيدي أشراف قريش، فلم يعينوه لمكانة العاص فيهم، فوقف عند الكعبة واستغاث بآل فهر وأهل المروءة ونادى بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته … ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته … يا للرجال وبين الحِجر والحَجَر إن الحرام لمن تمت كرامته … ولا حرم لثوب الفاجر الغُدر فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وبنو تَيْم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في شهر حرام، وهو ذو القعدة، فتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكونُنّ يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُرد إليه حقه ما بقي جَبَلا ثبير وحراء مكانهما.. ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه. وسمت قريش هذا الحلف حلف الفضول، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر. وفي هذا الحلف قال الزبير بن عبد المطلب: إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا … ألا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا … فالجار والمُعترّ فيهم سالم وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف -قبل النبوة -الذي هدموا به صرح الظلم، ورفعوا به منار الحق، وهو يعتبر من مفاخر العرب وعرفانهم لحقوق الإنسان.. وقال صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» [السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث] محمد عطية - اسلام أون لاين

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.