دماء على جدران الكنيسة

القضية ليست في‮ ‬الاحتقان الطائفي،‮ ‬وهذه حالة لا ننكر شواهدها،‮ ‬وحالة الوجع الطائفي‮ ‬ـ تلك ـ‮ ‬يمكن أن‮ ‬يواجهها ويعاني‮ ‬منها أي‮ ‬مجتمع،‮ ‬وكما‮ ‬يحدث في‮ ‬الجسم الإنساني،‮ ‬والأوطان في‮ ‬الأصل والأساس مجتمعات إنسانية‮!! ‬وقد حدث ويحدث مثل هذا‮ »‬الوجع‮« ‬الطائفي،‮ ‬وسواء كان المجتمع إسلاميا أو مسيحيا خالصا،‮ ‬حدث بين الأرثوذكس والبروتستانت حتى اشتعلت الحرب بين الطائفتين عام‮ ‬1625،‮ ‬وحدث ويحدث هذا الاحتقان بين السنة والشيعة‮.. ‬وكما‮ ‬يقولون‮ ‬يمكن شيطنة أي‮ ‬دين من خلال عدم فهم شرائعه في‮ ‬سياقها الصحيح‮!!‬ ‮-‬القضية أكبر وأخطر،‮ ‬ولكنها ـ فيما أظن ـ‮ ‬غائبة عن الوعي‮ ‬وهي‮ ‬فوق رؤوسنا،‮ ‬وكأننا في‮ ‬حالة أسوأ من حالة الغياب عما‮ ‬يدور حولنا وضدنا،‮ ‬وحتى أننا لم نصدق الكاتب الصحفي‮ ‬الشهير روبرت فيسك حين حذرنا بأن الغرب‮ ‬يحاول رسم خرائط كراهية وفتنة طائفية في‮ ‬الشرق الأوسط،‮ ‬حتى‮ ‬يزرع الخلافات والانقسامات بين سكانها،‮ ‬وأنه نجح في‮ ‬ذلك داخل العراق ولبنان ومصر‮..‬‭ ‬وحتى إذا صدقنا الرجل فإننا نخاف مما صدقناه ونهرب منه‮!!‬‭ ‬وفي‮ ‬محاضرته بالمركز الثقافي‮ ‬البريطاني‮ ‬قبل أربع سنوات تقريبا،‮ ‬قال روبرت فيسك‮: ‬إنني‮ ‬منذ حوالي‮ ‬20‮ ‬سنة شاهدت خريطة لمصر تقسمها إلى دويلتين إحداهما مسيحية في‮ ‬الصعيد وأخرى مسلمة في‮ ‬الدلتا،‮ ‬والخريطة ملونة بالأخضر والأزرق،‮ ‬كما كان‮ ‬يفعل في‮ ‬‭ ‬بلفاست عندما كانت المناطق البروتستانتية تلون بالبرتقالي،‮ ‬والكاثوليكية بالأخضر‮!!‬ ‮- ‬‭ ‬ولم نلتفت ـ ولو بقدر من الحيطة والحذر ـ إلى ما كشفت عنه عشرات الوثائق من نوايا ومخططات تستهدف تمزيق نسيج الوحدة الوطنية في‮ ‬مصر،‮ ‬ومنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ مخطط إسرائيلي‮ ‬لتفكيك مصر إلى ثلاث دويلات‮ ‬‭: ‬قبطية وإسلامية ونوبية‮!! ‬وقبل‮ ‬28‮ ‬عاما تقريبا كشفت مجلة‮ ‬Directions‭  ‬التي‮ ‬تصدرها إدارة الاستعلامات بالمنظمة الصهيونية العالمية في‮ ‬عددها بتاريخ فبراير سنة‮ ‬1982‮ ‬عن خطة تقسيم الوطن العربي‮ ‬إلى دويلات عرقية وطائفية،‮ ‬وهي‮ ‬من أخطر الوثائق الصهيونية الحديثة،‮ ‬وتسمى بالمخطط الصهيوني‮ ‬للشرق الأوسط‮ ‬The Zionist Plan for The Middle East‭  ‬‮ ‬والتي‮ ‬وضعها‮ ‬‭ ‬عوريد بنيون‮ ‬‭ ‬مستشار الأمن بالخارجية الإسرائيلية في‮ ‬عهد مناحم بيجن والتي‮ ‬قام بترجمتها إلى الإنجليزية الكاتب اليهودي‮ ‬إسرائيل شاهاك‮ ‬‭ ‬أستاذ الكيمياء العضوية بالجامعة العبرية،‮ ‬وتظهر الوثيقة الخطط الصهيونية الرامية إلى تفتيت العالم العربي‮ ‬وتقسيمه،‮ ‬على اعتبار أن ذلك‮ ‬يمثل الحد الأمثل لما ستواجهه إسرائيل من تحديات أمنية في‮ ‬المستقبل‮!!‬ ‭ ‬ويقول عوريد بنيون اليوم أمامنا فرصة ممتازة لتغيير الموقف بدقة متناهية،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يجب عمله خلال العقد المقبل،وإلا فإننا لن نستمر ولن‮ ‬يعود لنا بقاء كدولة،‮ ‬وان هدف إسرائيل السياسي‮ ‬على الجبهة الغربية‮ ‬يتلخص في‮ ‬العمل على تقسيم مصر إلى مناطق إقليمية متميزة،‮ ‬وأن التفاصيل العرقية والاجتماعية للتجمعات السكانية في‮ ‬مصر،‮ ‬والجماعات الدينية القبطية والإسلامية المنتشرة في‮ ‬ربوعها،‮ ‬هي‮ ‬الركائز التي‮ ‬ينهض عليها تقسيم مصر إلى ثلاث دويلات‮: ‬الدويلة القبطية الممتدة من جنوب بني‮ ‬سويف في‮ ‬مصر العليا حتى جنوبي‮ ‬أسيوط بامتداد‮ ‬غربي‮ ‬يضم الفيوم وبخط صحراوي‮ ‬طويل‮ ‬يربط هذه المنطقة وبداخلها وادي‮ ‬النطرون ـ اسكندرية‮.. ‬أما الدولة الثانية فهي‮ ‬دويلة النوبة الممتدة من صعيد مصر حتى دنقلة في‮ ‬شمال السودان‮.. ‬أما الدويلة الثالثة فهي‮ ‬تشمل مصر الإسلامية والتي‮ ‬تضم المنطقة من ترعة الإسماعيلية والدلتا حتى حدودها مع الدويلة القبطية‮ ‬غربا وعند هذا الحد‮ ‬يصبح طبيعيا أن تتقلص حدود مصر تماما من الجهة الشرقية‮!!‬‭ ‬ ‮- ‬‭ ‬والدماء التي‮ ‬تناثرت على جدران كنيسة القديسين في‮ ‬الإسكندرية‮.. ‬هي‮ ‬دماء مصرية تكشف بدورها عن مشاهد جديدة في‮ ‬المؤامرة القذرة،‮ ‬وقد سبق للجنرال ويسلي‮ ‬كلارك أن كشف في‮ ‬كتابه‮ »‬كسب الحروب الحديثة‮ ‬‭ ‬العراق،‮ ‬والإرهاب،‮ ‬والإمبراطورية الأمريكية‮« ‬عن سيناريو هندسة الفتن في‮ ‬منطقتنا‮.. ‬والجنرال‮ ‬‭ ‬كلارك واحد من رجال المؤسسة العسكرية الأمريكية،‮ ‬وعلى صلة وثيقة بوزارة الدفاع الأمريكية‮ ‬‭ ‬البنتاغون ونافذا إلى ما وراء أسوارها‮..‬‭ ‬وهو‮ ‬يقول مستندا إلى معلومات من مصادرها العليمة أن السياسة الأمريكية الحالية لتغيير الشرق الأوسط والتي‮ ‬بدأت بمسمى الحرب على الإرهاب في‮ ‬العالم،‮ ‬هي‮ ‬سياسة كانت مجهزة من قبل أن‮ ‬يقع الهجوم الإرهابي‮ ‬في‮ ‬الحادي‮ ‬عشر من سبتمبر‮ ‬2001‮ ‬‭!! ‬والقصد،‮ ‬أو المعنى،‮ ‬أن المخطط كان قائما على اللعب بورقة الإرهاب وصناعة مجموعة القاعدة‮ ‬‭ ‬وهي‮ ‬أسوأ وأخطر أداة تلعب بها الأجهزة الاستخبارية الأمريكية‮!!‬ ‮- ‬وفي‮ ‬قصة طويلة ومتواصلة من هذا النوع،‮ ‬ومعقدة بالخفايا والخبايا على هذا النحو،‮ ‬فقد جاء الشيطان‮ ‬يلبس مسوح الطهارة بالدعوة لحماية مسيحيي‮ ‬الشرق،‮ ‬ثم وبدعم صقور الحزب الجمهوري‮ ‬الأمريكي‮ ‬عقد مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في‮ ‬الشرق الأوسط سنودس في‮ ‬الفاتيكان‮  ٩/٠١/٠١٠٢ ‬لبحث مشاكل مسيحيي‮ ‬الشرق الأوسط والظروف القاسية التي‮ ‬يواجهونها في‮ ‬هذه المنطقة المضطربة،‮ ‬وتأثير التشدد الإسلامي،‮ ‬والنزوح المتواصل للمسيحيين من المنطقة‮.‬ وبعد ثلاثة أسابيع جاءت مذبحة كنيسة‮ »‬سيدة النجاة‮«‬‭ ‬في‮ ‬العراق لتؤكد ـ كما‮ ‬يريدون ـ ما حذر منه مؤتمر سنودس،‮ ‬وكلما ارتفع صوت المطالبة بحماية المسيحيين كانت الحوادث فيما بعد تأتي‮ ‬لصالح التحذير‮ ‬‭.. ‬هل هي‮ ‬مصادفة ؟‮!‬ ‮- ‬وإذا كانت السياسية الأمريكية لها السبق في‮ ‬اعتماد سياسة خارجية‮ ‬يلعب الدين فيها دورا بارزا،‮ ‬وهي‮ ‬استراتيجية محورها التنسيق مع الحركات الدينية والاستفادة من الانفجارات الدينية مهما كان نوعها،‮ ‬فإن مخطط التفكيك وضرب الوحدة الوطنية‮ ‬يتجاوز حدود مصر إلى المنطقة العربية كلها،‮ ‬وأخشى أن نكون مقبلين في‮ ‬منطقتنا على مرحلة عنف لا أعرف إلى أين تقودنا؟،‮ ‬والشواهد السابقة واللاحقة تنذر بما هو قادم من مخاطر اللعبة القذرة‮.‬ فتحي خطاب منقول عن العرب اليوم بتاريخ:5/1/2011

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.