أ. د. محمد خازر المجالي
يُكثر القرآن من الحديث عن حوار المؤمنين الفائزين مع الكافرين الخاسرين. ولكل حوار طبيعته الملائمة لموضوع السورة التي ورد فيها وسياق الآيات. وفي سورة "المؤمنون"، فإننا من اسمها نلحظ الحديث عن صفات المؤمنين في أولها، حيث الخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، وأداء الزكاة، وحفظ الفروج، ومراعاة الأمانات والعهود، والمحافظة على الصلاة. وتتحدث الآيات عن بدء خلق الإنسان من طين، وهي مقدمة أيضا لبيان طبيعته وضرورة أن لا يتكبر ولا يتجبر، ثم حديث عن بعض آيات الله تعالى الدالة على قدرته، وحديث مختصر عن قصة نوح عليه الصلاة والسلام وتكذيب قومه له، وما حل بهم من العقوبة، وحديث عن قوم هم على الأرجح "عاد" وتكذيبهم نبيهم وما حل بهم، وهكذا شأن الرسل جميعا في حالهم مع أقوامهم، إلى أن جاء الحديث عن موسى وعيسى عليهما السلام وبني إسرائيل، والحال هي هي؛ حيث التكذيب والإعراض.
بعد ذلك، يعرض السياق جملة أخرى من صفات المؤمنين؛ فهم أهل خشية، ومؤمنون بآيات ربهم، ولا يشركون به شيئا، والذين يستصغرون فعلهم وقلوبهم وجلة من هول الموقف يوم القيامة، فهؤلاء مسارعون في الخيرات، شأنهم وحالهم وفكرهم يدور مع الخير بيئة وتصورا وعملا، فهم لها سابقون.
ثم يتحول السياق للحديث عن الصنف الآخر، حيث الغفلة والضلالة والإعراض والتكبر والتكذيب، خاصة صنف المترفين، فكانت آيات الله تتلى عليهم ويقابلونها بالإعراض والنكوص، ويتهمون القرآن بالسحر والشعر والكهانة، ويهجرونه. ويعاتبهم القرآن بأنهم لم يتدبروه، ولم يتفكروا في رسولهم وهم يعرفونه حقا، فلا هو مجنون ولا كاذب. ويعنّفهم السياق على مواقفهم المتناقضة، ويذكّرهم بالنشأة مرة أخرى والبعث بعد الموت، وهذه هي الحقيقة التي ينكرها كثيرون مرددين ما قال آباؤهم: "... أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ" (المؤمنون، الآيتان 82 و83). ويأتي الجواب على افتراءاتهم وتعجبهم بعرض جوانب من قدرة الله تعالى، فلم يتخذ ولدا وما كان معه إله، فحينها -لو كان- لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض.
ثم يتحدث السياق عن المصير المحتوم، حيث نهاية كل واحد منا. فالموت حق لا بد قادم، وأول ما يتمناه الإنسان بعد البعث أن يُرجعه الله إلى الدنيا، لعله يعمل صالحا، ولكن هيهات هيهات، فالآيات كانت تتلى، والرسل بلغوا أقوامهم، والحجة أقيمت على الجميع، ولكنها الغفلة واللهو واللعب والطيش والتقليد وإيثار الدنيا على الآخرة، فتعرض الأعمال وتكون الموازين متفاوتة؛ هذا ثقلت موازينه بالخيرات فهو من المفلحين، وآخر خفت موازينه فهو من الخاسرين، "تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ" (المؤمنون، الآية 104)، من شدة العذاب وحر جهنم، حينها يكون الحوار، يكلمهم الله تعالى: "أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ" (المؤمنون، الآية 105)؟ فيكون الجواب: "قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ" (المؤمنون، الآيات 106-111).
حوار مهيب، وعتاب يستحقه هؤلاء الساخرون الضالون المكذبون، فقد غلبتهم الشهوات حين اتبعوها فقادتهم إلى الشقاوة، ووراء ذلك هذا الضلال المبين الذي ساروا فيه وشجع بعضهم بعضا عليه، وواكبه الاستهزاء بالآيات وبالمؤمنين، فزادهم شقاء على شقائهم، وضلالا على ضلالهم، وحيرة على حيرتهم، وحينها يتمنون أن يخرجهم الله من العذاب، وإن عادوا فهم ظالمون، حين يكررون الخطأ ويضلون الطريق مرة أخرى، ولكن الله يجيبهم بأن يخسؤوا ولا يتكلموا، فقد كانت حالهم مع المؤمنين الاستهزاء والسخرية.
لا بد من وقفات في هذا المقام، أهمها أن نستبصر طريقنا ونتفقد إيماننا؛ فكثير منا يزعم الإيمان وحسن الالتزام، وفي قلبه من الأمراض ما فيه، ضغينة وحقدا وتكبرا، وهذه من المهلكات الواضحات.
ولا بد من وضع حد للشهوات التي تقود صاحبها حتما إلى الغفلة، ومعظم الخسران من بابي الشهوات والشبهات. والإنسان العاقل هو الذي يلجم نفسه عن الشهوات، ويأتي منها ما أحله الله تعالى وبالطريقة الحلال، ولا ينغمس فيها فينسى آخرته وواجباته، فالاعتدال في الأمور كلها مطلوب، والنفس طماعة تميل إلى الدعة والراحة غالبا، فلا بد من سياستها وقيادتها، لا أن تقودك هي.
الضلال مصيبة، لأنه حيرة وتردد وتيه، فبدل أن يلتمس أحدنا الصراط المستقيم ليتبعه، وهو الذي يقود صاحبه حتما إلى خيري الدنيا والآخرة، فإنه إن لم يحرص على ذلك فهو الضلال المبين، وصدق الله: "أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الملك، الآية 22). فهذا الضلال هو الذي يؤهل للشقاوة، وهو الذي يؤهل للسفه، والعبودية للبشر، ومن ثم الفساد العام، ومثل الضلال الفسق وهو الخروج عن الطاعة. وهؤلاء قوم فرعون عاشوا فيه فلما استخفهم فرعون أطاعوه بسبب هذا الفسق: "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (الزخرف، الآية 54)، وحينها تجبر وطغى وقال أنا ربكم الأعلى.
الضلال والفسق وغيرهما مما يظنه بعض المسلمين أمورا عارضة، ستورث في النفس قسوة وكبرا وإعراضا وتيها، وحينها يكون المجتمع ضالا منغمسا في الشهوات والأنانية، ولن يكون مجتمع غيرة ولا همة ولا قوة. وحين يتحول أفراد المجتمع إلى باحثين عن ملذات وحقوق شخصية وشهوات يلبونها، حينها فقد تودّع منهم، والمصير هو الخسران المبين، ليس في الآخرة وحدها وهي الأهم، وإنما في هذه الحياة التي ظنوا أنهم يعمّرونها، وهي في الحقيقة مذلة وخذلان.
ومن عجيب السورة أن الله يختمها بأننا لم نخلق عبثا، وأننا لن نرجع إليه: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ" (المؤمنون، الآيتان 115 و116). فالعبثية مستحيلة عليه سبحانه، بل نحن مخلوقون لغايات الخلافة وحمل الأمانة وعبادته وحده لا شريك له، فلنتبصّر.
"ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين"