مناسبة القصيدة:
التقيته عام 1980م في لندن، تجاوز الستين من عمره، رأيته يبكي بحرقة، سألته ما الذي يبكيك، فأجاب ليتني بقيت فلاحاً في مصر أمياً لا أعرف القراءة والكتابة وما جئت إلى هنا.
واسترسل قائلاً: عندما أنهيت الثانوية العامة جئت إلى بلاد الغرب تعرفت على ممرضة من النرويج كلمتها عن الإسلام فأسلمت، ثم تزوجتها وأنجبت منها، وبعد ذلك مشيت في طرق الانحراف، كانت تراني أعاقر الخمرة، فتسأل: أليست بحرام؟ فكنت أجيبها: إن الله يقول: «»ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى»» وهكذا كلما رأتني على منكر إلى أن اكتشفت أنني أكذب وأخادع، فارتدّت عن الإسلام وهجرتني. كبر الأولاد، ابنتي تعيش مع صديقها بلا زواج، وابني يعيش مع صديقته بلا زواج، ولا أستطيع أن أفعل شيئاً.
لقد حصلت على ثلاث شهادات دكتوراه في الطب النفسي، وإنني أتقن أربع لغات عالمية، وحصلت على شهادة جامعية في الحقوق، وترقيت في المناصب العلمية إلى أن أصبحت مديراً لمؤسسة طبية مشهورة (لا أريد أن أذكر اسمها حتى لا يُعرف هذا الرجل) ولقد حصلت على كثير من الشهرة وعلى كثير من المال، ولكن وكما قلت لك ليتني بقيت فلاحاً أمياً في مصر لا أعرف القراءة والكتابة ولما جئت إلى هنا.
ذكرت هذه القصة في خطب الجمعة في أكثر من مسجد لتكون عبرة لمن اعتبر، ورجوت الله أن يكون قد غفر لصاحبها.
عفا الله عنه فما زالت دموعه أمام عينيّ، أنظر إليه أراه يتعذّب وأراه في داخله طيّباً حزيناً مثيراً للشفقة.
لم تغب صورته عن عيوني ولا دموعه، وجاءت هذه القصيدة:
يا رب قد ضاقت عليّ شعابها
وفضاؤها حجبٌ من الظلمات
يا ويح نفسي في الذنوب أسيرة
ويشدّني قيد من الزلات
وتئنّ من لفح الهجير جوانحي
بالهم مثقلةٌ وبالجمرات
فدعوت ربي والدموع غزيرة
فاضت بها عيني من الكربات
يا رب إن عزّ المجير فأنت لي
برد الملاذ وواحة الرحمات
شاهدت زرع الجهل يوم حصاده
يجني على الزراع بالحسرات
ورأيت ثوب الجهل يفضح ربه
لو لاذ يُخفي السوء والآفات
فسألت ربي أن يديم بعفوه
ستر الذنوب وسائر الهفوات
وسألته سبل النجاة تُقيلني
من عاتيات البغي والعثرات
يا رب إني قد غويت جهالة
وأضعت في جهلي من السنوات
تاهت خطانا في ظلام خطيئتي
بالمغريات ولذة الشهوات
حتى إذا ضاء المشيب بلحيتي
وغدوت شيخاً واهن العضلات
ورأيت حبل الموت يطوي صاحبي
وصحا الفؤاد بعد طول سبات
فأفقت من حُلُمي لأفتحَ مصحفي
يُحيي القلوب تدبر الآيات
أبصرت في القرآن نور بصيرتي
ووهبت للقرآن كل حياتي
وسجدت للرحمن أرجو عفوه
فهو الكريم يجود بالنفحات
يا رب قد أخنت عليّ جريرتي
وجراب زادي خاوي الحسنات
ولقد أتيت إلى رحابك تائباً
فاقبل إلهي صادقَ العَبَراتِ
الكاتب