ظاهرة العنف في المجتمع الأردني
أسبابها ودوافعها
أ.د.محمد القضاة
المتابع والمراقب لحوادث العنف المتكررة في مجتمعنا الأردني أصبحت لافتة للنظر، وقد امتدت وتوسع نطاقها، نسمع عنها في المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز الصحية، كما نلحظها في المدن والقرى والبادية، وهذه الظاهرة تستدعي من العقلاء والحكماء وأصحاب القرار الوقوف للتعرف على الأسباب الدافعة لهذا السلوك الشائن الدخيل على البناء الإجتماعي الوطني الأصيل، الذي جرد صاحبه من الخلق والدين والحس الوطني والإنتماء الحقيقي للمواطنة الصالحة.
إن النار العظيمة التي يوقدها جاهل أحمق تبدأ من مستصغر الشرر ومن المعلوم أن معظم الخلافات والنزاعات التي تحدث في بلدنا بدايتها كلمة غير مسؤولة أو تصرف غير لائق، ونظراً لعدم تطويق النزاع من العقلاء، فإن أصحاب النفوس المريضة تتنادى من أجل تنفيس الكبت السلبي الكامن في أعماقها، مما ينتج عنه الآثار المدمرة التي تطال النفوس والأرواح والبنى التحتية، وهذا ينعكس سلباً على الحياة العامة والعلاقات الإجتماعية مما يسعر نيران العداوة والبغضاء من أجل تعظيم العصبية المقيتة التي دعا الإسلام إلى وأدها.
أنا لست ضد العشيرة ولكني ضد الممارسات الخاطئة التي تظهر من بعض أفرادها، بل وتكرس هذه الممارسات في عقول الناشئة لإظهار قوة وعدد العشيرة وأن حماها مصون، والأجدر بحكماء العشائر الأردنية وقادتها أن يكون أبناؤها المثل الأعلى في الخلق النبيل والإلتزام الشرعي المحمود، وأن يعلنوا للجميع الآية الكريمة التي تنقي الروح والعقل والنفس من نزعات الشياطين ومن صرعة الجاهلية :" ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"، وأن ثقافتنا الدينية والوطنية مبناها على التسامح وفعل الخير والإبتعاد عن الرذائل التي تحط من قدر ومكانة الإنسان الشريف، وإلا فأين نحن من قوله عزوجل :" والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين".
إن شبابنا يعانون من الفراغ القاتل في حياتهم، في المدارس والجامعات والمعاهد، وربما في جامعتنا ومعاهدنا طلاب كثر لا يعرفون أبواب المكتبة، وإذا طلب منهم تقرير أو بحث، فإنهم يعانون المشقة للوصول إلى المراجع الخاصة، نظراً لبعدهم عن العلم وانشغالهم بصغائر الأمور وخاصة إذكاء روح العصبية المقيتة أو العنصرية الحالقة، ولأن الأسرة والجامعة قصرت في التوجيه السليم والرعاية الكافية لبناء شخصية الطالب على أساس المعرفة والقيم الصحيحة التي تخلق منه انساناً متكامل البناء فكراً وممارسة، والدور منوط بإتحادات الطلبة في الجامعات والكليات العلمية، لم لا تشكل لجنة فاعلة لفض النزاعات والصراعات بين الطلبة، لم لا تعقد المحاضرات والندوات المتخصصة لبناء الجسم الطلابي الرائع الرائد، حفاظاً على اللحمة الواحدة، وأن يوجه العلماء في كافة المعارف والتخصصات الطلبة للبحث العلمي الذي ينفع البلاد والعباد، حتى لا يبقى ابناؤنا في دوامة الضياع.
أهلنا في القرى والمدن والبادية أسرة واحدة في السراء والضراء، يلتقون على صحن واحد في كافة المناسبات، لم يسمحون لحالات العنف تستأسد بينهم لم لا يضربون بيد من حديد على مرضى النفوس الذين يودون تعكير أمن وأمان المواطن على قضايا تافهه تحل لو عرضت على العقلاء، حتى ننصف المظلوم ونأخذ على يد الظالم لردعه عن غيه وتمرده على قانون الحق.
الكوادر الطبية التي يعتدى على بعضها في المستشفيات أو المراكز الصحية أمر يتنافى مع أبسط قواعد الأخلاق والآداب، لأن الطبيب أو الممرض يبذل غاية جهده من أجل تخفيف الألم أو المعاناة عند مريضه، ويستحيل أن يبخل بنصيحة مخلصة لمرضاه، فالإعتداء على هذه الشريحة المميزة خرق للقانون والأخلاق في أبسط تقييمه، لأن من يحافظ على أرواحنا وأجسادنا يستحق منا التقدير والإحترام.
وحتى نخفف من وطأة العنف الدخيل على حياتنا الإجتماعية، لا بد من تشديد العقوبة على مرتكبي جرائم العنف بإختلاف أنواعها، وألا يتهاون القضاء معهم، حتى نربي ونردع ونزجر أصحاب هذه النفوس المريضة المأفونة، وحتى يكونوا عبرة لغيرهم، وصدق الله العظيم:" ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"، ويجب أن تتضافر جهود المؤسسات الدينية والتربوية والإجتماعية من أجل التوعية المكثفة الواسعة لجميع شرائح أبناء الوطن وأن نعمق الوازع الديني في النفوس عن طريق وسائل الإعلام المختلفة حتى نقضي على الفتنة العمياء في مهدها.
الكاتب