عن الكم المتصل لأمة العرب

ابراهيم العجلوني نقرأ في توصيف الهندسة بأنها تتعلق بالكم المتصل على حين يتعلق الحساب بالكمّ المنفصل. والكم المنفصل قابل لأن يتخذ صفة الكم المتصل في حال كانت وحداته متناظرة او متشاكلة او كان ثمة انسجام ذو طابع بنيوي بينها. وفي تعليق لأحد المهتمين بمؤسسة القمة العربية نجد توكيداً على أن العرب ما لم يكونوا كمّاً متصلاً ونوعاً متميزاً منسجماً فإنهم سيظلون ينحتون في صخر التجزئة والتناحر كما سيظل وطنهم الكبير مطمعاً للطامعين ومتقحماً للمتقحّمين. ما يضمن الاتصال المطلوب للكمّ التي ترامت اطرافه او يضمن العضوية الحميمة لأمة العرب هو القيم والاخلاق والمروءات, التي بُعث النبي محمد عليه صلوات الله وسلامه عليه ليتممها او ليذهب بها الى كمالاتها. والعرب, بما كرّمهم الله به من التنزيل الحكيم الذي جاء مصدقاً لما بين يديه من دعوات الرسل جميعاً, وبما اوتوه من نعمة سابغة وما انبسط عليه ظلهم من ارض الله, هم الاجدر بأن يكونوا «الامة الوسط» الشاهدة على الامم, واذا كانت قد تظاهرت عليهم الظروف الصعبة والنكبات والفتن والائتمارات, وحيل بينهم ووبين التقاط أنفاسهم, وتوالت الكيود عليهم حذر ان يتحدوا ويجتمع شملهم ويستأنفوا مسيرتهم الحضارية, فإن فيهم من ارادة النهوض والانبعاث ومن ذخائر الهمم ما لو تحقق جزء منه لكانت حالهم غير هذه الحال التي يعالجونها, ولتهيّبهم اعداؤهم ولحسبوا في الصغيرة والكبيرة حسابهم. إنه إمكان قائم لتحقيق الكم المتصل للقوى العربية او لانجاز المتحد الأتم الذي يؤطر الوجود الانساني لأمة ذات رسالة هي المدخل الامثل لدخول البشرية في السلم كافة, حيث لا عدوان ولا تظالم ولا تناحر. بل عدل وقسط ووئام, وما شئت من تكريم للانسان (من حيث هو انسان) واحترام. ونحن, في كل حال, متفائلون تفاؤلاً موضوعياً, بوحدة الوجدان العربي المشترك وبأعماقه الروحية وأبعاده القيميّة, وبقدرته على اعادة تلك العضوية الحميمة الى امة محمد (مسلمين ومسيحيين) وعلى حسن قيامها بأعباء رسالتها الخالدة في العالمين.. على أننا نعلّق تفاؤلنا بشروط, ونرفقه بتحفظات او بألوان من التخوّف, فهو ليس بالتفاؤل الذي نعمى معه عن حجم الفساد في واقعنا ولا عن تخبّط الوعي او تلدّده او ذهوله او عن استلابه, فتلك آفات ترسّخت ولا بد لاقتلاعها من جهود متصلة وارادات ماضية, ولعلنا لا نملك لهذه الآفات دفعاً ما دامت انظارنا متجهة نحو الغرب والشرق, نقلّب وجوهنا في آفاقهما بحثاً عن انموذج للنهوض, على حين تتوافر لدينا اسباب نهوضنا الذاتي ومقوّماته: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول. إننا متفائلون لما بين ظهرانينا من ذخائر ولما ننطوي عليه من عزائم. ولكننا حذرون لما نعلم من تظاهر قوى البغي علينا ولما نعلم من وقائع الاختراق المبرمج لواقعنا ولوعينا على حد سواء.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.