فلسفة التّعليم: ليس بـ"الصّيد" وحده يحيا الإنسان

د. نارت قاخون لن تجد أحداً يجادل في أهميّة التّعليم ودوره في نهوض الأفراد والمجتمعات والأمم، فالعلم وتحصيله يحظيان بموقع أولويّ في الوعي الإنسانيّ بوصفهما مزايا حضاريّة تقدميّة وشروطاً لها. لكنّ هذا الاتّفاق في أهميّة التعليم لا يوازيه اتّفاق في الإجابة عن جميع الأسئلة المنبثقة من سؤال التعليم، مثل: لماذا نتعلّم؟ وهو سؤال فلسفة التّعليم. وماذا نعلّم؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ وهي أسئلة تتفرّع من إجابة سؤال "لماذا نتعلّم؟". ورغم أنّنا نجد أدبيّات وفلسفات متعدّدة للإجابة عن سؤال "لماذا نتعلّم؟"، نقرأ بعضها في ديباجة الكتب والمناهج المدرسيّة فيبدو جميلاً وعميقاً، إلا أنّ كثيراً من هذه الأدبيّات والدّيباجات لا تخلو في عمقها من اختلالات بنيويّة، وفجوات فلسفيّة، وحيوداً عن بعض الأسئلة المركزيّة في أسئلة فلسفة التّعليم. وأوّل هذه الحيود المسبّبة للاختلالات هو أنّ عنصر العمليّة التعليميّة الأوّل والأهمّ الذي تبنى فلسفة التّعليم لأجله، ويقاس نجاح العمليّة كلّها به "غائب" أو "مغيَّب" عن سؤال فلسفة التّعليم، مع أنّ السّؤال لغويّاً يوجّه له ويفترض وجوده افتراضاً وجوبيّاً، وهذا العنصر هو "المتعلِّم نفسه". فنحن حين نسأل "لماذا نتعلّم؟"، فإنّ السّؤال مطروح على المتعلِّم، وجوابه مطلوب منه. لكنّ واقع العمليّة التّعليميّة يجعل السّؤال موجّهاً لمن يعلِّم، أو المسؤول عن تعليم الآخرين لا المتعلِّم نفسه. فهل لهذا الاختلال آثار سلبيّة في العمليّة التعليميّة برمتها؟ ثمّ، هل يُمكن إصلاح هذا الاختلال؟ أبدأ بالسّؤال الثّاني لأصل به ومنه إلى الأوّل. فرضت طبيعة النّمو الإنسانيّ وطول مدّة طفولته التي زادت من حاجة الفرد إلى رعاية الآخرين له، أن تتقلّص ذاتيّة الإنسان إلى أضيق مساحاتها، ولا سيّما في مراحل الطّفولة التّكوينيّة لصالح أدوار الآخرين ابتداء بالأبوين مروراً بالأسرة ومؤسّسات المجتمع الدّينيّة والتعليميّة والتربويّة. ولأنّ الإنسان في أحد تعريفاته "صانعٌ للثّقافة والمعاني ومصنوع بها"، وهو "كائن اجتماعيّ" يتحقّق وجوده بالانتماء لجماعة، أمست عمليّة التنشئة والتربية وما يتفاعل معها خاضعة لما يريده الآخرون ويتوقّعونه من الطفل أكثر ممّا تستجيب لما يريد هو من نفسه، فأوّل علامات الهويّة الفرديّة الدّالة على ذواتنا في الاشتباك الإنسانيّ، وهي أسماؤنا، ليست من اختيارنا. فأسماؤنا وضعت لنا ابتداء لتكون علامة يستطيع غيرنا تمييزنا بها، لذلك تعبّر أسماؤنا عن أذواق والدينا وأسرتنا ومجتمعنا أكثر ممّا تعبّر عن رؤية من يحمل الاسم نفسه. ومع الاسم تأتي مجموعة تكاد تكون شاملة من المتوقّعات التي "يجب" أن نخضع لها لنكون "ثمرة" إيجابيّة لعمليّة التنشئة كلّها. لذلك، كثُرت الاستعارات التي تجعل التربية والتعليم فعلاً محكوماً بتوقّعات المربّي والمعلِّم، مثل "بذر البِذار" و"زرع الأشجار وقطف الثّمار"، و"تشكيل العجين"، وهي كلّها تجعل "المتعلِّم" عنصراً سلبيّاً، ومجرّد نتيجة لأفعال الآخرين وإرادتهم. هكذا، فإنّ سؤال "لماذا نتعلّم؟" تحوّل بسبب الخبرة الإنسانيّة إلى سؤال "لماذا نُعلِّم؟"، وليتقلّص حقّ "المتعلّم" حتى كاد أن يزول مع تطوّر المجتمعات، وتطوّر مؤسّساتها التي تفرض بطبيعتها التّكوينيّة مجموعة متوقّعات واجبة لمن ينتمي إليها أو يخضع لمجال نفوذها. وبذلك، فإنّ أيّ منظومة تعليميّة تخضع لمبدأ الوجوب والإلزام، فهي بالضّرورة تستجيب لما يريده واضعو المنظومة التّعليميّة لا لما يريده المتعلّم. وكلّما زادت مساحة الوجوبيّات وقلّت مساحة الاختيارات الجذريّة والفرعيّة، كانت عمليّة التّعليم فعلاً تخليقيّاً تصنيعيّاً يكاد يغتال فرديّة الإنسان وذاتيّته. وهنا أسأل: هل من حقّ الإنسان في طفولته أن يجيب عن أسئلة "لماذا نتعلّم؟"؛ هل من حقّه أن يقول مثلاً: لا أريد التعلّم؟ بوجود أمور أصبحت من مكوّنات الخبرة الإنسانيّة، يغدو الطّفل خارج هذه الأسئلة، ولا يُقبل منه أن يكون صاحب الإجابة؛ فالنّظر إلى الطّفل بوصفه فاقد الأهليّة، ناقص الرّشد، ومنتمياً لجماعةٍ ما بالضّرورة، يُفقده حقّه في الإجابات والاختيارات، فهناك دوماً مَن هم أدرى بمصلحة الطّفل، وأحرص عليه وعلى حاضره ومستقبله منه. والنتيجة أنّ تنشئة الأطفال وتعليمهم وجوبيّاً تهدف إلى تحقيق أحلام الآباء والأهل والمجتمع، وتسعى إلى خلق مواطن أو إنسانٍ صالح وقادر يستمدّ صلاحه وقدرته ممّا يريده الآخرون منه لا ممّا يُريد لنفسه. لقد كان اختراع المدرسة، ثمّ مفهوم "التّعليم الإلزاميّ"، نتاج مجتمع لديه خطّة واضحة لما يريد من أبنائه، أو بعبارة أدقّ نتاج قوى مجتمعيّة واقتصاديّة وسياسيّة تملك القوّة والنّفوذ لتوجب على أبناء المجتمع وأطفاله ما تريد منهم، ليصبحوا جزءاً من معادلة نفوذها وقوّتها حين يكبرون. وبذلك كانت المدرسة والتّعليم الإلزاميّ وسائل لإعداد قوى عاملة وفاعلة في منظومة مجتمعيّة تتحكّم بها مجموعة من المركزيّات الدّينيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة، تعمل على "إنتاج" أفراد وفق "كاتالوج" يُحدّد لهؤلاء الأفراد أدوارهم ومكانتهم المجتمعيّة الممكنة وفق شروط واضعي هذه "الكاتالوجات". وهنا أستعيد مقولة لنيتشه: "يكون الأطفال قبل المدرسة أكثر جهلاً ولكن أذكياء، وفي المدرسة يمسون أقلّ جهلاً ولكن أكثر غباءً أيضاً". وفي عالمنا العربيّ تبدو هذه الأزمة مضاعفة؛ فإضافة إلى المشكلات التي تقوم عليها فلسفة التعليم الخاضع للمدرسة والمناهج والإلزام بذاتها، تظهر في سياقنا العربيّ مشكلة أخرى، وهي أنّ واضعي هذه الفلسفات والخطط لا يملكون إجابات واضحة ومنسجمة مع طبيعة مجتمعاتنا وأدوارها وممكناتها لأسئلة فلسفة التّعليم؛ فإذا كان من يملك خطّة واضحة يعاني من اختلالات بتحوّل "التّعليم" إلى فعلٍ قهريّ تشكيليّ تصنيعيّ، فكيف بمن يستعير مفهوم المدرسة والمناهج والتعليم الإلزاميّ وهو لا يملك تلك الخطّة، أو يسير في خطّة عشوائيّة لا تستجيب لمتطلّبات النموّ المجتمعيّ؟ وهنا أستعير مثلاً يساق في التربية والتعليم لأضعه في مستويات أخلص منها إلى مقترحٍ إجماليّ في فلسفة التّعليم، وهو مثال: "أن تعلّمني الصّيد خير من أن تعطيني سمكة كلّ يوم". وهذا المثل يُمكن أن يُقرأ في المستويات الآتية: الأوّل، "أعطني سمكة كلّ يوم"، وهنا أكون محكوماً لمن يعطيني السّمكة؛ فجوعي وشبعي مرهونان بعطائه. والثّاني، "علّمني صيد الأسماك"، وهنا أتحرّر من عطاء الآخرين الجاهز، ولكنّني لا أتحرّر من قيود عمليّة صيد الأسماك نفسها، فأنا وإن تعلّمتُ الصّيد أحتاج له أدوات. لذلك ننتقل إلى مستوى ثالث، وهو "علّمني كيف أصنع أدوات الصّيد"، حينها أتحرّر من حاجتي وانقيادي لصانع أدوات الصّيد، ولكنّني لا أتحرّر من صيد السمك نفسه بكلّ مستوياته، فأنا ما أزال محكوماً بصيد الأسماك وسيلة للعيش. لذلك، ننتقل إلى المستوى الرّابع، وهو "علّمني كيف أستطيع العيش كما أريد أنا"، فليس بالأسماك وحدها يحيا الإنسان، فقد لا أحبّ السمك، وقد أكون في بلاد لا أنهار ولا بحار فيها؛ فصيد الأسماك سبيل من سبل العيش والحياة، ولكنّها ليست السبيل الوحيد. وأعلم أنّ هذا المثل لا يُساق بحرفيّته، ولكن أردتُ الإشارة إلى أنّ الغائب فيه هو "مهارة الاختيار" والقدرة عليه. وعليه، فإنّ اقتراحي في فلسفة التعليم وإجابة سؤال "لماذا نتعلّم؟"، هو تعليم الإنسان ما يحتاجه من المعارف والمهارات ليكون قادراً في أسرع وقت من عمر نموّه على الاختيار ليُجيب بنفسه عن أسئلة "لماذا نتعلّم؟" و"ماذا أتعلّم؟"، وبعبارة أخرى "علّمني ما أستطيع به أن أكون كما أريد أنا لا كما تريد أنت". والسّؤال الملحّ هنا: هل هذه فلسفة ممكنة ابتداءً؟ هل يُمكن لـ"المُعلِّم" و"منظومة التّعليم" أن تعلّم أبناءها ما يُمكّنهم من اجتراح إجاباتهم واقتراح أسئلتهم وخطط حياتهم بما قد لا يُريده "المعلِّم" أو "منظومة التّعليم"؟ هل يُمكن لشركة "صيد الأسماك وتجارتها" أنّ تعلّم "أبناءها" ما يُمكّنهم من قول: لا نريد صيد الأسماك، ثمّ اجتراح سبلهم الخاصّة في العيش والحياة؟ قلتُ في منشور "فيسبوكيّ" حظي بقبول لافت: "التّعليم شأن أكبر من وزير ووزارة وحكومة، إنّه مشروع دولة ومجتمع وأمّة". والآن أنقلب على نفسي لأقول: "التّعليم شأن أخطر من أن يتحكّم به آخرون على حساب الإنسان المتعلِّم نفسه، ولو كان الآخرون الدّولة والمجتمع والأمّة"، فمن حقّ الإنسان أن لا يصطاد الأسماك، ومن حقّه أن يختار، ولكن الخبرة الإنسانيّة كادت أن تغتال فينا هذا الحقّ وهذه القدرة.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.