قيد من ذهب
بقلم: سارة عبدالله
الهاجس الذي يدفعك إلى التركيز في أدق تفاصيل حياتك: طريقة جلوسك، مشيتك، هندامك، وأسلوب كلامك أيضا.
الهاجس الذي أضعت بسببه الكثير من الفرص والتجارب خوفا من الفشل، وأجلت بسببه الكثير من الأعمال والخطط؛ بحجة إخراجها متقنة بأكمل وجه وصورة. هذا الهاجس الخفي هو المثالية أو وهم الكمال.
جذور هذا الأمر غرست في الطفل منذ نعومة أظافره، فهو يرى الاحتفاء والقبول والحب معتمدين على العلامات الكاملة والسلوك الحسن، ويرى التوتر والقلق على وجه أهله عند قدوم ضيف لهم، فيجدهم يقومون بترتيب البيت، وتغيير شكله، وتغيير لباسهم وكلامهم بشكل مبالغ فيه، حتى الألعاب التي يلعب بها كسوبر مان وباتمان تصدر له فكرة الرجل الخارق المثالي في كل شيء.
خلف قناع المثالية هناك شخصية مهزوزة خائفة من نقد الآخرين والمواجهة، شخصية ذات مخيلة غير واقعية؛ لأنها تضع أهدافا غير قابلة للتحقيق، تريد أن تصل إليها بأي ثمن، وعندما تشعر بأنها لا ترتقي إلى مستوى المعايير التي رسمتها لنفسها، تصبح ساخطة وذات تقدير متدنٍ لذاتها.
من أهم سمات هذه الشخصية: التسويف والتأجيل، وجلد الذات الشديد بأن ما تفعله ليس كافيا، وعدم الشعور بسعادة الإنجاز مهما كان كبيرا، لأنها رفعت سقف توقعاتها ولم ترض باليسير، شخصية غير سعيدة، شخصية مقيدة بقيد من ذهب.
وحتى لا تصبح ضحية للمثالية:
أولا: حاول أن تتبصر بنفسك، وتعرف وسعك، وتتيقن بأن الإنسان ليس معصوما عن الخطأ، فقد يخطئ الإنسان مرة وألفا، فالأخطاء هي فرصة للتعلم والتطور، لكن المثالية تتطلب من الإنسان أن يكون بلا أخطاء، وهذا أمر في ذاته مستحيل.
ثانيا: لا تحاول إخفاء مشاكلك، بل الاعتراف بها ومعالجتها، فالإقرار أول سبب في التحسين والعلاج، اعترف بجهلك ولا تحاول أن تخفيه فتنشغل به عما هو أهم وأولى.
ثالثا: الرضا بالإنجازات الصغيرة، ومكافأة النفس عليها، وإسقاط الناس من حساباتك.
ارفق بنفسك أيها الإنسان، فأنت بشر لن تستطيع أن تكون متميزا في كل شيء، فلم يكلف الله نفسا فوق طاقتها.
المثالية قد تجعلك تتسابق مع من حولك في سباق بلا نهاية؛ لتكون الأسرع والأجمل والأكمل، أو تجعلك ساكنا مكبلا في مكانك، تبالغ في الاستعداد والتحضير، حتى تفقد القدرة على الابتداء خوفا من ارتكاب الأخطاء، فتصبح جميع قدراتك وطاقاتك معطلة حبيسة.
قيد من ذهب