هذا قول الله العليم الخبير سبحانه في حق اليهود على وجه التحديد. وقد جاء في سورة المائدة (الآية 82) الحافلة بالحديث عن أهل الكتاب عموما، وضوابط العلاقة معهم، وصفاتهم وجرائمهم، وكثير من تاريخهم وأقوالهم.
وجاءت هذه الآية في منتصف السورة تقريبا، منبئة عن حقيقة أعلنها الله ولم تكن اكتشاف بشر. فالله هو الذي صرّح بهذا، لتكون عند المؤمنين الحيطة والحذر في التعامل مع اليهود على وجه التحديد؛ ليس لأنهم سكان المدينة المنورة التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل كمنهجية عامة مطلقة في التعامل معهم.
تحدث القرآن عن عُقَدِ يهود، وبالذات أنهم شعب الله المختار، وعُتوّهم وتشديدهم على أنفسهم، ومراوغتهم كما هي قصة البقرة. وكذلك محاولاتهم القديمة في إثارة الحروب والخلافات بين الناس الأميين (كما يسمونهم). فغير اليهود (مسلمون ونصارى وغيرهم)، هم "دواب!" خلقهم الله لخدمة اليهود كما يعتقدون. ومن هنا، فهم لا يعترفون بعيسى عليه الصلاة والسلام نبيا، وما يزالون ينتظرون المسيح الحقيقي. والمسيح الحقيقي لا يظهر إلا والهيكل مبني. والهيكل لا يُبنى إلا على أنقاض المسجد الأقصى. هذه مجموعة من المسائل الدينية التي لا تفارق فكرهم ومنهجهم وسياستهم. ولو كانوا في منظمة دولية كالأمم المتحدة، ولو عقدوا المعاهدات مع جيرانهم، فقد عقدوها مع محمد بن عبدالله، ونقضوها واحدة واحدة. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عاقبهم على كل مرة نقضوا فيها العهد؛ فقد ظلموا أنفسهم. فأخرج بني قينقاع من المدينة في جريمتهم بكشف عورة امرأة مسلمة وقتلهم أحد المسلمين الذي هب لنجدتها؛ وأخرج بني النضير لما تآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم؛ وسبى وقتل من بني قريظة لما غدروا وتآمروا مع الأحزاب في غزوهم المدينة في العام الخامس للهجرة؛ وصالح خيبر إلى أن غدرت وهمت بقتل بعض الصحابة (بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم)، فأخرجهم عمر بن الخطاب من الجزيرة العربية.
هم أهل غدر ومكر وكيد، لأن عندهم مثل هذه العُقد، ولأن عندهم مشروعا يتوقون إلى تحقيقه. وما همّهم الرئيس هذه الأيام بإعلان يهودية الدولة، إلا لتحقيق هذه الأحلام، إضافة إلى مشكلة الهوية، وتهجير الفلسطينيين. فالقوم في عداء مستمر، ولن يتخلف هذا الوصف الذي أطلقه الله عليهم بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين.
قد يظن بعض الناس أننا نهوّل الأمور، أو نضع النص في غير سياقه، وأننا اليوم في علاقات دولية ومعاهدات يجب الوفاء بها. والحقيقة أن الأمر ليس كذلك. فالنص القرآني واضح صريح، لا لبس فيه؛ يبين أن اليهود بالذات أشد الناس عداوة لنا، وأن العلاقات الدولية وميثاق الأمم المتحدة قد نقضهما اليهود في كل مرة. وكم هي القرارات الدولية التي ما يزال اليهود يضربون بها عرض الحائط! وكم هي الاعتداءات التي قاموا بها على الفلسطينيين من جهة، وعلى جيرانهم من جهة أخرى، والمقدسات من جهة ثالثة، ولا يأبهون بذلك! فهم لا يكترثون بالقانون الدولي ولا بالعلاقات الدولية، وتحالفاتهم الناتجة عن قوة نفوذهم العالمي وتحكمهم بالقرار العالمي، منحتهم قوة وجرأة لا يكترثون بعدهما لأي علاقة.
يسعون في الأرض فسادا؛ يوقدون نار الحرب، ويغرون العداوة والبغضاء بين الشعوب. مع ذلك، فهم الجبناء الذين لم يستقووا علينا إلا في هذا الزمن العاثر الرديء، حين تخلينا عن مصدر قوتنا الحقيقية؛ حين طأطأنا الرؤوس وحاربنا ديننا وعزلناه عن مقومات حياتنا، فعشنا العيشة الضنكى على عتبات الأمم الأخرى. كما ألغينا إرادتنا المرهونة بأيدي غيرنا.
إن من واجب المسلمين عموما أن يعلموا حقيقة ما يجري، وما أخبر الله به في كتابه عن أوصاف بني إسرائيل عموما واليهود خصوصا. وما مقتل القاضي الأردني رائد زعيتر قبل أيام، إلا أمر بسيط في طبيعة علاقتهم العامة مع غيرهم. وهذا المخطط البغيض الذي يسيرون عليه بيهودية الدولة وتبعاته العنصرية والإنسانية، لا شك سيؤدي إلى مزيد من الفوضى والاعتداء. وربما يراهن الساسة من الأطراف كلها على النسيان، لكن اليهود أنفسهم يأبون إلا أن يذكّروا المسلمين والعالم كله بقبح فعالهم، وظلمهم الآخرين، ونظرتهم الدنيئة لغيرهم.
"لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا"؛ فالآية تتحدث عن شيئين رئيسين، هما: وصف الشدة، وموضوع العداوة. فالأمر ليس كرها أو مكرا نظريين فقط، بل عداوة. وفي العداوة مباشرة فعلية وترجمة عملية لما في الصدور تجاه الآخرين عموما والمؤمنين خصوصا. وليست هي العداوة العادية بل هي أشد العداوة.
منهج يبينه لنا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ومن كانت هذه حالته من العداوة، فلا بد أن نحذره ونعاديه، لا أن نبسط له أيدينا ونسالمه.
فحين قال الله عن الشيطان: "إن الشيطان لكم عدو" (فاطر، الآية 6)، نفهم من هذا الحذر والاستعداد لمقاومة عداوته؛ فزاد النص الأمرَ وضوحا، وبين الواجب تجاه عداوة الشيطان لنا، فقال سبحانه: "فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ". والشيء نفسه ينبغي أن يكون مع يهود. إذ حين يقول الله بأنهم أشد الناس عداوة، فإنه ينبغي أن يكون المنهج الصحيح معهم أن نتخذهم أعداء لا أخلاء ولا أولياء!
تروي صفية بنت حيي بن أخطب، أم المؤمنين رضي الله عنها، وأبوها هو سيد بني قريظة: كنت أحبَّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه. قالت: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي وعمي مغلّسين (فجرا)، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالّين كسلانين قنطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت إليهما كما كنت أهش من قبل، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما، مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم. قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال فما في نفسك منه؟ قال: عداوته ما بقيت.
نعم، "عداوته ما بقيت"! يقول هذا برغم تأكده أنه هو هو رسول الله الذي يجدون وصفه في كتبهم، ومع ذلك فالموقف هو عداوته حتى النهاية. هذا هو موقف يهود في العموم: عداوتنا ما بقوا.
الكاتب