لفظ الإحسان

بقلم / مالك عبيدي الإحسانُ في اللغة هو: ضِدُّ الإساءة، وهو فِعل ما ينفع به نفسه أو غيرَه بحيث يصير حسنًا به، كإطعام الجائع وكسوة العريان، ومن هنا يظهر الفرق بينه وبين الإنعام، فالإحسان فعلُ ما هو حَسَنٌ لنفس الإنسان ولغيره، تقول: أحسنت إلى نفسي، والإنعام لا يكون إلاَّ لغيره. [«لسان العرب» لابن منظور: (3/179-180)، «الكليات» لأبي البقا: (53)]. ويظهر عموم الإحسان -أيضًا- وزيادته على العدل الذي هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، بينما الإحسان هو أن يعطي أكثر ممَّا عليه ويأخذ أقلَّ ممَّا له، فالإحسان زائدٌ على العدل، فتحرِّي العدل واجبٌ، وتحرِّي الإحسان ندبٌ وتطوُّعٌ. [«الكليات» لأبي البقا: (640)]. وبهذا المعنى اللغوي فسَّر الشوكاني -رحمه الله- في «فتح القدير» (3/188) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، حيث قال: «والأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي، وهو التوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمعنى أمره بالعدل: أن يكون عباده في الدِّين على حالة متوسِّطة، ليست بمائلةٍ إلى جانب الإفراط وهو الغلوّ المذموم في الدِّين، ولا إلى جانب التفريط وهو: الإخلال بشيءٍ ممَّا هو من الدِّين. وأمَّا الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضُّل بما لم يجب كصدقة التطوُّع». هذا، وللفائدة فإنه لا يلزم من وجود الإحسان وجود الرحمة أو بالعكس؛ «لأنَّ الرحمة قد توجد وافرة في حقِّ من لا يتمكَّن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها، وقد يوجد الإحسان ممَّن لا رحمةَ له في طبعه كالملِك القاسي، فإنه قد يُحسِنُ إلى بعض أعدائه لمصلحة مُلكه [«الكليات» لأبي البقا: (667)]. قال الراغب: (الإحسان على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا) وقال البروسوي: (الإحسان صفات الله تعالى لقوله تعالى { الذي أحسن كل شيء خلقه } والإساءة من صفات الإنسان لقوله { إن النفس لإمارة بالسوء } فالعبد لا يصدر منه الإحسان إلا أن يكون متخلقا بأخلاق نفسه، كما قال تعالى { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وفيه إشارة أخرى وهى أن شرط العبودية الإقبال على الله بالكلية، والإعراض عما سواه، ولا يصدر منه الإحسان إلا إذا اتصف بأخلاق الله حتى يخرج من عهدة العبودية بالوصول إلى حضرة الربوبية، فتفنى عنك به، وتبقى به للوالدين وغيرهما محسنا لإحسانه بلا شرك، ولا رياء، فإن الشرك والرياء من بقاء النفس؛ ولهذا قال عقيب الآية { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } لأن الاختيار والفخر من أوصاف النفس، والله تعالى لا يحب النفس، ولا أوصافها، لأن النفس لا تحب الله، ولا المحبة من أوصافها، فإنها تحب الدنيا وزخارفها، وما يوافق مقتضاها) قال العلامة ابن عاشور-رحمه الله-: (وأما الإحسان فهو معاملة بالحسنى ممن لا يلزمه إلى من هو أهلها ، والحسن : ما كان محبوباً عند المعامل به ، ولم يكن لازما لفاعله ، وأعلاه ما كان في جانب الله تعالى مما فسره النبي _صلى الله عليه وسلم_  بقوله : } الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك{، ودون ذلك التقرب إلى الله بالنوافل ، ثم الإحسان في المعاملة فيما زاد على العدل الواجب ، وهو يدخل في جميع الأقوال والأفعال ، ومع سائر الأصناف إلا ما حرم الإحسان بحكم الشرع . ومن أدنى مراتب الإحسان ما في حديث الموطأ : أن امرأة بغياً رأت كلباً يلهث من العطش؛ يأكل الثرى، فنزعت خفها، وأدلته في بئر، ونزعت فسقته؛ فغفر الله لها).
الكاتب

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.