تركز الندوات والمؤتمرات التي تقام حول الوسطية في بلادنا وفي العالم على طرف واحد من طرفي الوسطية، ألا وهو الغلو والتطرف، وكأن الوسطية نقض الغلو ليس إلا أو هي ـ حدًّا ـ مقابل التطرف والتشدد في الدين أو في التدين!. قد يكون الباعث على هذا التركيز والاختزال ـ غير المنهجي ـ ظهور طوائف في عصرنا الحاضر تبنت منهج التشدد والتنطع، واستقطبت الكثير من شباب الأمة من حدثاء الأسنان، فعاثوا في العديد من بلاد المسلمين وغيرها تكفيرا وتفجيرا، وسواء ساغ فعلهم بمبرراتهم وحججهم أو لم يسغ، فإن ما ترتب عليه من إخلال بالأمن وإشاعة للخوف والرعب بين المسلمين، ومن إساءة إلى صورة الإسلام كان واجبا دفعه بتجنب ما كان سببا فيه ولو تخيل مصلحة أو ضرورة كما عند منظري الفكر المتشدد. هذا الباعث محمود، إذ الغيرة على سماحة الإسلام وأعراض ودماء المسلمين واجبة ولاسيما على العلماء والمفكرين وذوي السلطة والرأي، لكننا نحتاج في تقريره والبرهنة عليه، وقطع الطريق في وجه المشككين ـ وهم كثر ـ أن نعمل بمقتضى الوسطية على محاربة الطرف الآخر المقابل للغلو، والذي لا يقل خطرا عنه ألا وهو التسيب والانحلال عقديا وفكريا و أخلاقيا وسلوكيا، فإن المنهج الوسط العدل الذي جرت عليه الشريعة بمقتضى التكليف بها هو الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه كما يقرر الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ ، وليس الجافي عن الأمر إلا مضيعا له مثل الغالي فيه ـ سواء بسواء ـ هذا بتقصيره عن الحد وذاك بتجاوزه للحد، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كما يقرر الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ فإذا كان الغلاة والتكفيريون قد استباحوا أديان الناس ودماءهم بتأويلاتهم غير المسلمة، وانبرى العلماء بقوة وحزم للرد عليها، على الرغم من أن الحامل لكثير من أصحابها كان الحرص على التضحية انتصارا للدين وأهله، فلم يحالفه التسديد فجاوز الحد إلى تكفير وتفجير، فإن ثمة في عالمنا الإسلامي اليوم ذوي فكر مسموم مأجور يدّعون الإسلام و يخبطون بأقلامهم في نصوصه المعصومة، ويتعدون حدود الشريعة البينة المعلومة، غير مقيمي وزن للثوابت والأصول، ولا معتدِّين بالبراهين والنقول ويتأثر بهم فئام من الشباب المثقف المتطلع إلى أزمّة القيادة في بلدانهم، فما هؤلاء في خطرهم على الإسلام إلا مثل أولئك الغلاة أو أشد، وإن كان تأثير هؤلاء أخفى وأبهت، فإنهم عن قصد وسوء نية يعلنون الحرب على مبادئ الإسلام وتعاليمه، وكل سمت يشعر بالتزام به، فلماذا يغض الطرف عن هذا الطرف الفكري الناخر بقوة في جسم الأمة وهويتها، وهو يبيض ويفرخ أجيالا انسلخت إلا من أصل الدين الذي لا تفتأ تدّعيه لتمكر به لا لتمكر له. إن الغض ـ ولو عن غير قصد ـ عن بعض أدعياء المعرفة من ملقِّبي أنفسهم بالمفكرين الإسلاميين، الذين لا همّ لبعضهم سوى الخوض في الكتاب والسنة باجتهادات تستهدف بالأساس رفع ما اصطلحوا على تسميته "عائق القدسية والغيبية" ليصبح النص المعصوم وسيلة رخوة في أيديهم يشرعنون بها ما انتهت إليه عقولهم من أفكار تصادم في جلها مسلمات الدين وموروث أئمة السلف الصالحين، لهو بالإضافة إلى آثاره العقدية والفكرية الخطرة أهم عامل في إغلاء العاطفة الدينية لدى الشباب المتدين، الذي تستفز تلك الهرمنيوطيقا والأفكار المائعة والفتاوى المميعة كوامن الغيرة الدينية لديه، فتدفعه شرة الشباب والحمية لدينه المبنية على ردة الفعل إلى الارتماء في أحضان الغلاة والتكفيريين غير مقتنع بما يقدمه علماء التجديد والترشيد من طروحات وسطية توفيقية، لأنها في نظره لم تتعامل مع تيار الجفاء والتمييع بنفس الجدية والاهتمام الذي تعاملت به مع تيار التنطع والغلو. ولئن كانت جماعات التكفير بفعل الاهتمام العالمي برصدها ومحاربتها، معزولة متزيّلة، فإنه على العكس من ذلك تنشط في مجتمعاتنا المسلمة منظمات مدعومة وجماعات ذات أفكار مسمومة لا تفتأ تعمق الجفوة بين الشباب وبين الدين وتغريه بالانسلاخ من أي موروث اجتماعي يحفظ له اتصاله بهويته الحضارية الإسلامية، فلم يعد من المستغرب أن نرى الفئام من الشباب المسلم يقضون الليالي الحمراء في الحانات والملاهي خمرا ولهوا، ولم يعد من المنكر الذي يستحق التوقف عنده اختطافهم لبنات المسلمين في سياراتهم على مرأى ومشهد المارة وأخذهن إلى الفنادق والشقق المعدة للفحش والمقت في عاصمة بلد ظل أهله يفاخرون بشيئهم الوحيد الذي هو نشر العلم والمحافظة على مكارم الأخلاق، ولم يعد يستحق ندوة أو منتدى أو حتى بنت شفه ما يمارسه بعض ذوي السلطة والنفوذ ـ جهارا نهارا ـ من ظلم على ضعفة المسلمين في أقواتهم و مآويهم وحقوقهم المتعينة والمكفولة لهم بمقتضى الشرع والقوانين والتنظيمات المرسومة. إن الوسطية التي تركز على الغلو وتتغاضى عن الجفاء ـ أيا كان مصدره ـ ليست وسطية راشدة والوسطية التي تحارب التكفير وتسالم التمييع والتغريب ليست وسطية عادلة والوسطية التي لا تقول للمستبد الظالم: "إنا حرب عليك حتى تفيء إلى أمر الله" ليست وسطية منصفة، وما الوسطية الحقة الجامعة الراشدة إلا التي تجمع الأطراف المتقابلة في منطقة العدل والاعتدال على نور وبصيرة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج الصالحين من سلف الأمة، وفق نظام عدل فصل يعطي كل ذي حق حقه بكرامة وإنصاف. وفي أيامنا هذه، أيام ربيع الشعوب العربية المنتفضة ضد الاستبداد والظلم والتركيع والتجويع، يتعين على منتديات ومراكز الوسطية المتشكلة والتي هي في طور التشكيل ألاّ تقف في المنتصف أو الوسط القيمي، أحرى أن تركن إلى الحكام الذين لا ترضاهم شعوبهم وإن وادعتهم مكرهة إلى حين، فالوسطية بمعناها "الخيار و الأعدل" تقتضي في هذه الحال انحيازا تاما واضحا إلى الشعوب ترشيدا وتسديدا ومؤازرة، وهو ـ وحده ـ صمّام الأمان والضامن لبلوغ الهدف الأسمى المتمثل في التمكين لوسطية الإسلام وسماحته. لن نضطر ـ إن نحن عملنا بمقتضى الوسطية على التوازن في مجادلة الطرفين بحكمة واعتدال وتجرد ـ إلى مجاملة المتشددين الذين قد يحملهم زمان مائج بالمفاجآت والتغيرات إلى سدة الحكم والقيادة، وحينها سنبقى وسطيين ننبذ الغلو مثلما ننبذ الجفاء، لا نقرُّ أحدا على أيٍّ منهما مهما كان حاكما أو محكوما
للوسطية طرف آخر