هي حقيقة هذا الكتاب العظيم في تأثيره؛ فله خصائصه العظيمة الكثيرة التي ربما لا ندرك حقيقتها ولا كنهها ولا نوعها. وقليل من العلماء من لفت النظر إلى أحد وجوه إعجاز القرآن حيث الإعجاز التأثيري، زيادة على ما هو معروف من وجوه بلاغية وتشريعية وعلمية وإخبار عن الغيب.
ساقني للحديث عن تأثير القرآن حتى لو لم يكن المستمع عربيا عارفا بالعربية، أنني قابلت في أحد المؤتمرات، حديثا، مسلما من فرنسا، بدأت قصته مع الإسلام أنه كان في سيارة في أبو ظبي، يستمع إلى صوت عذب لامس شغاف القلب. فسأل سائق السيارة: هل هذه موسيقى؟ فتوقف السائق فجأة وأجاب: هذا قرآن، وأنصحك أن تسلم وتنقذ نفسك وأهلك.
يقول صاحبنا إنه تأثر بالكلام كثيرا، وبكلام السائق وأسلوبه. وبعد مدة من الزمن في الفلبين أنكر نفسه أن يميل إلى البوذية، كيف يعبد صنما؟ وفي خضم هذا الصراع، كان يقلب بعض المقاطع، فاستمع ليوسف استوس، وكان يتحدث عن القرآن بتحد أن يكون هناك كتاب محفوظ عبر الزمن كما هو يوم نزل إلا القرآن، مع بعض الأدلة. فتذكر قصته القديمة، وشهد بنفسه لوحده شهادة التوحيد، وأسلم والحمد لله.
ذكرتني قصته بقصة ذاك الهندوسي الذي أسلم لأنه استمع إلى صوت القرآن عبر سماعة المسجد، فشده هذا الصوت العذب إلى السؤال، ومن ثم القراءة، وبعدها الإسلام، وهو الآن داعية أكاديمي في ماليزيا. وكم قرأنا عن أناس كثيرين أسلموا أو تأثروا بالقرآن حتى من دون أن يعرفوا "العربية"، فللقرآن أثره العظيم، كيف لا والله تعالى يقول: "لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الحشر، الآية 21)، ويقول: "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا" (المزمل، الآية 5)؛ حيث أثره البالغ الكبير.
من قصة هذا الفرنسي أستفيد أن لا نيأس، فمن يرد الله به خيرا يقوده إلى الهداية. ولكن لا بد من دعوة وفطنة واستثمار لأفضل الأوقات، وأداء للدعوة بحكمة وموعظة حسنة: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..." (النحل، الآية 125)، وصدق الله أيضا: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي..." (يوسف، الآية 108).
ومن الدروس أن أهم شيء في كيان الإنسان حريته؛ فحريته تقوده لا محالة إلى أن يفتح آفاق عقله ويتفكر في الأمور، ومنها ما هو أهم شيء في الوجود، ذاك التوجه الوجداني الذي فُطر الإنسان عليه، حيث العبادة التي ينبغي أن تكون لمن يستحقها، فكيف يعبد المخلوق مخلوقا مثله وإن عظم؟! فهو مخلوق محتاج لمن أوجده، وهو الله تعالى سبحانه.
ومن الدروس أثر هذا القرآن العظيم كما بينت، حتى لو كان بلغة أخرى مترجمة، فكثير ممن قرأنا عن قصص إسلامهم تُظهر ببساطة أنهم قرأوا القرآن وتأثروا به وأجاب على كثير من الأسئلة التي تشكل عندهم غموضا وحيرة، خاصة الأمور المهمة الكبرى حيث تصور الحياة والوجود والإنسان ومآلاته.
ومن الدروس عموما البحث عن الحقيقة، فمن الجميل في الإنسان أن لا يجمد عند وجهة نظر واحدة، لينظر في الآراء الأخرى ووجهات النظر المختلفة. وهذه مسألة مهمة حتى في الأمور الاعتيادية، فربما رأي غيره أفضل وأصوب من رأيه.
وعودة على عنوان المقال حيث تأثير القرآن العجيب، فمن الجيد للمسلم -زيادة على تلاوة القرآن- أن يستمع القرآن في أجواء روحانية ومن صوت ندي. وقدوتنا في ذلك رسولنا عليه الصلاة والسلام، حين طلب من ابن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه القرآن، فتعجب ابن مسعود: "أأقرأه عليك وعليك أنزل؟". فقال عليه الصلاة والسلام إنه يحب أن يسمعه من غيره. فقرأ عليه صدر سورة النساء حتى بلغ: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا" (النساء، الآية 41)، حينها طلب صلى الله عليه وسلم منه أن يتوقف، وكانت عيناه تذرفان باستشعاره المسؤولية، عليه أفضل الصلاة والسلام.
وبمناسبة الحديث عن القرآن، أذكر بمرور ربع قرن على تأسيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم، الجمعية التي أخذت على عاتقها نشر الثقافة القرآنية وشغل أوقات الناس بما هو أفضل لهم حيث العيش مع القرآن والنهل من معينه الصافي، وتبني الأجيال على هدي القرآن.
إنه القرآن الذي يرفع المؤمن ويسمو به: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين". وهو الذي يشفع لصاحبه يوم القيامة، وهو الروح والنور والهدى والفرقان والشفاء والبركة والشرف العظيم، هكذا وصف الله القرآن بهذه الصفات، ومن يعش معه ينل من هذه الصفات العظيمة.
لا بد من التفات إلى جانب الروح في الإنسان، بالعبادة المعهودة والذكر والقرآن والتفكر، فقد أشغلتنا الحياة المادية كثيرا، ولا بد من الموازنة بين حاجات الروح والجسد، وهذه من روائع هذا الإسلام العظيم.
الكاتب