د. نارت قاخون
يُعرّف البلاغيّون "الاستطراد" بأنّه "أن يبدأ المتكلّم في معنىً، وقبل أن يُتمّه ينتقل إلى معنىً آخر". وهذا الانتقال إلى معنىً آخر لا بدّ أن يكون لسبب ومقصد وإلا كان استطراداً عبثيّاً لا فائدة منه. وحتى ينجو "الاستطراد" من السلبيّة لا بدّ أيضاً أن يعود المتكلّم إلى المعنى الأوّل الذي بدأ به فيتمّه، وإلا صار الكلام سلسلة من المعاني الناقصة والمضامين المبتورة.
هذا المعنى البلاغيّ للاستطراد نجده حاضراً في سياق الخطاب الثّقافيّ العربيّ ماضياً وحاضراً، ولكن بغلبة المظاهر السلبيّة عليه، ممّا جعل "الاستطراد" متاهة لا تنتهي في سياقنا الثقافيّ إلا إلى "مفاهيم مبتورة"، ومعانٍ غير تامّة.
والأمثلة على هذه المتاهة الاستطراديّة في خطاباتنا الثقافيّة كثيرة ولاسيّما في الأزمنة المتأخرة والحاليّة؛ فالثقافة العربيّة منذ قرنين من الزمان تعرّضت لجملة كبيرة من المفاهيم الفلسفيّة والدّينيّة والسياسيّة والمجتمعيّة والاقتصاديّة لم تكن لها خبرة سابقة بها في إطار تجربتها، ممّا فرض عليها الانقطاع عن الكلام الذي كانت تخوض فيه وتنشئه في ظلّ نماذجها المعرفيّة لتواجه هذه المفاهيم الجديدة الحادثة التي نشأت في ظلّ سياقات تاريخيّة ونماذج معرفيّة مختلفة.
ففي قضايا "المرأة" مثلاً، كان سياق التجربة العربيّة المسلمة منشغلاً بما للمرأة من حقوق في "الشريعة الإسلاميّة" مع إعطاء المجتمع وتقاليده سلطة تأثيريّة حاكمة أكبر من سلطة الحقّ الشّرعيّ، فصار واقع المرأة مرتبطاً بمنظومة المجتمع وسلطاته التي تأسّست في أغلب مراحلها في خبرتنا العربيّة على سلطة ذكوريّة تجعل "الذّكر" مركز الفعل والحقّ المجتمعيّ، وهي سمة لم تكن المجتمعات العربيّة تختلف فيها عن سمات أغلب الشعوب في عصور التزامن تلك؛ فدور المرأة ومكانة حقوقها وممكنات أفعالها يرتبط بالأدوار الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة لها، وهذه الأدوار جعلت كفة الميزان مائلة بوضوح لصالح "الرّجل-الذّكر" على "المرأة-الأنثى". ونتيجة لتخلي "الفقه والفقهاء"، عموماً، عن الدور التصحيحيّ الرياديّ في المجتمع لصالح الدور "التصالحي التوافقيّ" مع المجتمع، تحوّل الفقه عبر غالبية الفقهاء إلى وسيلة لـ"شرعنة الوقائع والواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ" عوض القيام بدور التصحيح والمواجهة مع الانحراف المجتمعيّ عن منظومة الحقوق الشّرعيّة القارّة في الأصول الشرعيّة وأدلّتها.
بقي المجتمع المسلم ومجتمع الفقهاء في حالة من التحالف "السلبيّ" يتأسّس على "الإقرار بالواقع وشرعنته" حتى تعرّض لنموذج آخر، وفد إليه من "الآخر" يحمل أسئلة جذريّة وتفصيليّة على هذا النموذج في التعامل مع المرأة وحقوقها، فظهرت الحاجة إلى "الاستطراد الثّقافيّ"، بمعنى الانقطاع عن المعاني السائدة والانتقال إلى معانٍ أخرى فرضت نفسها وأسئلتها، فكانت الإجابة الأولى متردّدة بين رفض النموذج الوافد من الآخر، وإعلاء قيمة النموذج المستقرّ في الخبرة العربيّة المسلمة، فاتُّهم النموذج الغربيّ بأنّه نموذج انحلاليّ لا أخلاقيّ يقوم على الانفلات وتحرير العلاقات الجنسيّة بين الرجال والنّساء تحت شعار "تحرير المرأة". لكن هذه الاستجابة لم تلبث أن هدأت درجة حدّتها وتوترها لصالح إجابة أخرى تقول: لا مشكلة في قضايا المرأة وحقوقها في الدّين الإسلاميّ، بل المشكلة هي في المجتمع الذي تجاوز الأحكام الشّرعيّة وانقلب عليها، فبدأ هذا الاتجاه يبحث عن "حقوق المرأة في الإسلام"، ويزعم أنّ "تحرير المرأة" بدأ في عصر الرسالة المحمّديّة، وهكذا انتقل الخطاب الدّينيّ والثقافيّ من معنى "شرعنة الواقع" إلى معنى "استعادة حكم الشريعة في الواقع"، وصار يُنظر إلى مشكلة المرأة بوصفها نتاج انحراف الواقع عن تمثّل الأحكام الشّرعيّة.
وقبل أن يستكمل هذا النشاط الاستطراديّ المعاني اللازمة لهذه الاستجابة طرأت عليه أسئلة أخرى جعلت حركته مضطربة داخليّاً وخارجيّاً. فعلى المستوى الخارجيّ، جاء طرح اتّهام الشريعة الإسلاميّة نفسها بالانحياز ضد المرأة، وصارت نقطة الجدل في الشريعة والدّين نفسيهما لا في انحراف المجتمع عن أحكامهما، وكانت نقطة التأسيس لهذا الاتّهام هي أنّ الدّين الإسلاميّ وتشريعاته لا تؤسّس لمفهوم "المساواة" بين الرجل والمرأة، فكلّ ما تقدّمه الشريعة الإسلاميّة نصوصاً وفقهاً هو جملة من الحقوق المستحقّة للمرأة لا تجعلها في موقع هامشيّ تماماً، ولا تسيغ وصف واقعها في المنظور التشريعيّ الإسلاميّ بأنّه "ظالم واستعباديّ"، ولكنها في الوقت نفسه لا تضمن للمرأة الحقوق المتساوية مع الرجل. وهكذا انتقل خطاب بعض المفكّرين والفقهاء المسلمين إلى قضيّة "العدل" متجاوزين مفهوم "المساواة"، وبدأ الإصرار على "الأدوار المتكاملة"، ونظريّة "الإنصاف" التي تتجاوز أسئلة "المناصفة"، أي أن يكون المطلوب من الخطاب الدّينيّ والممارسة المجتمعيّة هو إعطاء المرأة حقوقها التي أقرّها "الإسلام"، دون أن يلزم من ذلك أن تكون هذه الحقوق مساوية لحقوق الرّجل.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار القلق الدّاخليّ في خطاب حقوق المرأة في الإسلام الذي لم يُنجز مقولاته كاملة، ولم يصل إلى مستوى قويّ من الاتّفاق الدّاخليّ في المنظور الإسلاميّ الذي ينطلق منه المفكّرون والفقهاء المسلمون، فإنّ مستوى الإشكال من الاستطرادات الثقافيّة يزداد؛ فالحاصل عندنا هو مجموعة من المفاهيم المبتورة، والمعاني الناقصة التي لا تلبث أن تنتقل إلى معانٍ أخرى وتترك المعاني السابقة معلّقة دون حسم، ففي دائرة الخطاب الفقهيّ لا تزال منظومة حقوق المرأة الشرعيّة موضع خلاف، فنجد من بعض "التنويريّين" من يرى حقّ المرأة في الولاية العامة السّياسيّة، ونجد فئة كبيرة من "الفقهاء" تخالفهم وتعترض على هذا "الحقّ" مستندة لجملة من النّصوص والمفاهيم، بل تجد منظومة فقهيّة تجادل في جملة كبيرة من حقوق المرأة التي يرى بعض من يوصفون بالتنويريّين والتجديديّين ينادون بها، ويُتّهم هؤلاء بالاحتيال على الشّريعة والنّصوص الدّينيّة، والانهزام الحضاريّ وعقدة النّقص!
وهكذا وقع الخطاب الدّينيّ المسلم على اختلاف تجليّاته ومنطلقاته في متاهة استطراديّة أدّت إلى إنتاج مفاهيم مبتورة، ومعالجات ناقصة متعثّرة، فلا إجابات حاسمة ولا قطيعة معرفيّة ناجزة مع نماذج لم يعد لها قوّة الحضور والديمومة المعرفيّة؛ فمن ينتقل إلى مقترح "العدل بمعنى الإنصاف" لا "العدل بمعنى المساواة والمناصفة" بين الرجل والمرأة لم يُجب عن الأسئلة الكاملة التي تفرضها نظريّة "المساواة"، واكتفى بالقبول النفسيّ والشعبيّ للمفارقة بين "العدل" و"المساواة" ليؤسّس إجابته في منطقة رخوة تمكّنه من "المراوغة" أكثر بكثير ممّا تفرض عليه من إجابات حاسمة؛ فتغييب مبدأ "المساواة" يحتاج جهداً فلسفيّاً ومعرفيّاً يؤسّس لمفهوم "العدالة غير المساوية"، وهو جهد لم يُنجز ضمن الخبرة الثقافيّة المسلمة بالصورة التي يُمكن أن نجد معها نظريّة في العدالة تتمتع بالاتّساق المعرفيّ والحضور الواقعيّ في النموذجيّة المعرفيّة المسلمة.
وكما كان الأمر في قضيّة "المرأة" كان الأمر في أغلب القضايا التي فرضها واقع الانقطاع عن الخبرة الذّاتيّة في مواجهة الخبرة الوافدة مثل "الدّولة" و"الدّولة الحديثة" وأوصاف الدولة من "مدنيّة" أو "إسلاميّة" أو "علمانيّة"، وانسحب هذا الاستطراد السّلبيّ الذي ينتقل من قضيّة إلى أخرى دون إتمام ما قبلها إلى أغلب المفاهيم الإجرائيّة المنبثقة عن هذه المفاهيم، فأصبح الخطاب الثّقافيّ العربيّ سواء ما وصف منه بـ"الإسلاميّ" أو وصف بوصف آخر مزدحماً بمفاهيم مبتورة، خالياً من الحسم والقطيعة المعرفيّة اللازمة بين هذه المفاهيم؛ فمنظور "حقوق المرأة في الإسلام" يختلف عن منظور "المساواة بين الرّجل والمرأة"، ومنظور "حقوق غير المسلمين في بلاد المسلمين" يختلف عن منظور "المواطنة" العابر للجنس والدّين والعرق والوضع الاجتماعيّ والّلون.
وقد يقول قائل: إنّ جزءاً من الخطاب الدّينيّ استطاع الوصول إلى القبول والإقرار بمفاهيم "الدّولة المدنيّة" و"الدّيمقراطيّة" ومبدأ سيادة القانون والمواطنة، بل إنّ بعض هذا الخطابات حاولت تبييء "العلمانيّة" مرّة باقتراح "العلمانيّة الجزئيّة"، ومرّة باقتراح "العلَمانيّة المؤمنة". فأزعم أنّ أغلب هذه الإجابات والاقتراحات و"التقبّلات" لا تخرج عن سياق "الاستطراد الناقص" الذي يُنتج سلسلة من المعاني الناقصة والمفاهيم المبتورة التي يغلب على أكثرها حرص شديد على إعادة تدوير المفاهيم القديمة، والاكتفاء بوضعها في "أوانٍ حديثة" دون أن يخطو نحو "القطيعة" و"التجاوز"، أو استكمال المعاني القديمة إن كانت لا تزال تملك القدرة على النفع والحياة والدّيمومة.
متاهة الاستطراد الثقافيّ ومشكلة المفاهيم المبتورة