إن أهمية السنة النبوية الشريفة حيث أنها المصدر الثاني للتشريع والهداية، و تستحق منهجا للتعامل يخضع لمنهج الوسطية الذي هو منهج الإسلام العام، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
أن التعامل مع السنة النبوية الشريفة يأخذ أشكالا وأنواعا تتوزع بين الإفراط والتفريط، أو بين الغلو والتقصير، مضيفا بأنه لا يمكن النجاة من هذا النوع من التعامل إلا بالمنهج الوسطي أو الوسطية والاعتدال والتي هي منهج الإسلام العام في فهم علومه.
هناك ثلاثة نقط متصلة بالموضوع الرئيس، وهي تعريف السنة النبوية وعلاقة السنة بالوحي، وتنوع تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم، وبخصوص المحور الأول ننطلق من أحاديث في مأكل النبي صلى الله عليه وسلم ومشربه، كحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين البطيخ والرطب فيأكله»، لينتهي إلى أن في السنة ما ليس تشريعا، كحديث "البطيخ".
و تعاريف السنة التي تغير مفهومها بعد القرنين الرابع والخامس الهجريين من معنى القصد والاقتداء إلى التعريف المشهور الذي يجعل كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة، وبعد إيراده الكثير من الأمثلة من تصرفاته صلى الله عليه وسلم، والتي يدخل بعضها ضمن التشريع، وبعضها الآخر ضمن العادة والعرف أو مما تقتضيه الطبيعة البشرية، خلص إلى تعريف للسنة يتجاوز الخلل المنهجي التي اعترى تعاريف المتأخرين، وينهج التوسط بقوله: "السنة ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما قصد منه التشريع، أو مما هو صادر من مقام التشريع".
وبخصوص طبيعة العلاقة التي تربط السنة بالوحي، والتي هي من القضايا التي وقع فيها غلو وإفراط وتقصير، وهو ما يحتاج أيضا إلى المنهج الوسط، أن هناك من يرى السنة كلها وحيا ويستند إلى قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، حيث ساق تفسير الطبري الذي رأى أن الضمير يعود على القرآن، وقد فسر المحاضر بأن السياق يقتضي ذلك، فالسورة مكية، والتشكيك في الوحي كان شديدا، والآية تؤكد مصدرية القرآن، وهو نفس ما ذهب إليه الفخر الرازي في تفسيره.
وهناك أدلة أخرى من السنة تدل على أن في السنة ما ليس وحيا، بل بعض الأحاديث ناطقة بذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، وألعن كما يلعن البشر، فأيما عبد سببته أو لعنته في غير كنهه فاجعله له رحمة»، ووفقا لذلك قسم المحاضر التصرفات النبوية إلى ثلاثة أقسام أولها تصرفات في الدين يبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم، وثانيها تصرفات في الدين اجتهد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي ليست وحيا، ولا يقر فيها على خطا، وثالثها تصرفات في أمور الدنيا.
وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم كانت متنوعة ، والتي كان القاضي عياض كان رائدا في تصنيفها في كتاب الشفا، ثم جاء القرافي الذي أبدع فيها وأجاد، وبعد ذكر الكثير من الأدلة والنقول، انتهى إلى أن التصرفات النبوية منها ما هو تشريع، ومنها ما ليس بتشريع، وميز بالتصرفات التشريعية بين تصرفات بالتشريع العام، وتصرفات بالتشريع الخاص.
و التصرفات بالتشريع العام تنقسم إلى قسمين؛ التصرفات بالتبليغ والتصرفات بالفتوى، بينما التصرفات بالتشريع تتوزع على ثلاثة أقسام؛ التصرفات بالقضاء والتصرفات بالإمامة و التصرفات الخاصة، بينما التصرفات غير التشريعية تتضمن أربعة أقسام التصرفات الجبلية والتصرفات العادية والتصرفات الدنيوية والتصرفات الإرشادية.
الكاتب