لا أعتقد أنه يوجد مجتمع واحد على وجه الأرض يخلو من ضعاف العقول. لكن الفرق بيننا وبين المجتمعات المتحضرة، هو أن هذه الأخيرة تولي اهتماما بالغا بمثل هذه الشريحة، وتعمل على تأهيلها وتنميتها اجتماعيا وسياسيا، لتلحق بركب الأسوياء من أقرانهم. أما نحن، فنتركهم ونترك لهم الحبل على الغارب.
عندما يمعن المرء النظر في تصرفات شريحة واسعة من مجتمعنا -إذا لم يكن بخلدنا أن ندفن رؤوسنا في الرمال- نلاحظ بكل وضوح بعض تصرفاتها الغريبة العجيبة، سواء على المستوى المحلي أو المستوى الخارجي. وما دامت الحالة هذه، فإننا محتاجون لسنوات من التثقيف والتدريب والعلاج النفسي والاجتماعي، كي تعود هذه الشريحة إلى المسار السليم الذي نبتغيه. تصوروا لعبة كرة قدم أو بالأحرى مباراة كرة قدم بين ناديين أردنيين؛ فإن هؤلاء الذين أشرنا إليهم من ضعاف العقول، يقيمون الدنيا ولا يقعدونها؛ شتما وتجريحا وقفزا عن الحد الأدنى من مستوى اللياقة والأدب. ويا ليتها تقف عند هذا الحد، بل ينجرّ وراءهم الكثير من نظرائهم الذين لم يحضروا المباراة ولم يشاهدوها. وهذا التعصب الأعمى في المجال الرياضي ليس التعصب الوحيد من نوعه في ساحتنا المجتمعية.
فالتعصب الديني ليس أقل خطرا من التعصب الرياضي، بل هو أخطر منه بكثير. والمصيبة هنا نجدها في الجهلاء وفي أنصاف المتعلمين الذين لا يفقهون من الدين إلا قشوره، ولا تستطيع عقولهم المنغلقة الغوص إلى كنه الدين وحقائقه، أو لا يريدون أن يوظفوا جزءا من عقولهم، ولو بالنزر اليسير، لفهم سماحة الدين ويُسره "يسروا ولا تعسروا". أعداء الإسلام وكارهوه، وجدوا في ضعاف العقول هؤلاء ضالتهم المنشودة، على ضوء سلوكياتهم غير السوية التي تقوم بتعميمها وتضخيمها على أن هؤلاء هم المسلمون، وتصرفاتهم نابعة من تعاليم دينهم، الأمر الذي يدفع بكثير من شعوب العالم إلى النظر للإسلام والمسلمين على أنه دين الإرهاب وسفك الدماء.
على المستوى الداخلي عربيا وإسلاميا، فإن التطرف المذهبي أو الطائفي بات واضحا في مجتمعات دون أخرى. وأنا لا استطيع فهم ضرورة هذا التعصب ما دمنا كلنا مسلمون موحدون لله. لكن للأسف فإن هذه الظاهرة السيئة أذكتها على المستوى الدولي والسياسي نظرية الولي الفقيه في طهران، التي شرعنوها على كل المستويات والصعد، مع الحرص على تصديرها إلى خارج حدود إيران الإقليمية.
في سياق متصل، فإن التعصب القبلي والجهوي والمناطقي والإقليمي من الأمور التي يتمسك بها ويثيرها من وصفناهم بضعاف العقول. ولو كان هؤلاء مدركون للنتائج الوخيمة لمثل هذه المظاهر التعصبية التي تؤدي بكل تأكيد إلى ترك صدع وشرخ في صرح الوحدة الوطنية التي هي سياج الوطن ودرعه المتينة، لما أقدموا عليها، لاسيما وأننا جميعا نتغنى بحب الوطن شعرا ونثرا وغناء، ونتباهى بعشقنا لوطننا والانتماء إليه. فهذا القصور العقلي لدى البعض يترك غشاوة على أعينهم تنسيهم كل هذه المعاني السامية في حب الوطن وتماسك لحمته ونسيجه الاجتماعي.
أكتفي بهذ القدر من الومضات التي تشير إلى فئة ضعاف العقول الذين يتوهمون في بعض الأحيان أنهم النخبة المنتقاة، وهم الذين يعلمون كما غيرهم، أنهم يعيشون حالة من الشيزوفرينيا أو انفصام الشخصية التي تستوجب من الدولة ومؤسساتها المختصة، علاجهم بكل الطرق، حتى وإن كان آخر العلاج هو الكي، كما قال السلف.
الغد - محمد الشواهين
مصيبتنا في ضعاف العقول