معالم نظرية التكامل المعرفي في المنهج الإسلامي

مناهج البحث عند المسلمين بين التطوير والابتكار 1-   نهضة المسلمين العلمية: عني العرب بنقل العلوم إبان نهضتهـم العلميـة الأولى مـن مصادر  ثلاثـة، كانت بمثابة مـراكـز الحركة العلمية، وهي ميـلاد اليونان والفـرس والهنـد، وقـد اعتمـد اليونان علـى الطـب والرياضيات والفلسفـة وعلـوم الطبيعة، واعتمد الفرس على النظم الإدارية والآداب العامة، أما الهند فقد اعتمدوا على معالجة الأمراض ومعرفة خصائص العقاقير وأصول الحساب والفلك، وكانت صلة الوصل بينهم وبين اليونان علماء السريان، وبينهم وبين الهند أدباء الفرس، ثم استغنوا عن الوسطاء وترجموا مباشرة إلى اللغة العربية(2).   1-1-    مرحلة النقل والترجمة: بدأت طلائع حركة النقل والترجمة في العصر الأموي في نطاق محدود، لأنها كانت فردية، ثم نشطت في أواخر العصر العباسي في عهد الرشيد ثم بلغت أوجها في خلافة المؤمن (813-833)، وفضلا عن بغداد كانت هناك مراكز أخرى للنقل كمدينة مرو ومدينة نيسابور بفارس، وفي مستهل القرن العاشر الميلادي أخذت الحركة العلمية في النضج، وغدت الترجمات مردفة بالتعليقات والشروح وتطورت من دراسات قصيرة في موضوعات محدودة إلى مؤلفات جامعة فيها اقتباس واجتهاد وتحليل ونقد وتنظيم وتبوب واستنباط ووضع(1). 1-2  مرحلة الإنتاج: نشأت المؤسسات العلمية الرسمية ذات نظام إداري خاص ومنهج تدريسي معين في العقد الثالث من القرن التاسع للميلاد على يد الخليفة المؤمن في بغداد، فتأسست (بيت الحكمة) ضمت معهدا للترجمة ومكتبة للمطالعة وقاعة لمجالس العلم. وأسس الحاكم بأمره في القاهرة معهد (دار العلم) نظمه على نسق بيت الحكمة أنفق بسخاء على إنماء المكتبة وتجهيزها بوسائل الاختبار العلمي. وكانت أشهر المؤسسات العلمية (المدرسة النظامية) أسسها نظام الملك وزير ألب أرسلان في بغداد أواخر القرن الحادي عشر وفتح لها فروعا في مرو والبصرة والموصل وأصفهان وهرات وغيرها ووضع لها نظاما جامعا محكما غدا مقياسا لمؤسسة التعليم الكبرى. كما أسس المستنصر في بغداد (المدرسة المستنصرية) في القرن الثالث عشر للميلاد وجهزها على غرار المدرسة النظامية(2).     1-3-  بين التطوير والابتكار: لقد استقل المسلمون بمناهجهم العلمية سواء عن طريق التطوير للمناهج الموجودة أو الابتكار لمناهج علمية في شتى فروع العلم والمعرفة. 1-  علم الجبر والمقابلة: وهي صناعة بها يستخرج العدد المجهول من العدد المعلوم، وقد كانت عمليات هذا العلم غير واضحة مشتتة ومختلطة في موضوعات الرياضيات العامة من حساب وهندسة، وقد أسس هذا العلم وأعطاه اسمه واستقلاليته العالم محمد ابن موسى الخوارزمي (ت 223-846) فهو مؤسس هذا العلم وواضع مصطلحاته في كتابه الشهير (الجبر والمقابلة). كما نبغ في هذا العلم ثابت ابن قرة في القرن الثامن الميلادي، ليتم ما بدأه الخوارزمي، وسار على الأسس التي كان يحل بها الخوارزمي معادلات الدرجة الثانية، فاستعمل الهندسة في حل معادلات الدرجة الثالثة، وهو أول من وضع حساب التكامل والتفاضل، وأوجد حجم الجسم المتولد من دوران القطع المكافئ حول محوره، كما نبغ عبد الحميد ابن الواجب ابن الترك، ووضع مؤلف (كتاب الجبر والمقابلة) وأبو كامل شجاع ابن أسلم المصري (850-930) وأبو الفتح عمر ابن براهيم الخيام (ت515-1131) وغيرهم. 2-   علم الأرصاد والتقويم: اعتمد المسلمون أولا على اليونان و اليهود, ولكن سرعان ما استقلوا منهجهم الخاص في هذا العلم, فقام الخوارزمي بوضع تقويم قام غدا من بعده معتمد الدارسين, و عكف الفلكيون بعده على أعمال المراصد فنبغ محمد ابن جاب التباني (918) و كان يجري أرصاده في الدقة و أنطاكية, و امتازت أرصاده بالدقة و توصل إلى حساب ادوار الأفلاك و انحراف دائرة البروج تعيين نقطة الاعتدال و طول السنة الشمسية, و تلاه أبو الريحان البيروني (1048) ففاقه بدقة الأرصاد و ترك كتابين احدهما (الآثار الباقية) و الآخر (الفانون المسعودي) وبلغ من استقلاله  في التفكير أن شكك في صحة النظام الفلكي الذي قرره بطلميوس في المجسطي و اعتبر بياناته غير مقنعة و أشار إلى احتمال أن دورة الفلك اليومية نتيجة لدوران الأرض حول محورها, و هو ما ثبت لاحقا. و أنجبت الأندلس البطرومي (1204) صاحب كتاب (الهيئة) وفي صقلية الإدريسي (1166) واضعا أول خريطة لصورة الفلك و شكل الأرض , وغيرهم(1). 3-   علم الطب و الصيدلة والجراحة : اعتمد العرب في أمرهم على مصدر اليونان و الهند ثم استقلوا بمناهجهم العلمية في فن التطبيب و الصيدلة و الجراحة فنبغ الرازي (925) مؤلف رسالة في الجدري و الحصبة, و كتاب جامع في الأطراف و علاجها (الحاوي) و اشتهر كذلك في الطب ابن سينا (1073) و ألف الموسوعة الطبية الفخمة (القانون اشتمل أوصاف الأطراف المعروفة و اثبت مئات العقاقير و خصائصها). و ابن الرشد (1189) ووضع كتاب (الكليات في الطب) يساعـــد ابـن الطفيل (1158), وهذه الموسوعات نقلت إلى اللاتينية وعليها قامت النهضة الطبية الحديثة في أوربا. وفي الجراحة أطباء الأندلس وبخاصة أبو القاسم الزهراوي (1013)، فقد بسط في مؤلفه (التعريف لمن عجز عن التأليف) معارف عن الجراحة ورسوما لبعض الآلات وبين أهمية التّشريح. وابن النفيس (1288) في دراسة الأوردة والشرايين ووصف تقنية الدم لدى مروره في الرئتين، واشتهر بجراحة العين صلاح الدين بن يوسف أواخر القرن الثالث عشر في مصر، ونجح في إخراج الماء الأزرق من العين بعملية جراحية وترك كتابا هو (نور العيون). ونبغ في العقاقير والأدوية ابن البيطار الأندلسي (1248) فقد جال الأقطار الإسلامية وعرف أنواع النباتات وخصائصها ومنافعها، وترك مؤلفا ضخما (الجامع لمفردات الأغذية والأدوية) وضع فيه نحو ألف وأربعة مئة مادة، منها ثلاث مئة مادة لم يسبق ذكرها(1). 4-            علم الحساب والرياضة: اعتمد المسلمون في علم الحساب أولا على أصول ثلاث، حساب اليد والحساب الهندي وخصائص الأعداد عند اليونان، فحساب اليد حساب موروث كان نظاما عند الروم والفرس، والحساب الهندي تبناه العرب وطوروه وعدلوه واستخرج منه المسلمون أسس الجبر والفروع الرياضية الأخرى. فوضعوا الصفر للانتقال من الآحاد إلى العشرات ومن العشرات إلى المئات ومن المئات إلى الآلاف ... وطوروا الكسور العشرية والكسور الستينية وأكملوا المثلثات. ونبغ غياث الدين الكاشاني (1424) فأثبت نسبة الدائرة إلى قطرها ووضع مفتاح الحساب الذي قامت على أساسه المسطرة الحسابية.(2) 5-   علم الكيمياء: نبغ المسلمون في علم الكيمياء وسجلوا فتوحا في الناحية التجريبية، وتقدموا في وسائل التبخير والتذويب والتقطير وصهر المعادن، وحولوا الكيمياء إلى علم منظم له منهجه البحثي، وبرعوا في المستحضرات كالحامض الكبريتي والبوتاس وكربونات الصودا، وأدخلوا تحسينات على صناعات كثيرة كصناعة الفولاذ وتنقية المعادن وتركيب الروائح العصرية ودباغة الجلود وصباغة الأقمشة وصناعة الزجاج وصناعة الورق، وأشهر أعلام الكيمياء جابر ابن حيان (القرن الثامن) الملقب بأبي الكيمياء. 6-   العلم الطبيعي: اشتهر غير واحد من المسلمين في علوم الطبيعة وفي البصريات وعلم الضوء، فبرعوا في الوزن النوعي وأحكام الضوء وقواعد الصوت، وأبحاث الجاذبية والموازين والضغط الجوي، وهو ما ساعد على ضبط أمور الصناعة، ونبغ ابن الحسن الهيثم (965) في البصريات وعلم الضوء وألّف (المناظر) وبرع في دراسة العلاقة بين سرعة الجسم الساقط والبعد الذي يقطعه الزمن الذي يستغرقه، ووضع القوانين والمعادلات الخاصة بهذه النظرية، وامتازت بحوثه بالتجربة والملاحظة وأخذ بالاستقراء والقياس والتمثيل، كما بـرع أبـو الريحان البيروني (ت 1048) في علم السوائل وشرح بعض الظواهر المتعلقة بضغط السوائل وتوازنها، وعلّل صعود مياه النافورات والعيون إلى أعلى، وأعظم ما برع فيه هو سبقه العلمي المتمثل في تحديد الكثافة النوعية لعدد من المعادن والأحجار تحديدا دقيقا يقترب جدا من التقديرات الحديثة. 7  علم الهندسة: خرجت الهندسة من أيدي اليونان علما ناضجا مكتمل النمو مستوفي النظريات، ولا إن كانت إنجازات العرب ضئيلة ومحدودة في الهندسة النظرية، إلا أنهم برعوا في الهندسة العملية فطبقوا النظريات على أعمال مفيدة وأخرجوا الهندسة من النظري إلى العملي، وبالتالي برعوا في المعمار والبناء وما يصاحبها إخراج هندسي غاية في الروعة والجمال، تتسم بالبراعة والدقة وضخامة امتزجت بالفن والجمال وشواهد الأبنية الباقية خير دليل على ذلك، فقد برع سعد أبو عثمان وصالح ابن كسان وإسحاق ابن قصيبة وموسى ابن داوود...(1). رابعا : الفكر الإسلامي وأثره في نهضة الفكر الغربي الحديث 1-مراكز الاتصال الفكري:كان اتصال العرب بالأمم الغربية اتصال حروب وقتال أولا ثم اتصال ثقافة وأفكار وعلوم ومعارف، وكان اللقاء بين فكر إسلامي بلغ أوج نضجه وغاية تطوره وفكر غربي في خطوات الوعي الأولى بوجوده وكيانه، وبين ثقافة اكتملت واستوت وآتت أكلها وثقافة تبحث عن هويتها وتتلمس طريقها نحو النهضة والعلم والحضارة والمعرفة، بدأ الاحتكاك من صقلية جنوب إيطاليا التي فتحها الأغالبة (212 هـ) ومعهم وفدت الثقافة والعلوم والكتب، وفي بلرم التي اتخذها العرب العاصمة أنشئت أولى مدرسة للطب وعلى نسقها نشأت مدارس الطب في نواحي إيطاليا وفرنسا. 2-الترجمة والنقل ورحلة التراث العلمي نحو أوربا:بدأت حركة الترجمة من اللغة العربية التي تولاها يهودي مستعرب بترجمة النص العربي إلى الاسبانية ثم قيام أحد المترجمين الإسبان بنقله إلى اللاتينية، وبدأت هذه الترجمة تلخيصا وإجمالا، ثم غدت ترجمة دقيقة، واقترنت من بعد بالشروح والتعاليق، وحرصوا على جمع الكتب وأنفقوا على العلم بسخاء، وكانت مدينة طليطلة هي أهم مواطن الترجمة والنقل، ومدينة بلرم في صقيلية، ففي اسبانيا رعى حركة النقل والترجمة الأسقف رموند  (11- 51) وألفنسو الحكيم ملك قشتالة (1248) وفي صقلية فريديريك الثاني (1250) وقبله روجر الأول (1101). ونشطت حركة التأليف والشروح والتعاليق وتطور الأمر إلى الرحلات العلمية نحو البلاد العربية في طلب العلم والاستزادة منه على العرب والمسلمين(2).   خامسا : علم الإنسان وعلم الكون في التصور الإسلامي 1-علم الإنسان: الغاية من كل الدراسات المتعلقة بالإنسان والنفس الإنسانية هي معرفة مكونات هذه النفس بهدف فهم أحوال الإنسان في حال الصحة والمرض والاستواء والانحراف، ومعطيات مراحله العمرية وحاجاته في كل مرحلة، ومن الضروري دراسة ومعرفة المؤثرات وما يطرأ داخل النفس من تأزمات نتيجة الصراع بين رغائب مقوماتها الذاتية وعدم توافق اجتماعي، وكذا وظيفته ودوره في الحياة وطاقاته وحدود هذه الطاقة. 2-الإنسان في القرآن: الإنسان خليفة الله في الأرض (وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة)(البقرة 30). وكلمة خليفة كلمة ضخمة ذات إيحاءات كبيرة، أهمها أن الإنسان ذو أهمية كبيرة بارزة في الحياة، وهو مزود بأدوات الخلافة من علم ومعرفة، وأن دوره أخطر من دور كل الكائنات، وأنه مخلوق للعبادة وعمارة الكون. وأنه مزدوج الطبيعة (وإذ قال ربك إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وهو بهذه الطبيعة متفرد عن باقي المخلوقات ذات الطبيعة الواحدة والوجهة الواحدة. فقبضة الطين تتمثل في حقيقة الجسد: عضلاته ووشائجه وأعضاؤه وأحشاؤه. ونفخة الروح تتمثل في الجانب الروحي للإنسان تتمثل في الوعي والإرادة والإدراك(1). 3-النفس الإنسانية: الإنسان, إذن, بعد النفخة طينا بحتا و لا يمكن أن يعود كذلك, ولا هو روح بحت, و لا يمكن أن يكون كذلك. فالعنصران مختلطان ممتزجان مترابطان, يتكون منها كيان موحد, مختلط الصفات, و هي حقيقة تبنى عليها كل أعمال الإنسان و مشاعره و تصرفاته. و الإنسان يحمل, تبعا لهذه الطبيعة, خطوط متقابلة في نفسه, وهي مترابطة مع كل زوج منها رغم التقابل, فهو يحمل الخوف و الرجاء, و الحب و الكره, الحسية و المعنوية, الواقع و الخيال, المعلوم و المجهول, الفردية و الجماعية, و كل خطين متقابلان في الخلقة متضادين في الاتجاه, ومع ذلك فهما مترابطان ترابطا يبلغ أحيانا أن يعملا في نفس الوقت و في ذات المجال . 4-الدوافع و الضوابط : 1-    الدوافع: يقوم كيان الإنسان على دافع حب الحياة و الاستمتاع بها, وهو الدافع الأكبر, و ينقسم دوافع جزئية تظل تتفرع بدورها و تتشعب حتى تصل إلى دقائق صغيرة عميقة . و يشمل هذا الدافع الأكبر فرعين رئيسين هما حفظ الذات و حفظ النوع . الضوابط: وهي قوة تولد مع الإنسان كامنة في كيانه, و لكنها لا تظهر كما تظهر الدوافع بل هي بحاجة إلى المساعدة الخارجية ليتم لها النماء و النضج, و إلا بقيت ضامرة لا تؤدي وظيفتها كاملة. فأجهزة الضبط اللاشعورية  هي أجهزة بيولوجية من صميم الخلقة و الفطرة, تنشا عنها أجهزة سيكولوجية, و هي تعمل لا شعوريا في الطفولة الأولى ثم تعمل شعوريا بعد ذلك, و تلك هي مهمة التوجيه و التهذيب وهي عميقة ضرورية للإنسان .(1)    5-علم الكون : يعتبر القرآن الكون كتاب الله المفتوح, و هو مصدر من مصادر المعرفة, و هو مخلوق منضبط بنواميس وقوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل, وهو مكان عمل الإنسان و عيشه ,ووجهه القرآن إلى البحث في الكون (الم نجعل الأرض مهادا و الجبال أوتادا و خلقناكم أزواجا و جعلنا نومكم سباتا و جعلنا النهار معاشا و بنينا فوقكم سبعا شدادا و جعلنا سراجا وهاجا و أنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا و جنات ألفافا )(النبا 6-16) و الكون ليس له إرادة, لذا فهو منضبط بالقوانين و السنن . 6-الكون و القرءان : يبصر القرءان الإنسان بالكون من حوله على أنه جملة من المظاهر التي أبدعها الله عز و جل في انتظام و تناسق لغرضين: الأول, التأمل فيه و التنبؤ إلى مدى دقته و تناسق أجزائه (إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار و الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس و ما انزل من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها و بث فيها من كل دابة و تصريف الرياح و السحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (البقرة 146).  و الثاني, أن تكون هذه المظاهر الكونية كلها مسخرة لخدمة الإنسان و مصلحته و حاجاته فوق الأرض, و أن يكتشف بمقدار ما يتسع له إدراكه و علمه, سننه و قوانينه ليحل مشكلاته و لا يصطدم بها, و يستفيد من خيراته (و سخر لكم ما في السماوات و الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية 12) . 7-تفاعل الإنسان مع الكون : يعلن القرءان أن الله تعالى خالق الكون و مبدعه  و واهب الحياة فيه, و الإنسان عبد الله خلقه الله و سخر له هذا الكون و الحياة و استخلفه فيه, و أطلق يده فيه بحيث يستطيع الإنسان كشف ما فيه من كنوز و خيرات و خدمات و الانتفاع بها لخدمته, فهو يملك طاقات كافية لذلك وهو يعمل على التطوير و الترقية, لقدرة الإنسان على التعلم و اكتساب المهارات و المعارف, و دور الإنسان على الأرض دور ضخم و كبير و له المركز الأول في نظام الكون كله, و بالتالي فله مجال هائل للعمل و الفاعلية و التأثير. و يشير القرآن للإنسان بالتفاعل (هو أنشاكم مـن الأرض واستعمركم فيها)(هود61), وذلك من أجل أن يقوم بدوره في خلافة الأرض و عمارتها باستخدام طاقاتها و خاماتها, و التحليل فيها و التركيب, و التحوير فيها و التعديل (ألم تر أن الله سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض)(لقمان20) (1). 9-الكون و الإنسان بين حضارتين: في التصور الإسلامي يتفاعل الإنسان مع الكون تفاعلا ايجابيا, فهو يلاحظ السنن و يتعرف عليها بغرض التعامل معها دون مصادمة, فالعلاقة علاقة مسخر و مسخر له نشا كلاهما من مصدر واحد, و العلاقة إذا علاقة انس و صداقة و ارتباط و مصير. و معرفة القوانين و السنن الكونية في سبيل السيطرة عليها و توجيهها وكشف أسرارها للانتفاع بها و تسيير عيشه في الحياة و الإقبال عليها, فالطبيعة في حس المسلم ظواهر العالم المادي المحسوس, وهو جانب له قيمته في أساس كل معرفة إنسانية. و الكون مظهر لإرادة الله أو التعبير عن مشيئته, و الإنسان مطالب بأداء واجب الخلافة و العبادة و التعمير, و المحافظة على البيئة و عدم الإفساد و الاستكبار في الأرض... ومن هن لم تحدث تلك الفجوة بين المسلم والكون, كتلك التي حدثت في النصرانية التي أفضت إلى قيام محاكم التفتيش, ولا ما أفرزته المرحلة التالية لحكم الكنيسة, التي صوت العلاقة بين الإنسان علاقة صراع و تضاد, لا علاقة توافق و انتفاع. إضافة إلى جعل الحضارة الإسلامية الإنسان أغلى و أجل من كل شيء مادي في هذه الأرض و لا يجوز أن تعلو عليه المادة, و إلا تهدر أية قيمة من قيمه الإنسانية لأي سبب كان, لقاء تحقيق أي كسب مادي أو إنتاج أي شيء مادي, كما ترى الحضارة الغربية, فكل الماديات مصنوعة مخلوقة من اجله, من اجل تحقيق وجوده الإنساني, و الإنسان هو الذي يقود الأرض بقيمه و موازينه و ليست وسائل الإنتاج و لا توزيع الإنتاج هي التي تقود الحياة و الإنسان من ورائها, كما صورته المذاهب المادية في الغرب(1).   (1)  مقاصد الشريعة الإسلامية في فكر الإمام سيد قطب، د نصير زرواق، دار السلام ط 2006. (2)  المرجع السابق، وأنظر سيد قطب خصائص ومقومات التصور الإسلامي، دار الشروق. (1)،(2)  أنظر المرجع السابق. (1)  المرجع السابق. (2)  المرجع السابق. (1)  المرجع السابق. (2)  المرجع السابق. (3)  المرجع السابق. (1) المرجع السابق.   (1)  عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة، دار القلم دمشق، الطبعة السادسة 2002.   (1)  عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، المرجع السابق (1) عباس محمود العقاد، التفكير فريضة إسلامية، مطبعة المعارف، طبعة 1979. (1)  حسن حبنكة الميداني، المرجع السابق. (1)  منهج البحث العلمي عند العرب، د جلال موسى دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى 1972، وأنظر د عبد الرحمان بدوي، دور العرب في تكوين الفكر الغربي، وكالة المطبوعات الطبعة الثالثة 1979. (2)  المنهج الإسلامي، محمد شديد، الشركة المتحدة للتوزيع ببيروت وأنظر معالم الفكر العربي، د كمال اليازجي، دار العلم للملايين، بيروت الطبعة السادسة.وأنظر الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، محمد عبد الرحمان مرحبا، منشورات عويدات، بيروت، 1988. (1) الدكتور كمال اليازجي، المرجع السابق. (2)  د عبد الرحمان مرحبا، المرجع السابق، وأنظر د عبد الرزاق نوفل، المسلمون والعلم الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 3، 1973، وأنظر أحمد أمين، موسوعة أحمد أمين الإسلامية، دار الكتاب العربي، بيروت ط 10، 1969. (1)  الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا، المرجع السابق (1)  الدكتور عبد الرزاق نوفل، المسلمون والعلم الحديث، دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الثالثة 1973. (2)  انظر أحمد أمين، موسوعة أحمد أمين الإسلامية، دار الكتاب العربي بيروت الطبعة العاشرة 1969. (1)  الدكتور كمال اليازجي، المرجع السابق. (2)  الدكتور عبد الرحمن مرحبا، المرجع السابق. (1) الأستاذ محمد قطب، دراسات في النفس الإنسانية، دار الشروق، بدون تاريخ.  (1)  الأستاذ محمد قطب، المرجع السابق. (1)  الأستاذ سيد قطب، في ظلال القرآن الجزء الأول 67-73 طبعة دار الشروق 1999. وخصائص ومقومات التصور الإسلامي، طبعة الشروق 1980. (1)  عبد الرزاق السامرائي، في التفسير الإسلامي للتاريخ، الجزائر دار الشهاب 1990. وسيد قطب، المرجعين السابقين.
الكاتب

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.