معينات فهم القرآن (2)

د. رمضان خميس الغريب ومن معينات فهم القرآن الكريم وأسس الإفادة منه حضور القلب: فكيف يفتح القرآن كنوزه لقلب غافل غير يقظان, أو لاهٍ مشغول عن عطاءه وفيضه، إن القلب إذا حضر عند سماع القرآن, أو تلاوته وقراءته, فتحت أمامه مغاليق الفهم, وتبدد لديه كسف الظلام, فإذا بنور القرآن يسرى في عقله, وقلبه, وروحه, ودمه, فيجعله إنساناً آخر, إنسانا قرآنيا, يتحرك بالقرآن شغله ومحياه, ومصحبه وممساه, تتماسك أمامه القيم, ولا تنفلت بين يديه المعايير, وقد كان حال السلف الصالح مع القرآن حالاً يحتاج منا إلى وقفة, فقد كانوا وقافين عند كلام الله, حضورَ قلب, ويقظةَ فؤاد, وقد ذكر في قوله- تعالي-: "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ"([1]) : (أن المراد: بجد واجتهاد, وأن أخذه بالجد: أن يكون مجرداً له عند قراءته, منصرف الهمة إليه عن غيره, وقد قيل لبعضهم : إذا قرأت القرآن تحدت نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحب إلى من القرآن حتى أحدث به نفسي؟, وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية, وهذه الصفة تتولد عن صفة التعظيم لكلام الله- تعالي-؛ فإن المعظِّم للكلام الذي يتلوه يستبشر به, ويستأنس له, ولا يغفل عنه، وفي القرآن ما يستأنس به القلب, إن كان التالي أهلاً له, فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو في متنزه عنه, والذي يتفرج في المتنزهات لا يفكر في غيرها, فقد قيل: إن في القرآن ميادين, وبساتين, ومقاصير, وعرائس,وديابيج, ورياضاً, وخانات, فإذا دخل القارئ الميادين, وقطف من البساتين, ودخل المقاصير, وشهد العرائس, ولبس الديابيج, وتنزه في الرياض, وسكن غرف الخانات, استغرقه ذلك, وشغل عما سواه, فلم يعزب قلبه, ولم يتفرق فكره([2]). وهو توصيف راق من حجة الإسلام لحضور القلب ويقظته, وعدم مبالاته بما سوى القرآن أو الاعتناء بما عداه.  المدارسة: وهي صورة من صور الرغبة في تفهم القرآن الكريم, والوقوف على حروفه وحدوده, واستنباط حكمه وأسراره, وقيمه ومعانيه, وهذا ما حث عليه النبي r , ورغب فيه بقوله: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله, ويتدارسون فيما بينهم إلا غشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) ([3]), والمدارسة لون من ألوان اختزال الفكر, واستدعاء المعاني والاجتماع على مائدة قرآنية واحدة, يقطف منها أصحاب ثقافات متعددة,  يأخذون منها ما تطيب به نفوسهم, وتصح به عقولهم, وقد كان أصحاب النبي r يتدارسون القرآن, ويعيشون حوله بل به, وما أسئلة عمر الفاروق لأصحابه عن معنى (التخوف)([4]) ومفاد سورة النصر([5]) وغيرها منا ببعيد, فهذه المدارسة تعين على توقد الذهن, وحضور العقل, وتكامل الفكر, حتى يفيد المتدارسون للقرآن أكبر فائدة, فقد قال ابن عباس (الدراسة صلاة), وقال ابن مسعود t تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها ([6])  ونقل عن ابن القيم قوله: (ملاقاة الرجال تلقيح لألبابها فالمذاكرة بها لقاح العقل) ([7]) . وقد كان النبي (r) يدارس أصحابه فهذه أمنا عائشة رضي الله عنها تدارس النبي(r) وتسأله فعن ابن أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها كانت لا تسمع شيئاً لا تفهمه إلا راجعت فيه حتى تفهمه وأن النبي( r) قال:(من حوسب عذب) فقالت عائشة رضي الله عنها فقلت أليس يقول الله -تعالي- "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا"([8]) فقال رسول الله (r): «إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب). ([9])   يقول ابن حجر في الفتح: (وفي الحديث ما كان عند عائشة من الحرص على تفهم معاني الحديث وأن النبي(r) لم يكن يتضجر من مراجعة العلم وفيه جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب- وقد وقع ذلك لغير عائشة).([10])  صدق الطلب: ولاشك أن صدق القلب والإخلاص والإلحاح في طلب الفهم طريق موصل إلى المراد فإنهم قالوا من أكثر من الطرق أوشك أن يفتح له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (من تدبر القرآن طالباً الهدى فيه تبين له طريق الحق)([11])، ولم لا والقرآن لا يرضى بأن يكون له من الناس فضل الأوقات, ولا فضل العزمات, وإنما يرضى بأن تعطيه كلك حتى يكشف لك عن بعض كنوزه وعطاياه, ومن صدق الطلب إدامة النظر فيه, والتفكر في كلماته ومراميه.  سلامة التلاوة والترسل فيها والترتيب بين أجزائها: إن سلامة التلاوة طريق إلى سلامة الفهم, وإتقان الأداء باب موصل إلى التدبر والتفكر, والترسل في القرآن بترتيل وترتيب معين من معنيات الفهم, ولأمر ما كان جبريل(u) يعارض النبي(r) بالقرآن في كل عام مرة, فلما كان العام الذي توفى فيه (r) عارضه بالقرآن مرتين ([12])ولذلك قال السيوطي في إتقانه: (إن التحقيق يكون للرياضة والتعلم والتمرين, والترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط) ([13]), ولاشك أن الترسل في القراءة والترسل بها يعين على فهم القضية المترابطة, والمعني الواحد, الذي لا يكتمل إلا باكتمال جزئياته, وقد استحب العلماء الترتيل؛ لأنه معين على الفهم كما ذكر حجة الإسلام ذلك في إحيائه وهو يعدد آداب القراءة, فيقول: (الخامس أي: من آدابها الترتيل وهو مستحب في هيئة القرآن.؛ لأن المقصود من القراءة التفكر والترتيل معين عليه ولذلك نعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله (r) فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً, حرفاً([14]), وقال ابن عباس (t) :لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيراً([15]), وسئل مجاهد عن رجلين دخلا في الصلاة وكان قيامهما واحداً إلا أن أحدهما قرأ البقرة فقط والآخر القرآن كله قال هما في الأجر سواء([16]) ([17])  , كما أن القراءة بترتيب تعين أيضاً على الفهم والتدبر وذلك للترابط الموضوعي الذي هو لون من ألوان الإعجاز القرآني فإن كل آية مع أختها تمثل ربطاً بديعاً ورصفاً محكما يضيع جماله بتقطيعه وكل آية مع أختها لحمة واحدة تمهد السابقة للاحقة وتؤكد اللاحقة على السابقة في تناغم واتساق وكذلك ترتيب السور بعضها بعد بعض لحكمة وغاية حتى قال الإمام النووي رحمه الله (الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب وسواء قرأ في الصلاة أو في غيرها.. ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها ودليل هذا ترتيب المصحف إنما جعل هذا لحكمة ينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشروع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الأولى سورة السجدة وفي الثانية سورة الإنسان ونحو ذلك) ([18]) . هذا وقد سار أصحاب النبي (r) على منهاجه- صلوات الله وسلامه عليه- في الترسل والتريث في القراءة والترتيب كذلك, حتى أنكر ابن مسعود (t) على نهيك بن سنان سرعته في القراءة حين قال: قرأت المفصل البارحة فقال عبد الله: هذًا كهذ الشعر.. ([19])   وخلاصة القول أن الترسل في القراءة والتمهل فيها يؤدي إلى ضبط معانيها, وإدراك أهدافها, والترتيب فيها يؤدي إلى ترابط أهدافها, وظهور مقاصدها, واتضاح معانيها, واكتمال فكرتها في ذهن القارئ والسامع؛ من هنا كان الترسل والترتيب في القراءة معيناً من معنيات الفهم. د. رمضان خميس الغريب أستاذ التفسير وعلوم القرآن المشارك في جامعة الأزهر عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين Al_ghoraeeb@hotmail.com     ([1]) مريم: من الآية 12. ([2]) انظر إحياء علوم الدين: ج1 ص 394,395, ,ط: بيروت ط أولى 1424هـ/ 2004م. ([3])  الحديث خرجه مسلم في صحيحه: ج 4 ص 2699,ط: دار إحياء التراث العربي, بيروت, ت/ محمد فؤاد عبد الباقي. [4] )- انظر الجامع لأحكام القرآن: ج1 ص 99. [5] - انظر صحيح البخاري: ج3 ص 1327, وتفسير القرآن العظيم لعماد الدين ابن كثير: ج4 ص 728. ([6]) جامع البيان العلم وفضله: 1/ 22 وانظر تدبر القرآن: صـ 144. ([7]) مفتاح دار السعادة:  صـ 217. ([8]) الانشقاق: 7، 8. ([9]) صحيح البخاري : ج1 صـ,51 باب من سمع شيئا وراجع فيه, من حديث ابن أبي مليكة . ([10] - انظر فتح الباري: ج1 ص 197, ط: دار المعرفة بيروت,1379. ([11]) انظر مجموع الفتاوى: ج3 ص 137. [12] - انظر صحيح مسلم: ج4 ص 1904. ([13]) الإتقان: 1/ 100,  ط: المكتبة الثقافية, بيروت, لبنان, بدون تاريخ. [14] - انظر المجتبى من السنن : ج2 ص 181,لأحمد بن شعيب أبي عبد الرحمن النسائي, ط: مكتب المطبوعات الإسلامية, حلب, ط الثانية1406, 1986مـ, ت/ عبد الفتاح أبي غدة , مذيلة بأحكام الشيخ الألباني, وذكر الشيخ فيه أنه ضعيف . [15] - انظر المصنف في الأحاديث والآثار: لأبي بكر عبد الله بن أبي شيبة, ط: مكتبة الرشد, الرياض , ط أولى 1409 هـ, ت/ محمد كمال يوسف, ج 2 ص 256. [16] - انظر فتح الباري: ج 9 ص 89. ([17]) إحياء علوم الدين صـ 388. ([18])التبيان في آداب حملة القرآن: صـ 62، 63. ([19]) رواه مسلم : ج1 ص635, باب ترتيل القراءة,  برقم 822.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.