تقديم الأستاذ/ عبد المحمود أبّو ابراهيم
الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد
ــ السودان ــ
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد:
التعمق في الإنسان المتصف بالخصائص التي منحها الله له، والمكلف بأمر الاستخلاف؛ يُبْرِز بعض الحكمة من قصة الخلق للمتأمل؛ وأقول بعض الحكمة لأنّ البشر إدراكهم محدود؛ واستيعابهم نسبي، لقد ارتبط خلق الإنسان بحوار بين الله والملائكة؛ حيث تساءلت الملائكة ما هو الغرض من إيجاد هذا المخلوق؟ والكون كله يسبح بحمد الله ويقدسه، ويتوقع من هذا المخلوق الجديد أن يخل بنظام الكون، وينحرف عن الصراط المستقيم؛ فاكتفى الرد الإلهي بالقول: ) إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ( [البقرة:30] ثم كان الاختبار الذي دخل فيه أبو البشرية آدم عليه السلام، وشعوره بالندم فتاب عليه ربه وهدى؛ وبين له أنه خلق للاستخلاف في الأرض مع تزويده بخصائص الحرية والعقل والاختيار؛ وأنه وذريته سيتعرضون للامتحان وأن المخالفات التي تقع منهم يمكن تداركها بالتوبة والحسنات التي تذهب السيئات؛ وبالمقابل أوجد الله سبحانه وتعالى إبليس وزوده بقدرات وطاقات غير مرئية للبشر، وطلب منهم أن يتخذوه عدوا فلا يقعوا في حبائله! هذا المشهد بكل تفاصيله يفتح الباب واسعاً للتأمل والتدبر في قصة الاستخلاف وطبيعته ودور الإنسان في هذه الحياة، إنني في هذه الورقة أبحث (مفهوم الحرية الدينية وموقف الشرع منها) عبر خمسة محاور وخاتمة، والله أسأل أن يوفقني لمعرفة الحق وإبرازه.
المحور الأول: تحرير المفاهيم
موضوع الحرية الدينية وجد اهتماما كبيرا في الحياة المعاصرة؛ وشكل حضورا في معظم المؤتمرات والندوات المتعلقة بالحوار الديني والثقافي والحضاري؛ ومصطلح الحرية الدينية مصطلحا حديثا ارتبط بالثورات الإصلاحية التي حدثت في أوروبا في القرن السابع عشر وما بعده، وتبلور في الثورة الفرنسية التي عبرت عن فلسفة الإصلاح في الغرب؛ استجابة لتطلعات الشعوب التي اكتوت بنيران الحروب الدينية، وتجاوزا لبيئة التعصب الديني وهيمنة رجال الدين على مقاليد الأمور؛ ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في نهاية النصف الأول من القرن العشرين؛ مقننا للحريات والحقوق الإنسانية ومن ضمنها الحرية الدينية. وسوف يحاول هذا المحور تحرير مصطلحات الحرية والدين والحرية الدينية والمواطنة ومفهومها.
الحرية: في اللغة: وردت الحرية في المعاجم اللغوية بمعاني متعددة؛ الحُرّ: نقيض العبد والأسير؛ وجمعها أحرار وحِرار. والحُرة نقيض الأَمَة وجمْعُها حرائر(). وتحرير الرقبة عِتقها؛ وتحرير الولد؛ أي تفرده لطاعة الله وخدمة المسجد أو المعبد، ومنه قوله تعالى : )إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ( [آل عمران: 35] والحُرُّ: الكريم، والحر من كل شيء؛ خياره وأعْتَقُه وطيِّبه؛ ومنه يقال فرس حُر: أي عتيق الأصل. وطين حر: أي لا رمل فيه. ورملة حرة: أي لا طين فيها. وحرية القوم أشرافهم(). والحرية : هي الخلاص من الشوائب أو الرق أو اللوم().
الحرية في الاصطلاح: هي سلطة التصرف في الأفعال عن إرادة وروية، وهي الملكة الخاصة التي تميز الكائن الناطق عن غيره، ليتخذ قراره دون إكراه أو إجبار أو قَسْر خارجي، وإنما يختار أفعاله عن قدرة واستطاعة على العمل والاقتناع فيه دون ضغط خارجي() هذا التعريف تعريف قانوني، وهنالك تعريف للحرية قريب من هذا حيث عرَّف الحرية بأنها: (أن يملك الإنسان إصدار قراراته السلوكية في حق نفسه بمقتضى إرادته الشخصية، دون أن يعارضها أي قسر من أشخاص أمثاله)() فالحرية إذا إرادة وسلطة واختيار بموجبها يمارس الإنسان حقه في الاعتقاد والفكر والعمل والمواقف دون تدخل من سلطة قاهرة تمنعه من استعمال هذا الحق.
الدين لغة: هو الطاعة والقهر والخضوع والذل والتعبد والمجازاة والملك والاقتراض().
الدين اصطلاحاً: له تعريفات كثيرة وأشهر تعريف لعلماء المسلمين أنه (وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقاد، وإلى الخير في السلوك والمعاملات) أو أنه (وضع إلهي سائق لذي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل)() وهذا التعريف خاص بدين الإسلام الذي أنزله الله لهداية البشر عن طريق رسله وآخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا يشمل الأديان غير المنزلة والعقائد البشرية التي هي من صنع البشر، وقد وصفها القرآن بأنها دين بدليل قوله تعالى: )لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ( [الكافرون:6] فالاعتقاد الديني خاصية فطر عليها الإنسان لا يمكن أن يعيش مستقرا في هذه الحياة بدونها، والاعتقاد الديني نشأ عن واحد من طريقين؛ إما عن مخاطبة الله للإنسان عن طريق الرسل؛ وإما عن طريق سعي الإنسان نحو المثل الأعلى.
الحرية الدينية: نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948م في المادة 18 أنه" لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ويشمل ذلك حرية تغيير ديانته أو عقيدته ، وحرية الإعراب عنها بالتعليم والممارسة، وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء كان ذلك سرا أم جماعة"() وعرفت الحرية الدينية تعريفات عدة منها: "تعني حق الإنسان ابتداء في أن يختار العقيدة التي يراها وأن يلتزم بالدين الذي ترجح لديه صحته وأفضليته على غيره دون إكراه من الغير وأن يعبر عن ذلك بما يمليه عليه دينه من أنواع الطقوس والشعائر"() ويقول الشيخ محمد الغزالي: "والعقيدة من خواص العقل ومكمنها النفس والفؤاد، فالإيمان الصحيح إنما يكون وليد يقظة عقلية واقتناع قلبي وفطرة سليمة يستبين بها الإنسان العاقل طريق الحق فيعتنقه ويرضى به فيكون له عقيدة"() ويقول الدكتور سمير مراد: " حرية التدين: ولها مفهومان: الأول: وذلك بالنظر إلى المتدين، فله حرية الاعتقاد والتدين، مع الإيمان ببطلان دينه وعقيدته، وهذا حكم أهل الذمة عند المسلمين، وهذا جائز لا بأس به بنص القرآن وواقع السنة والتاريخ الإسلامي. الثاني: بالنظر إلى الدين والتدين، فهذا مرفوض.ومن هنا فنحن نفرق بين:حوار الحضارات وتقارب الأديان من جهة، وبين توحيد الأديان من جهة أخرى، فالأول مقبول والثاني مرفوض".
الحرية خاصية بشرية، ارتبطت بالإنسان منذ خلقه الأول؛ وهي شرط من شروط استخلافه وتكليفه؛ والحرية الدينية تمثل الجانب الأهم في حياة الإنسان؛ باعتبار أن العقيدة تمثل المشترك الإنساني الأسمى؛ والحرية الدينية التي أقرها الإسلام تؤكدها القيم المكفولة لكل إنسان؛ مثل الكرامة والحرية والعدالة التي منحها الله لكل الناس دون تمييز قال تعالى: ) كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً( [الإسراء:20] ولأن الحساب لا معنى له إذا لم المحاسب حرا.
المواطنة: "هي انتماء الإنسان إلى الدولة التي ولد بها وخضوعه للقوانين الصادرة عنها وتمتعه بشكل متساوي مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق والتزامه بأداء مجموعة من الواجبات تجاهها"() ومفهوم المواطنة له أبعاد متعددة تتكامل وتترابط في تناسق تام على النحو التالي:
- بعد ثقافي حضاري؛ يعنى بالجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات؛ على أساس احترام خصوصية الهوية الثقافية والحضارية ويرفض محاولات الاستيعاب والتهميش والتنميط.
- بعد اقتصادي اجتماعي؛ يستهدف إشباع الحاجات المادية الأساسية للبشر ويحرص على توفير الحد الأدنى اللازم منها ليحفظ كرامتهم وإنسانيتهم.
- بعد قانوني؛ يتطلب تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين استنادا إلى عقد اجتماعي يوازن بين مصالح الفرد والمجتمع() .
وهي: "علاقة عضوية بين الفرد والوطن، تنهض على أساس مجموعة من القيم، وتستند إلى مجموعة من الشروط، والضمانات، وترتب مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة على طرفيها؛ ومن ثم فهي تأخذ العديد من التطبيقات التي تختلف باختلاف المجتمعات والمراحل التاريخية"().
فالمواطنة من تعريفها السابق؛ تعتبر رابطة قانونية؛ تنظم حقوق الأفراد والجماعات وواجباتهم في الدولة، وعلاقتهم بدولتهم، وحكامهم، وعلاقتهم مع بعضهم بعضا؛ وبموجب حق المواطنة فالجميع متساوون أمام القانون، فلا يجوز تمييز فئة على أخرى بسبب الدين أو النوع أو أي وصف آخر.
المحور الثاني: الحرية الدينية والمواطنة في الدولة الإسلامية
تكونت الدولة الإسلامية؛ منذ نشأتها بالمدينة تحت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ من رعايا مختلف الديانات: المسلمون من المهاجرين والأنصار، وأهل الكتاب من اليهود، وبقايا مشركي المدينة؛ وقد أطلق عليهم رعايا الدولة الإسلامية()، وإن كان معنى "الرعية" كما جاء في الحديث الشريف()، ينطبق على عدة صور من المسئولية، إلا أن القدر المشترك؛ هو رعاية جميع حقوق الرعية.. ورعاية جميع الحقوق المشروعة هي لب كلمة "المواطنون" بحسب المصطلح المعاصر، فلا وجه للتفريق بين مدلول الرعايا والمواطنين في المجتمع الإسلامي().
كان الفقهاء يطلقون على الدولة الإسلامية اسم (دار الإسلام)، كما كانوا يصفون الأفراد الذين يستوطنون فيها بأنهم (أهل دار الإسلام) أي من أتباع الدولة الإسلامية، وكان ارتباط الأفراد بالدولة ارتباطا خاصا، لا يشبه ارتباط الفرد بالفرد؛ لأن الدولة الإسلامية ليست فردا، وإنما هي منظمة سياسية، كما لا يشبه ارتباط الفرد بالأمة؛ لأن الأمة ليست منظمة سياسية كالدولة، فرابطة أفراد شعب (دار الإسلام) بهذه الدار رابطة سياسية وقانونية؛ لأن الدولة الإسلامية وهي منظمة سياسية طرف فيها، ولأن آثاراً قانونية تنتج عنها، ويلتزم بها الفرد والدولة، فهذه الآثار هي الحقوق التي يتمتع بها الفرد في ظل الدولة والواجبات التي يلتزم بها قِبَلَهَا، وهذه الرابطة هي الجنسية بمفهومها الحديث، وإن لم يسمها الفقهاء بهذا الاسم(). وسأحاول في هذا المحور بحث أمرين:
الأول: مفهوم دار الحرب ودار الإسلام وعلاقته بالحريات الدينية:
لقد نشأ تعبير دار الإسلام منذ اعتبرت دار الهجرة - المدينة- في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هي دار الإسلام "فلما أسلم أهل الأمصار صارت البلاد التي أسلم أهلها هي بلاد الإسلام، فلا يلزمهم الانتقال منها"().
وبالمقابل ظهرت دار الحرب وهو ما عبر عنه ابن حزم بقوله. "وكل موضع سوى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان ثغرا، ودار حرب ومغزى جهاد"()، السؤال المشروع؛ ما هو المعيار الذي تم التقسيم على ضوئه؟ فالأستاذ أبو الأعلى المودودي؛ يرى: (أن الدولة الإسلامية تقسم القاطنين بين حدودها إلى قسمين: قسم يؤمن بالمبادئ التي قامت عليها الدولة، وهم المسلمون، وقسم لا يؤمن بتلك المبادئ، وهم غير المسلمين)().
ووافقه الدكتور عبدالكريم زيدان بقوله: (الشريعة تُقَسم البشر على أساس قبولهم للإسلام أو رفضهم له، بغض النظر عن أي اختلاف بينهم)، ويستخرج من بعض آيات القرآن الكريم: أن الناس أحد اثنين: إما مؤمن برسالة الإسلام، وهو المسلم، وإما كافر بها، وهو غير المسلم()، غير أن هذا المعيار العقيدي لقسمة الناس ليس هو الأوحد المأخوذ به.
فالأحناف والزيدية يرون أن القضية الفاصلة تَوَفُّر عنصر - الأمان - بالنسبة للمقيمين فيها. فإذا كان الأمن فيها للمسلم على الإطلاق، فهي دار إسلام. وإن لم يأمنوا فيها فهي دار حرب. ومن الباحثين من يذهب إلى القول بأنه إذا تحقق الأمان للمسلمين، وإذا أقيمت الشعائر الإسلامية أو غالبها كانت البلاد دار إسلام، حتى ولو غلب عليها حاكم كافر()، والأستاذ الدكتور عبد الوهاب خلاف يؤيد الرأي القائل بأنه "ليس مناط الاختلاف الإسلام وعدمه، وإنما مناطه؛ الأمن والفزع"()، وهو ما يؤيده الدكتور: صبحي محمصاني، في قوله: إنّ الإسلام "لم يُمَيِّز بين المسلمين وغير المسلمين على اعتبار اختلاف الدين. كما لم يميز بين المواطنين والأجانب على أساس جنسيتهم أوتابعيتهم. فلذا، من الخطأ الناتج عن الجهل والتضليل، زعم بعض الكتاب أن صفة المواطن كانت للمسلمين وحدهم، وأن غير المسلمين كانوا جميعاً من الأجانب"()، ويقول في موضع آخر، أن الإسلام "لم يتعرف إلى فكرة الجنسيات، بل صنف الناس على أساس صفة المسالمة والمحاربة، ووزعهم من ثم بين مسالمين وهم الأصل، وحربيين وهم المستثنى، ثم اعتبر الحربيين وحدهم أجانب بطبعهم، واعتبر بلادهم بلاد العدو أو دار الحرب"().
وهذا المعيار الثاني هو الأقرب إلى المنطق الذي عالج به الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة الآخرين، فضلا عن أنه المنطق الأكثر قبولا حتى في لغة الواقع المعاصر. ودليلنا الأول على ذلك من السيرة النبوية ذاتها: فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما وقّع أول معاهدة مع الآخرين، من قبائل العرب الأخرى واليهود، نصت المعاهدة التي تعد أول دستور للدولة في الإسلام، على "أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم()، ودليلنا الثاني: أن تعريف دار الإسلام، وإن بدأ مرتبطاً بأرض هاجر إليها المسلمون الأُوَل، إلا أنه لافتة على كل بلد تطبق فيه الشريعة الإسلامية. وهو ما تقول به الأغلبية الساحقة من الفقهاء. وفي ذلك يقول الإمام السرخسي، - الذي يُعَد أبو القانون الدولي في التاريخ الإسلامي - إنّ دار الإسلام اسم للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين، وعلامة ذلك أن يأمن فيه المسلمون"()، وقالها الكاساني بوضوح شديد"الذمي من أهل دار الإسلام"()، وعرفها بنفس الوضوح الأستاذ الدكتور عبد الوهاب خلاف بقوله إنها: "الدار التي تجري عليها أحكام الإسلام، ويأمن فيها بأمان المسلمين، سواء كانوا مسلمين أم ذميين"().
هنالك عدة أمور ينبغي ملاحظتها في هذا المجال:
الأمر الأول: أن كل هذه الآراء، سواء منها ما يتعلق بتصنيف الخلق أو قسمة الأرض والديار، لا تستند إلى نصوص شرعية من كتاب أو سُنة، وإنما هي اجتهادات طرحها الفقهاء والباحثون في ضوء قراءتهم للواقع الذي عايشوه.
الأمر الثاني: أن أكثر هذه الآراء تخاطب عالما غير عالمنا الذي نعيشه الآن. إذ أنها تتحدث عن عصور غابت فيها فكرة الوطن الذي يضم بشرا متعددي الأديان والأصول العرقية، كما غاب فيها القانون الدولي، ولم تعرف المنظمات الدولية.
الأمر الثالث: أن دار الإسلام التي تحدث عنها الفقهاء السابقون؛ لم يعد لها وجود إلا في كتب التاريخ؛ وأن ديار المسلمين صارت موزعة بين أوطان عديدة أكثر من خمسين دولة؛ فضلا عن أن أسماءها باتت مرتبطة بالأجناس والقوميات، وأحيانا بأسماء الأسر والعائلات! (أربع دول فقط هي التي أضافت الصفة الإسلامية إلى اسمها الرسمي، اثنتان آسيويتان هما: باكستان وإيران، وواحدة أفريقية هي جزر القمر، وواحدة عربية هي موريتانيا)!
الأمر الرابع: أن دار الحرب لم تعد واقعة في مربع الآخرين من غير المسلمين بالضرورة، بل إن أكثر حروب المسلمين في زماننا باتت فيما بين ديار الإسلام ذاتها، وأقلها بين المسلمين وغير المسلمين().
الأمر الخامس: إذا طبقنا مبدأ المصلحة الذي تلحظه أحكام الشرع؛ لوجدنا أن مصلحة المسلمين اليوم؛ تقتضي التعامل مع الواقع بالرجوع إلى الأصل في العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم؛ وهو مبدأ السلم الذي تسنده نصوص شرعية كثيرة قطعية الورود والدلالة،وتسنده قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعادات...الخ أي تغير الواقع.
الثاني: المواطنة كأساس للحقوق والواجبات في الدولة الإسلامية:
لقد عاش المسلمون مع غيرهم ممن يخالفونهم في العقيدة، يشاركونهم الحياة المجتمعية في رابطة إنسانية نابعة من الإسلام()، فدستور المدينة يقرر "أن المواطنة في الدولة الإسلامية تتسع لتشمل غير المسلمين من أبناء الوطن الأصليين، وأولئك الذين يختارون أن ينضموا إلى جماعة الإسلام السياسية"().
فالمواطنة في الدولة الإسلامية الأولى؛ لم تنحصر في المسلمين وحدهم، بل امتدت لتشمل اليهود المقيمين في المدينة، واعتبرتهم "الوثيقة" من مواطني الدولة – أمة مع المؤمنين – وحددت مالهم من الحقوق وما عليهم من الوجبات، وهذا ما نراه في البند رقم (27) "وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين.." ولم يقف الأمر عند يهود بني عوف وحدهم، وإنما امتد لباقي قبائل اليهود، بل إن بعض بنود "الوثيقة" تنص على واجبات على المشركين من أهل المدينة، مما يشير إلى أنهم دخلوا في حكم الدولة الجديدة، وخضعوا لأسس تنظيمها؛ التي وردت في وثيقتها، وأوضح هذه البنود البند رقم (22) "وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن" وهكذا يتبين أن عنصر الإقليم، "المدينة" والإقامة فيه عند نشأة الدولة هو الذي أعطى اليهود والمشركين حق المواطنة، وضمن لهم التمتع بالحقوق التي كفلتها "الوثيقة" بعد أن كان هذا الحق يقوم بين القبائل على أساس صلتها أو انحدارها من أصل مشترك، كما كان في الجاهلية().
إن منهج الإسلام يحفظ للإنسان حقوقه وكرامته لمجرد كونه إنساناً يحمل بين جنبيه قبساً من روح الله؛ يعترف له بهذه الحقوق بغض بالنظر عن نوعه، أو جنسه، أو لونه،أو معتقده؛ والنص القرآني: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً( [الإسراء:70]. يؤكد ذلك؛ ويعد قاعدة أساسية في التعاليم الإسلامية يجب الالتزام بها، وهو حق من حقوق الله واجب الصيانة والحماية.
بهذا اهتدى الفقيه الحنفي ابن عابدين في حاشيته عندما قرر وهو يعلن موقفه المنحاز لكرامة الإنسان بأنه: (إذا اختلف اثنان على طفل أحدهما مسلم والآخر غير مسلم؛ وادعى الأول أن الطفل عبد له، بينما ادعى غير المسلم أنه ابن له، أُلْحِق الطفل بالثاني، الذي ادعى البُنُوَّة حيث تُفَضّل حريته وأن ينشأ على غير الإسلام، على عبوديته في ظل الإسلام().
كان مجتمع المدينة المنورة؛ هو المجتمع الذي يجسد نموذج المجتمع الإسلامي الأول، وكان يضُم اليهود بطوائفهم الثلاث: بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير، والمسلمين بمجموعتيهم: المهاجرين والأنصار، وكانت مجموعة الأنصار تضم الأوس والخزرج، وهناك المشركون من العرب الذين كانوا أيضا يقيمون في المدينة؛ كل هؤلاء يتمنعون بكافة الحقوق الإنسانية. بل "في المجتمع الإسلامي المدني (في المدينة المنورة) ظهر صنف غير معهود من المخالفين، إنه المنافق؛ الذي تسَتَّر بالإسلام وتظاهر به، وانضوى في مجتمع الإسلام؛ ليتمكن من الكيد له ولدينه ولنبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى الرغم من أنّ هذا المخالف يُعَدُّ أخطر صنف على الإسلام ودينه وبنيانه؛ لكونه آتيا من عمق المجتمع ومن صميمه؛ إلا أن الإسلام عمِل على استيعابه، واحتوائه، وتجنب الصدام معه، فأفسح له المجال للمشاركة في فعاليات حياة المجتمع المسلم؛ في العبادات، والمعاملات، والجهاد، والاطلاع على بعض بواطنه وأسراره، فلم يصدر عنه غير التثبيط، والإحباط، والفَتِّ في العَضُد، والطَّعن في الظهر؛! فقُوبل بالصبر، وسعة الصدر، قال عبدالله بن أُبَيْ زعيم المنافقين مُستغِلاًّ خلافاً بَيْن أحد المهاجرين ورجل أنصاري: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"().
هذا النهج الذي اتبعه الإسلام في إدارة التنوع، مكّن المجتمع الإسلامي؛ من الاستفادة من كل طاقات مكونات المجتمع، وتكوين رأي عام متسامح مع المختلف، مما شكَّل لوحةً متنوعةً في ظل الوحدة. قال خلف المثنى، لقد شهدنا عشرة في البصرة، يجتمعون في مجلس لا يُعرف مثلُهم في الدنيا علماً ونباهةً، وهم الخليل بن أحمد صاحب النحو وهو سُنِّي، والحِمْيَري الشاعر، وهو شيعي، وصالح بن عبد القدوس، وهو زنديق ثَنَوِي، وسفيان بن مجاشع، وهو خارجي صُفْري، وبشّار بن بُرد، وهو شُعوبي خليع ماجن، وحمّاد عجْرد، وهو زنديق شعوبي، وابن رأس الجالوت الشاعر، وهو يهودي، وابن نظير المتكلم، وهو نصراني، وعمر بن المؤيّد، وهو مجوسي، وابن سنان الحرّاني الشاعر، وهو صابئ؛ ..هؤلاء جميعا، كانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار، ويتحدثون في جوٍّ من الودّ لا تكاد تعرف منهم أن بينهم هذا الاختلاف الشديد في دياناتهم ومذاهبهم()، هذا المشهد يؤكد حجم التسامح الذي كان عليه المجتمع الإسلامي تاريخيا، وكيف أن الإسلام قد أسس لإدارة التنوع للاستفادة من كل الطاقات، وفي عصرنا الحاضر؛ بتعقيداته، وعلاقاته السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإدارية؛ فإن المجتمع أحوج ما يكون لهذا التنوع وحسن إدارته. ما سبق يؤكد أن الإسلام كان سباقا بتجسيد مفاهيم الحرية الدينية، وتطبيق المبادئ التي تقوم عليها المواطنة.
المحور الثالث: الحرية الدينية وحرية التعبد
لقد حدد الإسلام منهجاً واضحاً للتعامل مع غير المسلمين، يقوم على الآتي:
أولاً: عدم الإكراه في العقيدة والشعائر: إنّ الأمر المطلوب إدراكه ابتداء هو: (أنّ المسلمين ليسوا أوصياء على العالم بأسره، خلافا لما يتوهّم الآخرون. وإنما هم أُمَناء على تبليغ مشتملات الدعوة الإسلامية، في العقيدة، والعبادة، والشريعة، والأخلاق، والآداب، وهذا الأساس واضح المعالم، في صريح القرآن الكريم، الذي وجه النبي محمدا صلى الله عليه وسلم إلى هذا المنهج في آيات كثيرة منها قوله تعالى: )لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ( [الغاشية:22]، وقوله سبحانه: )وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ( [الأنعام:66]، وقوله تعالى: )نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ( [ق:45]، دلَت هذه الآيات على أن النبي عليه الصلاة والسلام لا سلطان له على أحد من الناس فكذلك أتباعه)().
والنص القاطع في هذا المجال هو قوله تعالى: )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( [البقرة:256]، وقد يستغرب كثيرون أن نزول الآية التي تدعو إلى عدم الإكراه في الدين، كان ــ وقتئذ ــ في صالح اليهودية، وليس لصالح الإسلام. وإن اعتبرت الآية نقطة مضيئة ومشرّفة في تعاليم الدين وأدب الدعوة إلي الله، وفي تاريخ الأديان! يروي الطبري في تفسيره لهذه الآية أنه كان من عادة نساء قبيلة الأوس اللاتي يُنجبن أولادا قصار العمر، في الجاهلية، أن تُنذر الواحدة منهن، إذا جاءها ولد، أن تُهَوِّده حتى يطول عمره. وكانت النساء يُرسلن أبناءهن إلى قبيلة بني النّضير اليهودية. وعندما جاء الإسلام، وأمر الرسول بإجلاء بني النضير، بعد رصيد الدَّس والتآمر الذي مارسوه ضد الدين الوليد، وضد نبي الإسلام الذي حاولوا قتله مرّتين، وقتئذ كان بعض أبناء الأوس الذين تَهَوَّدُوا بين القبيلة، فأراد آباؤهم أن يُجبروهم على الإسلام، والانضمام إلى مُعَسْكر الرسول، فنزلت الآية داعية إلى رفض الإكراه في الدين ... وبقي هؤلاء على اليهودية().
وينقل الطبري رواية أخرى، عن ابن عباس. تقول: إنّ رجلاً من بني سالم بن عوف يقال له الحُصين، كان له ولدان مسيحيان، وهو مسلم، فسأل الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يُرغِم وَلَدَيه على اعتناق الإسلام، بعد أن أصَرَّا على التّمسُّك بالمسيحية، فنهاه الرسول عن ذلك، ونزل قوله تعالى: )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ( وقد بلغ من حرص المسلمين الأوائل، على الالتزام بهذه القاعدة، أن جاءت امرأة مشركة إلى الخليفة عمر بن الخطاب، في حاجة لها، فدعاها أمير المؤمنين إلى الإسلام، لكنها رفضت، فقضى لها حاجتها، ولكنه خشي أن يكون في مَسْلكه هذا ما يَنطوِي على استغلال حاجتها لمحاولة إكراهها على الإسلام؛ فاستغفر الله مما فعل، وقال: (اللهم إني أَرْشَدتُ وَلَمْ أُكْرِه)()، وقد استقر هذا المبدأ الشرعي العظيم، واحداً من أُسُس التفكير الإسلامي، حتى أَلْقَى بظله على الكثير من الاجتهادات الفقهية، في مختلف نواحي السلوك الإنساني. ومن القضايا الطريفة والمهمة – بهذا الصدد، ذلك الجدل الفقهي الذي أثير حول حق الزوج المسلم في مناقشة زوجته غير المسلمة، في مسألة إسلامها، وهل يُعدّ ذلك في ظل عقد الزواج القائم بينهما من قبيل الإكراه على اعتناق الإسلام أم لا؟. فقد رأى الشافعي ألاّ يُفاتِح الرجل زوجته في هذا الأمر، ولا يعرض عليها الإسلام، "لأن فيه تعرضا لهم، وقد ضَمِنَّا بِعَقْد ِالذِّمَّة ألاَّ نَتَعَرَّضَ لهم". بينما يرد الأحناف بقولهم: يعرض الإسلام على الزوجة، لمصلحة من غير إكراه!().
إن مبدأ عدم الإكراه يؤدي إلى النتائج الآتية:
- أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بالبلاغ والتبشير وليس الإكراه.
- أن على الدعاة أن يلتزموا بآداب معينة هي:
- الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
- عدم التعرض لعقائد الآخرين بالإساءة، وعدم الجهر بالسوء إلا في حالة الظلم.
- دفع السيئة بالحسنة.
- دعوة الآخرين إلي التمسك بالمشترَك.
- حساب الذين لم يستجيبوا للدعوة على الله.
- الاختلاف لا يلغي الحقوق.
- إتاحة الفرصة لحرية الاختيار.
- أن الحجة والبرهان هما سلاح المؤمن في الدعوة، وأن الحوار هو منهج الإسلام مع المخالفين().
ثانياً: العدل حق للجميع وإن اختلفت العقائد:
الإسلام أقر الكرامة الإنسانية للجميع كما ورد في الآية (70) من سورة الإسراء وهذا التكريم يقتضي التعامل مع الإنسان بالأسلوب الذي يحفظ هذه الكرامة، ونهج الإسلام في هذا المجال يقوم على أسس تحقق في جملتها العدل في التعامل مع التنوع وذلك وفق الأسس الآتية:
الأساس الأول: المحافظة على البراءة الأصلية لكل الناس، مهما كانت عقائدهم، فاختلاف العقيدة لا يبيح ظلمهم، أو اتهامهم بما لم يفعلوا، وفي نصوص القرآن جاءت براءتهم عندما اتهموا ظلما من قبل أحد المسلمين؛ كما في قصة طعمة بن أُبَيْرق؛ التي وردت في سورة النساء، وفيها براءة اليهودي ومعاقبة المسلم().
الأساس الثاني: قبول ما يأتي منهم إن كان حقا، ولا تحول العقيدة بينهم وبين الاعتراف لهم بالفضل، إذا صدر منهم، كما جاء في سورة المائدة: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( [المائدة:8]، وآية آل عمران: )وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ( [آل عمران:115].
الأساس الثالث: التسامح والتّراحُم، مهما اختلفت العقائد، فقد أجاز الإسلام للمسلم، أن يتزوج من نساء أهل الكتاب، وبالتالي تُصبح الكتابية زوجته، وأم أولاده، وإخوانها نَسَائِبُه، وأخوال أولاده، وأمها بمثابة والدته، وهي جدة لأولاده، وأبوها جد لهم، وهكذا، فيصبح بين المسلمين وأهل الكتاب مصاهرة وقرابة لها حقوق ونفقات وتكافل، وقد أمر القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين حتى ولو جاهدا على إضلال أولادهما. فقال تعالى: )وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( [لقمان:15].
الأساس الرابع: الالتزام بالآداب الراقية عند الجدال، حيث خصَّ الله تعالى الجدال مع أهل الكتاب؛ بأن يكون بالأحسن صورة، وشكلا، وأسلوبا، ولغة، ومنطقا، فقال تعالى:" وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" [العنكبوت:46]، فقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في حواراته معهم، وفي تعامله معهم؛ حيث كان يزورهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، بل يسمح لهم أن يصلوا صلاتهم في مسجده عرضا، فقد روى علماء السيرة بسندهم "أنه لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم "فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم"()، وقد علق على ذلك ابن القيم فقال: (جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها تمكينهم من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضا..(). وعلى هدي الرسول سار خلفاؤه من بعده. فإذا بنا نجد عمر بن الخطاب حين يدخل بيت المقدس فاتحاً يُجيب السكان المسيحيين إلى ما اشترطوه: من ألاّ يُساكنهم يهودي. وتحين صلاة العصر وهو في داخل كنيسة القدس الكبرى، فأبى أن يصلى فيها، كيلا يتخذها المسلمون من بعده ذريعة للمطالبة بها واتخاذها مسجدا.!) ونجد أمير المؤمنين وقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرها عنها. فيهتم خليفة المسلمين، ويسأل عمرا عن ذلك، فيخبره أن المسلمين كثروا، وأصبح المسجد يضيق بهم، وفي جواره دار هذه المرأة. وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها، وبالغ في الثمن فلم ترض. مما اضطر معه عمرو إلى هدم دارها وإدخاله في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال، تأخذه متى شاءت. ومع أن هذا مما تبيحه القوانين المعاصرة، وهي حالة يُعذر فيها عمرو على ما صنع؛ فإن أمير المؤمنين لم يقبل ذلك، وأمر عمرا أن يهدم البناء الجديد من المسجد، ويعيد للمرأة المسيحية دارها كما كانت().
ومما يدهش له أن العصور الإسلامية الأولى، كان تعاملها متفوقاً على كثير من الدول، وبعض المجتمعات الإسلامية المعاصرة، مما يقتضي ذكر بعض النماذج التي تعاملت بها الدولة الإسلامية التاريخية، حتى يتبيَّن المُعاصرون كيف يكون التَّعامُل ليقتدوا بسلفهم الصالح في هذا المجال. "لقد بلغ المجتمع الإسلامي حدودا تفُوقُ التَّصوُّر، في توفير حرية الاعتقاد للآخرين، في العصور المبكرة من التاريخ الإسلامي - وهو ما ينكره الباحثون غير المنصفين، وما تضيق به للأسف صدور بعض الدعاة الإسلاميين في عالم اليوم - "لقد مد المسلمون تلك الميزة (حرية الاعتقاد) التي منحها الله لليهود والمسيحيين والصابئين في القرآن، حتى شملت الزرادشتيين، والهندوسيين، والبوذيين، والموالين للديانات الأخرى عندما اتصلوا بهم"(). كما اعترف للمجوس بأنهم أهل ذمة، منذ قبلت منهم الجزية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي القرن الرابع الهجري كان لهم - كاليهود والنصارى- رئيس يمثلهم في قصر الخلافة ودار الحكومة().
واحترم الإسلام شرائع الملل الأخرى، حتى ولو تناقضت مع تعاليمه، كما هو معروف، في موضوع الخمر ولحم الخنزير، بالنسبة للمسيحيين. وامتد هذا الاحترام حتى شمل ممارسات المجوس، وهم ليسوا أهل كتاب. ففي المُغني لابن قدامة: أن مجوسيا تزوج ابنته، فأولدها بنتا، ثم مات عنها فكانت لها الثلثان مما ترك()، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الخليفة عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى الحسن يسأله: ما بال من مضى من الأئمة قبلنا، أقروا المجوس على نكاح الأمهات والبنات. فكتب إليه الحسن قائلا: أما بعد، فإنما أنت متبع ولست بمبتدع() يعني أن الرسول عاملهم كأهل ذمة، لهم شرائعهم الخاصة التي أُقِرُّوا عليها. وهو ما نفهمه من إشارة أبي عبيد صاحب "الأموال" إلى قول عبدالله بن عون: سألت الحسن البصري عن نيران المجوس، لم تركت؟ قال: على ذلك صُولِحوا().
بل أكثر من ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل هدايا أهل الكتاب، واحترمهم حتى كان يقف عندما تَمُرُّ جنازة أحدهم، وعندما سُئِل عن ذلك قال: "أليست نفساً" فقد روى البخاري ومسلم بسندهما عن جابر بن عبدالله، قال: "مر َّبنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم فقمنا به، فقلنا: يا رسول الله: إنها جنازة يهودي، قال: "إِذَا رَأَيْتُم الجَنَازَةَ فَقُومُوا"()، ورويا كذلك، عن سهل بن حنيف، وقيس بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: "أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟"()، قال الحافظ بن حجر: "ومقتضى التعليل بقوله "أليست نفْسا" أن ذلك يُسْتَحَبُّ لكل جنازة"().
وهنالك شهادات من بعض الكتاب الغربيين تؤكد هذا المعنى. يقول المؤرخ الفرنسي "جوستاف لوبون(): "رأينا من آي القرآن أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص"()، ويقول: "ول ديورانت"()، في موسوعته قصة الحضارة()، لقد كان أهل الذمة – المسيحيون، والزرادشتيون، واليهود، والصابئون – يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم". ويقول: "وكان المسيحيون في بلاد آسيا الغربية، خارج حدود الجزيرة العربية، يمارسون شعائر دينهم بكامل حريتهم، وبقيت الكثرة الغالبة من أهل بلاد الشام مسيحيين حتى القرن السادس الإسلامي.
ويحدثنا المؤرخون أنه كان في بلاد الإسلام، في عصر المأمون، أحد عشر ألف كنيسة، كما كان فيها عدد كبير من هياكل اليهود، ومعابد النار، وكان المسيحيون أحرارا في الاحتفال بعيدهم علنا، والحجاج المسيحيون يأتون أفواجا آمنين لزيارة الأضرحة المسيحية في فلسطين. وأصبح المسيحيون الخارجون على كنيسة الدولة البيزنطية، الذين كانوا يَلْقون صورا من الاضطهاد على يد بطاركة القسطنطينية، وأورشليم، والإسكندرية، وأنطاكيا، أصبح هؤلاء الآن أحرارا آمنين تحت
مفهوم الحرية الدينية وموقف الشرع منها