هي أهم خصائص الإسلام؛ حيث التيسير ورفع الحرج. نص على ذلك القرآن، حيث يقول الله تعالى: "... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..." (البقرة، الآية 185)، وقال: "... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ..." (الحج، الآية 78). وهي خاصية للإسلام كله في تشريعاته، لعلمه سبحانه أن هذا الدين هو الآخر، فلا بد أن يكون شاملا كاملا مرنا واقعيا عالميا. ولهذا، لا بد من خاصية اليسر ورفع الحرج فيه، بينما كانت تشريعات الأمم الأخرى، خاصة بني إسرائيل، فيها من التشديد عليهم الشيء الكثير، عقوبة لهم حين شددوا فشدد الله عليهم.
وهي خاصية أيضا في أحكام هذا الدين، لمراعاة الظروف الطارئة التي لأجلها شُرعت الرخص. وحتى لا يظنن ظان أن هناك خللا في الالتزام، فقد طبقها النبي صلى الله عليه وسلم نفسه؛ فأفطر في السفر، وقصر الصلاة الرباعية، وجمع بين الصلوات، وأفطر المريض والكبير في رمضان، وهكذا. ويحب الله أن تُؤتى رخصُه كما يحب أن تُؤتى عزائمه. وحذر النبي صلى الله عليه وسلم المتنطعين والمتشددين، إذ سيقودهم منهجهم هذا إلى الانفلات من الدين لا محالة.
ولعل عنوان المقال يلتقي مع هذه الخاصية العامة لديننا. فقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم في صلاة الجماعة فقال: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير. وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" (رواه البخاري ومسلم). وفي بعض الروايات ذُكر "ذو الحاجة"؛ إذ قد لا يكون ضعيفا ولا سقيما ولا كبيرا، ولكنه ذو حاجة، من مثل موعد حساس، وهكذا.
كنت في مطار اسطنبول قبل أيام، وترددت هل أصلي المغرب والعشاء أم لا؛ فالوقت حرج. ثم حسبتها وقلت: الوقت يسمح بأداء الصلاتين جمعا وقصرا، وظننت أنني سأصلي وحدي وأدبر الأمر. لكن المصلى امتلأ، ولمحت رجلا ملتحيا يلبس ثوبا وغترة بيضاوين. وحتى لا يكون هناك أي حرج، قلت للمؤذن مباشرة بعد الأذان أن يقيم الصلاة، فأقامها، وناديت -على غير عادتي- منبها من يريد الإمامة أن يخفف. وتقدم هذا الرجل ذو الثوب من تلقاء نفسه، إذ قد يظن نفسه أوْلى الناس بالإمامة حينها، وهذه ليست مشكلة.
وبدأ الرجل الصلاة، وكان بإمكانه أن يسرع مراعاة للموقف؛ إذ معظم المصلين مسافرون، والله أعلم بوضع كل منا. واسترسل الإمام وتمهّل، وقرأ الفاتحة وسورة الضحى. فقلت في نفسي: بإمكانه أن يقرأ أقصر منها. وركع وسجد وأطال نوعا ما فيهما. وقام إلى الركعة الثانية وقرأ بعد الفاتحة سورة الكوثر، فقلت في نفسي: لعله أدرك أنه ينبغي أن يخفف. وانتهت الصلاة على خير، وأقيمت الصلاة مجددا لنصلي العشاء. لكن الإمام -سامحه الله- استرسل أكثر، فقرأ بعد الفاتحة من سورة الأنعام قرابة صفحة كاملة. وكدت أنسحب من الصلاة لأن الوقت دخل في الظرف الحرج. ولكنني صبّرت نفسي. وهكذا في حركات الركوع والسجود. وكانت الركعة الثانية مثل الأولى. وما إن انتهى الإمام من الصلاة حتى ضج القوم وصرخوا واحتجوا، ومعهم حق في الاعتراض لا الأسلوب، إذ هذا المقام من أخطر المقامات، فهي مواعيد ثابتة، والأصل قصر الصلاة، فمن حضر لا يتوقع أن تكون الصلاة بهذه الصورة.
أتألم كثيرا لبعض مظاهر الجهل التي نمارسها، ملتزمين وغير ملتزمين، والتي لا يستدعي أمرها مزيد فقه في الدين. فالمطار -مثلا- مكان واضح أنه للمسافرين، وهناك مواعيد محددة لا تحتمل التأخير، فقد يخسر الواحد رحلته ويضطر للجلوس والغرامة، ولا أحد يعرف عن الآخر مواعيد طيرانه. صحيح إنهم أصلا أصحاب عذر حتى لو لم يصلّوا الآن، ولكن بعض الرحلات الطويلة قد يضيع معها وقت الصلاة، وهناك صعوبة في الوضوء والصلاة في الطائرة.
وأتألم أكثر من الذين يظهر عليهم الالتزام، وفي الوقت نفسه يعكسون تصرفات تدل على جهلهم، فيكون الاتهام لكل الملتزمين لا لهؤلاء وحدهم، كما هي الحال بالنسبة لصاحبنا هذا؛ إذ كان بالإمكان أن يصلي في الحد الأدنى للصلاة قراءة وحركات، أما أن يسترسل ويطيل ويصيبه الخشوع هنا في هذا المكان الذي يقول لصاحبه: خفف! فهذا أمر عجيب.
ثم هناك نقطة أخرى. ما الذي دعا هذا الشخص أن يتقدم للإمامة؟ إن كان المظهر وحده هو العلامة الفارقة، فهذه أيضا طامة كبرى. صحيح أن قراءته في المجمل جيدة، لكنني أحصيت أخطاء لا بأس بها. ثم هناك ما هو ضروري مع القراءة وهو فقه الصلاة، الأمر الذي لم يتقنه صاحبنا، وأدى تصرفه إلى لغط وارتفاع صوت.
لا بد أن نفهم حقيقة ديننا، وأن لكل مقام مقالا، وأن هناك رخصا، وأن بعض الأماكن كالمطار لا يجوز فيها التحكم بالناس. ولقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين أطال بالناس في صلاة المغرب: "أفتّان أنت يا معاذ؟"؛ هذا والأمر إطالة فقط لا يترتب عليها مواعيد سفر وطائرات، فالذي فعله صاحبنا -سامحه الله- هو فتنة بلا شك.
رسالة إلى الجميع أن نحسن فهمنا لديننا، إذ بسوء فهمنا نكون أعدى أعدائه. وللأسف، فإن العالم الآن يستهدف الإسلام تشويها وتلبيسا، فلا نريد أن نكون أدوات مسهمة في تيئيس الناس، حين تكون تصرفاتنا عن غير فهم ووعي وأخلاق. فديننا قد فصّل أو أصّل لنا كل ما نحتاجه، وهو حجة علينا. فالفهم الفهم، والأدب الأدب، فعنف التأنيب أيضا وعدم احترام المسجد وسوء الظن، كلها أمور نحن بحاجة إلى مراجعات بشأنها.
الكاتب