من وحي الهجرة النبوية

قيض الله للإسلام من أنقذه من البيئة التي صادرته ،فأنس بعد وحشة ،واستوطن بعد غربة ،وشق طريقه في الحياة ،بعد أن زالت العقبات الجامدة الملقاة في مساره ،ولئن نجحت دعاية الكافرين الكاذبة في منع الناس من دخول الإسلام لوقت يسير ،إلا أنّ الحق لا بد أن يعلو وتفيء الفئة العاقلة إلى رشدها بعد أن سطعت شمس الإسلام فأنارت القلوب والعقول ،وفتحت مغاليق النفوس التي حرمت زمناً من دفء الحق ،حيث عاشت تعانق الحجر والشجر ،إنّ عناصر النفور والمقاومة ،التي عُهدت في مكة تحولت في دار الهجرة إلى عناصر اقبال واحترام ،ونال المعتقد الجديد الإعجاب ودخل الناس العقلاء في دين الله أفواجاً . إنّ نجاح الإسلام في تأسيس دولة له ،وسط بيئة تموج وتعج بالكفر والجهل ،هو أعظم كسب حصل عليه منذ بدأت الدعوة له ،وقد تنادى المؤمنون من كل مكان للهجرة إلى المدينة ،فلم تكن الهجرة تخلصاً فقط من الفتنة وعناد أهل الكفر ،بل كانت فتحاً من أوسع أبوابه تعاون المخلصون لإقامة مجتمع جديد في بلد أمن الناس فيه على دينهم وأعراضهم وأموالهم ،وأصبح فرضاً على كل قادر أن يسهم في بناء صرح الوطن الجديد ،ويبذل قصارى جهده في حمايته وتحصينه ورفعة شأنه ،وأدرك أهل الهجرة أنّ الحياة بلا دين هي الجحيم بعينه ،والقاء النفس بالتهلكة وقتل للنفس لا محالة . عاش الرسول الكريم في مكة المكرمة ثلاثة وخمسين عاماً حتى ألفته وألفها ،ويوم الهجرة خرج منها إلى بلد جديد يرى فيه امتداد قلبه وثمار غرسه ،إنّ أصحاب المبادئ العليا والرسالات رهنوا أنفسهم لآداء الأمانات الضخمة التي تحملوها ،وعظماء الرجال الذين تنبع سعادتهم من قلوبهم ،ويرتبطون أمام الله والناس بمبادئهم السمحة لا يكرمون الأشخاص بأعيانهم أو الأماكن بأعيانها إلا أن تكون عنواناً يستجيب لقيم الحق والعدل ،لقد أصبح المسلمون في ظل الهجرة من أصحاب العقيدة والوعي حيث تحددت الأهداف ونظمت الشؤون العامة والخاصة ،واستضاء الجميع بالوحي والعقل الهادي إلى أقوم سبيل وذابت في ظل مجتمع الإيمان العصبيات الجاهلية ،وسقطت فوارق النسب والوطن واللون ،فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بتقواه ومروءته وانتمائه لدولة الحق والقانون . جاءت ذكرى هجرة الرسول الكريم هذه الأيام العصيبة التي تمر بها أمتنا العربية والإسلامية ،فعاصفة الثورات تهب على بلاد العرب والمسلمين ،ورياح التغيير تقوى وتزداد يوماً بعد يوم ،وقد نجحت الثورة في بعض البلدان وبدأت تقطف محاسن ثمار الديمقراطية ،إنّ ميلاد هذه الشجرة المباركة ،يحمل معه آيات بينة عن عظمة النفوس إذا صفت وارتقت ونصحت بالحق ،ومن المفارقات العجيبة أن بعض أنظمة الحكم لم تستجب لمطالب الثورات السلمية ،وراحت تقتل الأبرياء من الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن دون رحمة ،بل وأمعنت في طغيانها وصمت آذانها عن سماع صيحات المظلومين ،ولم تراع حرمة للدين والوطن والمواطن ،وهانت النفس الإنسانية التي أكرمها الله على الطغاة ،الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة ،وعلى هؤلاء الظلمة أن يدركوا أن الشعب الحر إذا أراد الحياة الكريمة فلا بد أن يستجيب القدر ،وعليهم أن يأخذوا العبرة والدرس من عمق تاريخ الثورات ،فالحياة الكريمة لا تكتب إلا للمخلصين الشجعان الذين رفضوا الظلم والإستكانة والعبودية لغير الله ،:" والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " .

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.