هؤلاء صبيانهم

تطرح العلاقات الأسرية جملة من المشاكل التي تُعرض حياة الأبناء لهزات نفسية تؤثر سلباً على اندماجهم في محيطهم الاجتماعي و تفاعلهم الإيجابي مع مكوناته . ولعل أهمها الصدام الناشيء عن  حرص بعض الآباء على الانفراد بتحديد المسار الذي يتوخونه لأبنائهم ، سواء ما تعلق بالدراسة ، أو الحياة العملية . فالخوف من المستقبل ، و الشعور المتزايد بعدم الثقة تجاه ما تبديه الحكومات من وعود و تطمينات ، يستحث الأسر للمسارعة بضمان مقعد للأبناء في سوق الشغل بشتى الوسائل ، حتى لو تطلب الأمر الوقوع في الحرام، واقتراف المعاصي . إننا نتابع اليوم ، بالكثير من الحسرة . سعي الآباء الجارف لتمكين أبنائهم من اجتياز امتحان ما أو الحصول على وظيفة ، أو شهادة عليا بأساليب ملتوية قوامها المحسوبية و الرشوة و ردم كل معايير المساواة و الكفاءة و الاستحقاق . كما تطالعنا وسائل الإعلام بين الفينة و الأخرى بوقائع و أحداث ترخي بظلال قاتمة على مستقبل الأسرة المسلمة ؛ فحين ينفرد الأب بالتخطيط للمستقبل المهني لابنه رغماً عن أنفه ، و حين يسعى آخر لتوريث منصبه أو وظيفته أو حرفته دون أن يولي اعتباراً لما يطمح إليه الابن أو تصبو إليه الأبنة ، فإنما يبذر في الحقيقة أسباب قطيعة محتملة أو عقوق أو جفاء ، إذ المفروض في الوالدين- بحسب منطوق النص القرآني ومفهومه -  أن يأخذا فقط بأسباب التوجيه - و أن يقوما بما أوجب الله عليهما من تنشئة صالحة ، و تربية قويمة ، و تلقين للأحكام ، والعادات السليمة و القيم ، حتى إذا استوى بنيان الابن و اشتد عوده ، و اكتمل نضجه الفكري و السلوكي وجب عليهما أن يُحرراه من سطوتهما ، و يحملاه على تدبير أمر معاشه ،بما يتوافق و رغباته ، وأن يكتفيا بالمشورة التي لا يستغني عنها عاقل . وقد بيّن الحق سبحانه و تعالى أن مشيئته جرت بما لا يتفق ومراد كثير من الآباء ، فقال تعالى في شأن إبراهيم وإسحاق عليهما السلام :( ومن ذريتهما محسن و ظالم لنفسه مبين ) – الصافات : 113 ، كما و حذر من الحب الذي يبلغ حد الافتتان و يفضي إلى المعصية ،فقال تعالى: ( إنما أموالكم و أولادكم فتنة ) – التغابن : 15 – وهو ما  تنبه له السلف الصالح ؛ فكان من دعائهم .( ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً ) الفرقان : 74 . قال الفروي : كنا نجلس عند مالك بن أنس و ابنه يحيى يدخل و يخرج و لا يقعد، فيقبل علينا و يقول : إن مما يُهون علي أن هذا الشأن – أي العلم – لا يورث ، و أن أحداً لم يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن بن القاسم . أما ابنه الثاني محمد فكان يحضر مجلس أبيه يلعب بطائر له ، و قد أرخى سراويله عليه . فيلتفت مالك إلى أصحابه ويقول : إنما الأدب أدب الله ، وهذا ابني وهذه ابنتي . وقد كانت له بنت تحفظ الموطأ ، و تحضر مجلس أبيها من وراء باب ، فإذا غلط قاريء نقرت الباب نقراً خفيفا فيفطن مالك و يصحح له ! أما الحافظ ابن الجوزي فكان مفخرة العراق، الذي قال فيه الحافظ ابن رجب :" إن مجالسه الوعظية لم يكن لها نظير ، و لم يُسمع بمثلها . وكانت عظيمة النفع ، يتذكر بها الغافلون ، و يتعلم منها الجاهلون ، و يتوب فيها المذنبون ، و يسلم فيها المشركون " فقد كان له ابن يقال له أبو القاسم بدر الدين ، سار في مبتدأ صباه على خطى والده حتى أنه اشتغل بالوعظ زمناً ثم تركه ، لكنه سرعان ما مال إلى اللهو والخلاعة ، و مصاحبة المفسدين . فما كان من ابن الجوزي إلا أن ألف رسالة نفيسة سماها " لفتة الكبد إلى نصيحة الولد " وضمنها نصائح بالغة الحدب ، والإشفاق ، و العتاب لفلذة كبده الذي توانى عن طلب العلم ، و اتخذ سبيل المعصية .   إن القاريء لهذه الرسالة يأسره ما يتردد بين سطورها من معاني الحب الأبوي الخالص ، ومن نبضات قلب يتحرق شوقا لرجوع ابن عن غيه و ضلاله . و يبدو أن الرسالة لم تحقق مرادها إذ بلغ من عقوق هذا الابن لأبيه أنه , في زمن المحنة التي ابتلي بها أيام الخليفة الناصر كان سيفاً عليه ونكبة موجعة ، إذ سطا على كتب أبيه و مصنفاته وباعها بثمن بخس لا يساوي المداد الذي حُبّرت به . ولما مرض الإمام العز بن عبد السلام وعجز عن مواصلة التدريس بالمدرسة الصالحية ، أرسل له السلطان الظاهر بيبرس قائلا : عيّن مناصبك لمن تريد من أولادك ، فقال : " ما فيهم من يصلح ، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين " ففُوضت إليه ! وهذا يدل على عدالة الإمام العز ، و إيثاره الحق على مصلحة أبنائه رغم أن أحدهم ؛ وهو عبد اللطيف تتلمذ على يديه ،وتميز في الفقه والأصول. و بالمقابل نجد من أئمة السلف وعلمائهم من حرص على أن ينال أبناؤه قسطاً وافراً من العلم ، وأن يهتبلوا كل الفرص للاغتراف من معينه ، دون أن يحمله التعلق الزائد بهم على توريثهم مجلسه أومنصبه . فقد كان لأولاد الحافظ الذهبي حظ من العلم ، واشتهر بعضهم حتى طلبه أعيان العلماء،و يعود الفضل في ذلك للأب الذي اعتنى بتعليمهم ، و تدريبهم ،و إحضارهم معه مجالس العلماء ، أو بالقراءة عليهم، والتصنيف لهم ،وإجازتهم . و عُرف للشافعي ولدان أحدهما محمد أبو عثمان الذي ولي قضاء الجزيرة و حلب ، وكان الإمام  أحمد بن حنبل يقول له : إني لأحبك لثلاث خلال : أنك ابن أبي عبد الله ، و أنك رجل من قريش ، وأنك من أهل السنة . كما تفرق الطب و الفقه في أولاد ابن رشد الفيلسوف و نبغوا فيهما ؛ حتى ولي بعضهم القضاء في الأندلس ، و صار ابنه الثاني عبد الله طبيبا للخليفة الناصر الموحدي . إن مما يسترعي الانتباه في علاقة السلف الصالح بالأبناء هو حرصهم على انتظام جهدهم الفردي في عقد المجتمع المسلم ؛ بمعنى الأخذ بأسباب التربية و التهذيب ، و تمتين البناء القيمي و المعرفي دون انفلات عن المفاهيم الإسلامية التي يتوجب على الفرد أن يكون صدى ذاتياً لها على مستوى التصور و الممارسة .  و قد يقول قائل أن النماذج الواردة أعلاه تبدو مثالية إذا قيست بحجم التردي و أشكال الانحراف التي يضج بها المجتمع المعاصر.و لكن الحقيقة أنها نماذج بشرية واقعية، و قابلة للتحقق، فكما استجابت النفوس لما يسميه الأستاذ محمد قطب رحمه الله ب "هاتف الصعود" ؛ أي تلك المقدرة والطاقة التي أودعها الله في الفطرة البشرية، ووكل بها ترقية الحياة الإنسانية و الصعود بها إلى الأمام ؛ مما يجعل كل مسلم ملزماً ببلوغ حدود الكمال الممكن له بحسب استعداداته ، و طاقاته ،واتجاهاته (1) وفي كتابهما المفيد و الملهم " كيف يُنشيء الآباء الأكفاء أبناء عظاماً " يستعرض كل من الدكتور آلان و روبرت ديفيدسون ستة قواعد رئيسية تشكل تربية ناجحة للطفل وهي : التواصل ، و التهذيب ،و تشجيع التطور الفكري ، وغرس احترام الذات ، و تعليم القيم , و تنمية المهارات الاجتماعية . ولذا يؤكدان - بعد استعراض قائمة طويلة من الشهادات و اللقاءات مع خبراء حقيقيين - على أن جوهر التربية الناجحة ليس هو إعداد الأطفال ليصبحوا تلاميذ متفوقين دراسياً فقط ؛ و لكن ليصبحوا أيضاً أبناء ذوي شأن ، يمتلكون الثقة بالنفس، و الحب الحقيقي للحياة ، و يتميزون بكونهم اجتماعيين وودودين، و مستمتعين باكتساب الخبرات وأسوياء بصورة رائعة .  و هي المقومات ذاتها التي ينهض عليها المنهج التربوي الإسلامي مع الفرق الواضح في المرامي و الغايات،إنها مقومات تحدد الإطار الذي يتحرك بداخله الآباء في علاقتهم بالأبناء حتى لا ينقلب المسعى النبيل إلى كارثة .    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 - محمد قطب : منهج التربية الإسلامية ص 237. ج1 . دار الشروق . القاهرة 1993 . 
الكاتب

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.