أ. د. محمد خازر المجالي
حدثت معي شخصيا قبل يومين؛ صلينا العصر في المسجد، وكان على يمين الصف وشماله فراغ، أكملناه إلا موضع شخص واحد، لم ينتبه له القادمون المتأخرون، فافتتحوا صفا جديدا. وكان هناك زميل ومعه ابنه، وكان الابن في أقصى يمين الصف الذي لم يكتمل من جهته، فجاء بعد انتهاء الصلاة -وهو في العشرين من عمره- وسأل أباه: هل أقول للذين صلوا في الصف الأخير أن يعيدوا صلاتهم؟ فقال الأب (أمامي) ولماذا؟ فأجاب: لأن في الصف أمامهم فراغ لمصلٍ ولم يكملوا الصف، فصلاتهم باطلة، فهل أخبرهم بأن يعيدوا الصلاة؟ التفت الأب إلي على اعتبار أنني أعلم منه كي أجيب ابنه، فقلت له: وما علاقة إعادة الصلاة بوجود الفراغ؟ فقال: سمعت أحد الشيوخ يقول بأن تكملة الصف من تمام الصلاة. فصححت له المقولة بأن تسوية الصف من تمام الصلاة، ولا علاقة لوجود فراغ بصحة أو بطلان صلاة من هم في الصف التالي؛ صحيح أنه ينبغي أن يتموا الصف، ولكن قد يكون لهم عذرهم، فالصف طويل، وربما لم يروا الفراغ، وهكذا.
أشغلني تصرف الابن كثيرا. هكذا يتم التوجيه بصورة خاطئة أحيانا، ويتعصب الشخص لفكرته، وهكذا تنشأ بذور التطرف وتترعرع وتنتج تصرفات نحن في غنى عنها. وتذكرت كثيرا من الفتاوى التي يبثها بعض المحسوبين على العلم، وفيها سعة.
أذكر مرة أنني كنت مشرفا على رحلة عمرة لكلية الشريعة في الجامعة الأردنية، وطلب الطلبة أن يستضيفوا بعض العلماء ليفيدوا منهم في رحلتهم الروحية تلك، ومعهم الملتزم وغير الملتزم. وكان من الضيوف ونحن في مكة، أحد العلماء من جنسية عربية. وتأخرت عن اللقاء قليلا، ولما حضرت وجدته يتحدث معهم عن أمر مهم في نظره، أمر في غاية الخطورة، وهو لبس "البنطلون". فكان يحذرهم ويلفت أنظارهم إلى المخالفة الشرعية في لبسه، ومعظمهم يلبس "البنطلون". وودع الطلبة وهو ما يزال يوصيهم بعدم لبس "البنطلون"! وكان حال الذين استضافوه الندم أنْ لماذا استضفناه، أين نحن وحاجتنا الحقيقية من العلم وما تكلم به هذا الشخص، وأين نحن وأحوالنا السياسية والدعوية وهذا الذي تكلم فيه ضيفنا؟!
وأذكر مرة أن أحد الأشخاص المحسوبين على العلم رآني وأنا أصلي، وقد كففت قميصي، فجاءني وقال: أخي، لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كف الثوب، وأنت صليت وقد كففت قميصك. فاستغربت من الموضوع، وتذكرت أن عورة الرجل من سرته إلى ركبته، ولو صليت بلا قميص وكانت سرتي مستورة فلا إثم عليّ. فقلت له: يا أخي هل هناك نهي عن كف القميص بهذه الصورة التي نفعلها غالبا؟ فقال: نعم.
رجعت إلى كتب السنة، ووجدت الحديث، لكنه في معنى آخر تماما. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا". فقلت في نفسي: سبحان الله، يأخذ بعضنا جزءا من النص ويكيّفه كما يشاء، فالحديث واضح في وصف السجود وأنه على سبعة أعظم (هي القدمان والركبتان واليدان والجبهة)، وأن لا ينشغل أحدنا بكف شعره أو ثوبه، بمعنى أن يمنعه، فالكف هنا بمعنى المنع كما في قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ..." (النساء، الآية 77)، فالمعنى واضح في أن لا ينشغل أحدنا أثناء السجود بشعره أو بثوبه، بل يخشع في صلاته وسجوده.
وهكذا أمور كثيرة يفهم أحدنا منها شيئا والمقصود شيء آخر، أو يركز على جزئية ويترك غيرها، أو على معنى ويترك غيره. وحتى لو كان هناك رأي في مسألة ما، فربما هناك آراء أخرى فيها سعة، ولذلك كان اختلاف العلماء رحمة، فمن الصعوبة بمكان أن نحمل الناس على رأي واحد، ففي ذلك مشقة، وطبيعة هذا الدين العظيم أن فيه مرونة وتوازنا وسعة.
للتطرف أسباب كثيرة منها الجهل، ومنها اقتصار بعض المحسوبين على أهل العلم على رأي واحد في المسألة، وأنه هو الحق وما دونه باطل، وفي عرف بعضهم أن الحق واحد لا يتعدد، وهذه مقولة فيها تفصيل؛ فإن كان المقصود بالحق الله تعالى فهي صحيحة، فالحق واحد سبحانه، وإن كان المقصود الآراء الفقهية أو حتى بعض فروع العقيدة، فالأمر فيه سعة. والنبي نفسه صلى الله عليه وسلم أقرّ الصحابة على اختلافهم، بمعنى أن الحق قد يتعدد. وعادة ما يروي العلماء قصة توجيهه للصحابة في المسير إلى بني قريظة حين غدروا بالمسلمين في غزوة الخندق (الأحزاب)، فقال صلى الله عليه وسلم: "ألا لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة". وفي الطريق أدركتهم الصلاة، فمنهم من صلى، وعاب عليهم آخرون أخذوا بظاهر النص، فأجابهم هؤلاء بأن مقصد الرسول صلى الله عليه وسلم أن نسرع، وتمسك أولئك بظاهر النص، ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما حصل سكت، وسكوته إقرار لاجتهادهم، ولاختلافهم، فكلا الرأيين صحيح.
في تعليمنا الشرعي، سواء في المدارس أو الجامعات أو المساجد أو في الإعلام الديني، نحن بحاجة إلى التركيز على بحبوحة هذا الدين وسعته وشموله، فهو للناس كافة. وينبغي أن أتذكر وأنا أتحدث دينيا أن الذي أمامي ربما من ثقافة غير ثقافتي، ومن مذهب فقهي غير مذهبي، وربما على مذهب عقدي آخر (من مذاهب أهل السنة: السلف والأشاعرة والماتريدية) غير مذهبي، وينبغي أن أسعى إلى تأسيس مفاهيم احترام الاختلاف، كما هي مقولة "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب"، ولا بد من ترتيب الأولويات، فما بأمتنا من تخلف وانقسام وضياع للهوية أوْلى بأن نتداركه، فأمتنا بحاجة إلى النوع لا العدد، وإلى الفهم والوعي لما يحيط بنا، ففينا سمّاعون لأعدائنا ويضمرون لنا كل سوء، فلا نكون عونا لهم في مساعيهم بسبب جهلنا وتعصبنا.
هل أقول لهم أن يعيدوا صلاتهم؟