هل الإسلام هو دين المحبة والتسامح والسلام والوسطية والاعتدال؟!

نسمع كثيرا هذه الأوصاف تٌطلق على الإسلام، من قبل أؤلئك المتفهمين لطبيعة الاختلاف بين الثقافات والديانات ويرون في تلك الكلمات قاسما مشتركا مع كافة الديانات الأخرى. فهل الاسلام فعلاً كذلك؟! أول مسألة يجب الانتباه عليها، هي أن الإسلام هو كلٌّ لا يتجزأ، أي لا يجوز في الشرع الإسلامي أن تأخذ جانبا يعجبك وتضع عنك جانبا لا يُعجبك. يقول المولى عز وجل في محكم كتابه العزيز :  "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" "فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" ولهذه الآيات دلالة قطعية على أن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ وأن على المسلمين التسليم بكافة احكامه ومفاهيمه. وقد اجمع العلماء أن إنكار اية مسألة قطعية في الدين هو خروج من الملة. فإنكار صلاة السنة مثلا على بساطة شأنها، هو خروج من الملة. ولذلك لا يجوز أن نشعر نحن المسلمين بالعار بما أتى به الإسلام، أو أن نحاول أن نخفيه مخافة ان يسخر منا غير المسلمين، أو أن نقوم بقلب مقاصد النصوص ولي عنقها لتناسب الصورة الوردية التي نرغب.  نحن لا نملك الإسلام حتى نفعل ذلك، فالإسلام دين الله، وقد توعد الله ممن يغيّر أو يفتري : "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب؟!" لذلك فعندما نستعرض الإسلام امام انفسنا أو عندما نطرحه أمام غير المسلمين، فيتوجب علينا أن نطرحه بكل صدق وشفافية وكما جاءت النصوص ولا نحاول أبدا تجميلها أوتحميلها ما ليس فيها. لقد جاء الإسلام دينا واقعيا ليعالج المجتمع البشري والأنسان الفرد بكل ما فيه من خير وشر، ولذلك جاء طرح الاسلام متوازنا بين النقيضين، الرحمة والغلظة، ولم يُغلب أحدهما على الآخر. وسأسرد هنا بعض أوجه هذا التوازن الدقيق، أولا : خطاب الله للبشر، كان خطاب الله للبشر متوازيا بين الترغيب في طاعته وطلب مرضاته وبين الترهيب من عصيانه ومخالفة أمره. وبذلك يعيش المؤمن دائما بين جناحي الرغبة في نعيم الله في الجنة والرهبة من عذاب الله في النار.  ثانيا : الاحكام الشرعية التي فرضها الله على البشر، تحمل في طياتها الرحمة والشدة، فالله عز وجل رفع الحرج عن المسلمين، واباح لهم اكل المحرمات عند الاضطرار، ولكنه شدد في الحدود، حتى اذا ادركت ما هية بعض الحدود مثل حد الزنا للمحصن أو حد السرقة أو حد قطع الطريق، فستجد فيها شدة عظيمة. تأملو معي في واقع السارق الذي تُقطع يده، فإذا سرق طائش ما يُعادل مبلغ مئتي دينار أردني، تٌقطع يده، يفقد يده إلى الأبد. قاطع الطريق، تٌقطع ذراعه ورجله من خلاف، ويُصلب وهو حي حتى يموت. الزاني المُحصن، تُحفر له حفرة في الأرض، تم يأتي جمع من الناس فيرمون عليه الحجارة حتى يتكسر وينزف ويموت. بلا شك هذه كلها عقوبات قاسية جدا في ظاهرها، ولكن المقصد منها ليس العقوبة الفردية فقط، بل ردع كل من تسول له نفسه بفعلها، وحماية المجتمع من التخريب والتفتت، فعقوبة الرجم لا تٌقام إلا إذا شهد أربعة على حدوثها ورأو الفعل بالعين بما لا يدع أي مجال للشك. أي أن المسألة كانت شبه علنيه، (ولا يجوز في الاسلام التجسس، فمن زنى أو شرب الخمر بعيدا عن أعين الناس، فلن يلاحقه أحد، يكون حسابه على الله، ولكن لا تتدخل الدولة في الأمر)، وهذا يدل أن المقصد التشريعي في الحدود هو لحماية المجتمع من الفساد والانهيار. وهو مقصد عظيم تهون لعظمته شدة العقوبة. هذه الأمثلة تؤكد ان الإسلام يحمل في طياته توزانا دقيقا، لحث البشر على السير على هُدى الإسلام. ولكن ومع تأثر الكثيرين بالثقافة الغربية، فإنهم يصفون الاسلام كما يتمنون أن يكون وليس كما هو عليه في الحقيقة، وهذا خطا. والافتراء على الله والدين من أعلى درجات الظلم. فمثلا، يقولون ان الإسلام هو دين التسامح والمحبة والوسطية والاعتدال والسلام. وهذا غير صحيح بتاتا، ليس لأن الاسلام لا يدعو لتلك الأمور بل لأنه لا يدعو لها وحدها بل يدعو الى اشياء كثير غيرها، تناقضها ليضمن بذلك التوازن. والإسلام بذلك وحدة واحدة لا يجوز تقسيمه وأخذ جزء وترك جزء. فعلى سبيل المثال، الجهاد في الاسلام هو قتال الكفار لإيصال الاسلام لشعوبهم، فهو ليس حربا دفاعية، والجهاد ليس دائما "لا تقطعوا شجرة، لا تقتلو امرأة أو شيخا" ... لأن المسلمين قطعوا الاشجار وحرقوها في غزوة خيبر، وقتلوا جميع الرجال في بني قريظة وعن آخرهم (ويُعتبر الكثير منهم في تعريفاتنا المعاصرة مدنيون)، ومسألة التترس لمن اراد الاستزادة. وقد دعا اللهُ الناسَ إلى رهبته والخوف منه (وإياي فارهبون) ودعا المسلمين لأن يُرهِبو عدوهم (تُرهِبون به عدو الله وعدوكم). والاسلام يقول "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" و "ويشفي صدور قوم مؤمنين" ويقول ان دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. أي أن الأسلام يٌعني بأن يقتص الانسان لنفسه، لا يمنعه من ان يُسامح، ولكن يعطيه الحق في أن يقتص. وان لم يأخذ الانسان حقه في الدنيا فقد وعد الله بأن يقتص له في الآخرة.   ولكن وعلى النقيض من ذلك ففي المسيحية، "من ضربك علي خدك الايمن فقدم له خدك الايسر" ، و"من منا بدون خطيئة فليتكلم" ، ومثلها من الأفكار التى تدعو ان يكون الانسان متسامحا ومحبا للخير. وأن لا يحمل في قلبه على أحد حتى لو ظلمه. وهناك تعليق طريف سمعته من نصراني في معرض نقده للإسلام، يقول : "ديننا كله محبة وتسامح، ففي ديننا ضحى الرب اليسوع بنفسه ليكفر عن خطايا البشر، أما في الإسلام فإلهكم يدعوكم لأن تضحو بأنفسكم من أجله" والشق الذي ذكره عن الاسلام صحيح. فالله دعى المسلمين لأن يضحو بأنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. بقيت نقطة اخيرة، وهي اننا وفي معرض تقربنا من الكفار، آثرنا دائما أن نأخذ بالقواسم المشتركة وان نضع جانبا الكثير من احكام ومفاهيم الإسلام. ولأعطيكم فكرة بسيطة عن عِظم اثم هذا الأمر، يقول الله تعالى لنبيه "ودوا لو تدهن فيدهنون"   ويقول " لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا". تخيلو قسوة خطاب الله لنبيه المعصوم، من أن يُداهن الكفار ويركن اليهم. ولقد جاء كفار مكة إلى حل وسط للنبي، بأن يعبد آلهتهم يوما ويعبدو الهه يوما. فكان رد النبي المعصوم، باستحالة قبول الحالة الوسط هذة، وان هذا امر الله لا يقبل المفاوضة. فمن يُطلق عليهم المُعتدلون والوسطيون، هم اللذين ياخذون الدين على اسهله ويوادون من عادى الله ورسوله بدعوى الوسطية والاعتدال، وهم من الوسطية والاعتدال براء.  عندما تأثرنا بشدة بالاشتراكية، دعا البعض إلى القول باشتراكية الإسلام، والإسلام من الاشتراكية براء (رغم تقاطعه معها في جوانب محددة ومحدودة) وعندما تأثرنا بشدة بمفاهيم الديمقراطية، صرنا نقول بديمقراطية الإسلام، والإسلام من الديمقراطية براء جملة وتفصيلا، وعندما تأثرنا بشدة بالمفاهيم المسيحية (وليست موضة مؤتمرات حوار الأديان ببعيدة)، صرنا نقول ان الإسلام هو دين المحبة والتسامح والسلام والوسطية والاعتدل، وحصر الاسلام في تلك الاوصاف اجحاف كبير.  لذلك فلا يُجوز لنا ان نردد تلك الأوصاف، وقد أدركنا أن الهدف منها هو تقطيع وتحجيم الإسلام ليكون دينا فرديا وروحانيا، وأن لا تكون له شوكة. اتطلع قدما لآرائكم، والتي ارجو بشدة ان تلتزم جوانب مناقشة الفكرة وأن تبتعد عن تجريحي كشخص بالبعد عن الإسلام أو جهلي بالدين. فإن اصبت فمن الله، وإن اخطأت فمن نفسي.  

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.