" والصيام جُنّةٌ "

شهر رمضان العظيم ركن من أركان الإسلام، وقد أخذ هذا الشهر عظمته بنزول القرآن الكريم فيه، في ليلة هي خير من ألف شهر في العبادة والتقرب الى الله فيها، تكريماً وتعظيماً لنزول كلام الله فيها من اللوح المحفوظ على قلب رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم، فملأ هذا النور قلب الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم فاض على قلوب أصحابه رضوان الله عليهم، ثم انتقل الى قلوب البشرية، فأنقضهم من ظلمات الجهل والكفر والشرك والظلال الى النور والحق والإيمان واليقين والإحسان. وهذا الشهر العظيم لا تنتهي عجائبه وكراماته وتجلياته، ونقف اليوم عند أحد كراماته، والتي وردت في الحديث الذي يرويه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله عنه، ونأخذ منه هذا المقطع" والصيام جُنّة " ومن الإعجاز النبوي الشريف في هذا المقطع أنه لم يحدد الجُنّة وهي الوقاية من المجنّ والترس بل أطلقها لتعم وتشمل أشياء لم تكتشف إلا حديثاً. فبما أن الصيام كف النفس عن الشهوات والامتناع عن المأكل والمشرب والجماع طوال نهار الصيام، وضبط الجوارح كلها عن كل المحرمات والذنوب والمعاصي، فلقد فسّر هذه الوقاية  حديث آخر رواه مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم "حُفت الجنّة بالمكاره وحُفت النّار بالشهوات" ويوضح هذا الحديث أن النار ذات مغناطيس عظيم من الشهوات والملذات المحرمة، فجاء الصيام ليحطم كل هذه الملذات والشهوات بالامتناع عنها قُربةً لله، وإيمانا بفرض الله، واستجابة لطلب الله، بالصيام والكف المطلق عنها، فمن هنا يصبح الصيام جُنّة ووقاية من هذه النار التي حُفت بالشهوات، ومن ثم سهل طريقه الى الجنة التي حُفت بالمكاره من ضبط النفس وتحمل ترك الشهوات والصبر على الطاعات التي تشق على النفس، لذلك جاء في الحديث المتفق عليه " من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً " فقال العلماء من صام يوما فيه مشقة على مشقة إمّا في الجهاد في سبيل الله، أو في أرض الرباط لحماية الثغور، أو صام يوما شديد الحرِّ طلباً لرضاء الله وابتغاء وجهه الكريم حصل على هذه المكرمة الجزيلة الثمينة أن يباعد الله النار عن وجهه مدة سبعين خريفاً، ويكون وقاية له من النار. وثمة وجه آخر للوقاية في الدنيا بالصيام، وهي وقاية الجسد والجسم من الأمراض والأسقام، فقد ورد في الحديث " اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا " ففي الصيام وقاية من كثير من الأمراض وعلى رأسها التخمة، وقد ثبت ذلك في العلم الحديث، فثمة مستشفى في ألمانيا تُعالج الأمراض بالصيام الإستشفائي، واسم المستشفى (بوشينغر فيلهلمي) على ضفاف بحيرة كونستانس بالقرب من الحدود السويسرية، ويقول كبير الأطباء فيها د.ستيفان دريندا إن هذا المستشفى يعمل منذ ستين عاماً، ويستقبل سنوياً أكثر من ثلاثين ألف مريض يأخذون جلسات علاج بالصيام تصل الى ثلاثين يوماً أو أكثر مع وجبات خاصة وحمية تساعدهم على الشفاء من كثير من الأمراض، وأصدر أحد الأطباء في المستشفى د.لهيوت لوتسنر كتاب بعنوان " حياة جديدة بفضل الصيام " لمعالجة بعض الأمراض المزمنة. كما أن مجموعة من العلماء الأميركان أثبتوا أن المأكولات في عالمنا اليوم مليئة بالكيماويات والهرمونات والمواد الحافظة، وأن هذه السموم تتخزن في جسم الإنسان، وأن الصيام عن الطعام لساعات طويلة يساعد خلايا الجسم التخلص من هذه السموم، وسميت هذه المعالجة (عملية اخراج السموم دون جراحة)، كما أنهم أثبتوا أن الصيام يُضعف خلايا السرطان ويسهل علاجها. كما أثبتت دراسة في جامعة غرونوبل الفرنسية دور الصيام في معالجة الإضطرابات النفسية وأمراض الخرف. والمسلم في شهر الصيام تزداد عنده شحنات التقوى وتسمو روحه بالإيمان والإحسان وذلك بمواضبته على قراءة القرآن وصلاة القيام والذكر والصدقة، والابتعاد عن كل الشهوات وضبط نفسه عن كل المحرمات، فينعكس ذلك كله على نفسه وجسده وجوارحه بالصحة والنضارة والحياة والطمأنينة فيخلصه هذا من كثير من الأمراض النفسية والسلوكية والعادات السلبية، وصدق رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام عندما أطلق قوله الصيام جُنّة ووقاية بعضها تكلم عنه العلماء سابقاً من ناحية اخروية، وبعضها اكتشفه العلماء حديثاً دنيوياً وجسدياً ونفسياً باعجاز نبوي كريم.    (البوصلة)

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.